إن المتأمل في مختلف أشكال تفاعل المغاربة مع مباريات المنتخب الوطني في الآونة الأخيرة في الواقع والمواقع الاجتماعية، يكتشف تحولاً سريعاً في الأحكام والمواقف، ففي حالة الهزيمة أو التعادل أو الانتصار غير المُقْنِع يرفع الجميع سياط الجلد تجاه المدرب واللاعبين، فينسون ما كان يقال عنهم من قبل من إشادة وإطراء، وفي حالة الفوز المُقْنِع تنتشر التهاني وخطاب الفخر بالإنجاز، ومن كان سبَباً فيه، مدرباً ولاعبين وأجهزة مساعدة. هذا المرور السريع من الجلد إلى الإشادة، ومن لغة الغضب والشجب إلى لغة الرضى والتأييد، تفسِّره العديد من المُؤَوَّلات الاجتماعية والنفسية والثقافية والتاريخية والسياقية. إنه سلوك اجتماعي مركَّب، تتجلى تمظهراته في كثير من التجارب والسلوكات الاجتماعية والسياسية... إلخ. عندما نتحدث عن المغاربة فنحن نقصد التوجه العام الغالب، لأن هناك نُخَباً لا تنساق وراء سيكولوجيا الجماهير، ولا تجرفها رياح السياقات الظرفية المتغيرة، وتستطيع التغلب على النوازع الجمعية العاطفية، والأحكام الظرفية والآنية والانفعالية، بإعمال النقد الموضوعي الهادئ. إن الانقلاب السريع في المواقف تجاه الأشخاص والأحداث لا يتعلق بسلوك جماعي محدود في الزمن والمكان ومرتبط بحدث مخصوص، بل هو تجلٍّ انفعالي لذهنية جماعية مزاجية موشومة بالتقلبات حسب السياق، فمن أصبح منتصراً وفرض قوته يدعو له المغاربة بالنصر الدائم "لَا ينصر من أصْبَح"، وينسون المنهزم وإن كان ذات يوم رمزاً وأسطورة. قد تكون تقلبات التاريخ والمجال هي التي جبلت المغاربة على التكيُّف مع المستجدات، دون التحرج من السقوط في الازدواجية والتناقض، بحيث تشكلت لدينا ذاكرة قصيرة خاصيتها المحو السريع، افعل ما شئت من إنجازات، لكن عندما تخطئ تصبح في مرمى حجر، فلا يرحمون عزيز قوم ذلَّ، ولا يشفع لك ماضيك المجيد، ومنجزك التليد، وعندما تذكرهم به يواجهونك بالمقولة: "لِي فات مات، حنا ولاد اليوم". إن للمغاربة قدرة عجيبة على دفن الماضي وإحيائه، بوعي أو بلا وعي، حسب الظرف التداولي والمَقْصِد، وعندما تستغرب من تغيير المغربي لرأيه جذرياً يواجهك بمقولة: "الرَّاس لي مايدور كْدِيَّة". إن تقييم الأشخاص والقضايا يتأسس على الأداء الآني اللحظي، لا بمقتضى النقد العقلاني الشمولي والمسار التراكمي. كرة القدم تكشف هذه الذهنية المتقلبة بشكل جلي، نظراً لطابعها الآني والظرفي، فالمباراة تُجرى في ساعة ونصف، ويُحكم على اللاعب والمدرب من خلال أدائه في المباراة فقط، لا من خلال مساره في كليته، ودون استحضار مختلف العوامل والمعطيات الذاتية والموضوعية، وهذه شؤون تخصصية لا يراها إلا المتخصصون. لنأخذ مثال اللاعب المغربي "حَمْد الله" في مباريات كأس العرب الأخيرة، في المباريات الأولى كان أداؤه متواضعاً وحصل على بطاقة حمراء، فانهال عليه الجميع بالتقريع والتبخيس والسخرية بشتى التعبيرات اللغوية والكاريكاتورية، ولما عاد اللاعب ذاته ليكون عنصراً فاعلاً في صناعة التتويج بالكأس، تحول الرأي العام في المواقع والواقع في رمشة عين إلى خطاب الإشادة والافتخار والتنويه بالرجل إلى درجة التمجيد، رفع الشخص وإسقاطه رهين بمَنْجَره الأخير. إذا عدنا لتحليل خطاب الجمهور أثناء مباريات كأس إفريقيا، نجد ظاهرة التصفير والصراخ وصافرات الاستهجان في حالة الغضب من الأداء والنتيجة، وبعد ذلك يشتد التداول الواسع لخطاب التقريع والسخرية في المنصات التواصلية، حيث ينساق الجميع نحو سادية جماعية، تنفيساً عن خيبة أمل، وإرواءً لغضب جماعي حاد، إذ نجد منشورات وتعليقات تحمل ملفوظات من قبيل: "مدرب فاشل، المنتخب المغربي فاشل، ضعيف بزاف، لاعبون بلا روح قتالية..."، وفي سياق الفوز تتحول الملفوظات من السلب إلى الإيجاب، مثل: "فخر الوطن، جيل ذهبي..". إذا عدنا قليلاً لإلقاء نظرة على تعليقات المغاربة على مباريات المنتخب الوطني عقب انتصاراته المبهرة في كأس العالم بقطر، نكتشف فيضاً من الاعتزاز والفخر بكل المسهمين في هذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق، ولن تتصور آنذاك أن يأتي يوم يوضع فيه المدرب واللاعبون وكل الأجهزة المساعدة في قفص الاتهام، دون إجراء تقييم شمولي لكل المتغيرات. لقد تغير السياق والأداء إذن سيتغير المزاج والحكم. لقد ألِف الناس الانتصارات، ولا يمكن تبرير أي ضعف أو تراخ بعد ذلك. فلا يؤمن الجمهور بمقولة "لكل جواد كبوة". إن الرهان على الكرة لاستنهاض الهمم سلاح ذو حدين، إذ يمكن أن تعمق الهزيمة مشاعر الإحباط والخيبة والضعف لدى المجتمع، في غياب الوعي العام بحقيقة هذه الرياضة الفرجوية.