دفاعٌ عن السّرد من قلْب الممارسة الطّبية أيّ أسئلة ملحّة يمكن أن نطرحها اليوم أمام هذا التحوّل اللافت في بعض المستشفيات الغربية، حيث يُستقبل "الكاتب السيريّ في المستشفى"Biographe hospitalier" بوصفه عنصرا أساسيا داخل المنظومة العلاجية؟ وكيف استطاعت تلك المؤسسات أن تدرك ما عجزت عنه منظوماتنا التعليمية: أن للكتابة قدرة علاجية لا تقل عمقًا عن الدواء؟ ولماذا لا نجد لهذه الممارسة أثرًا داخل كليات الآداب عندنا، رغم أنّها تلامس جوهر فعل السرد؟ ولماذا لا تُدرج ضمن تكوينات كليات الطب، مع أنها تعيد الاعتبار للبعد الإنساني في الممارسة الطبية، وتمنح الطالب أفقًا أخلاقيًا أبعد من حدود العلم التجريبي؟ ثم ما الذي يجعلنا نتردد في الاعتراف بأن المرض ليس حدثًا بيولوجيًا محضًا، بقدر ما هو لحظة سردية تحتاج إلى من يصغي إليها ويعيد ترتيبها داخل نصّ قادر على منح المريض معنى وملاذًا؟ ألسنا في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى دمج هذه الخبرة في مؤسساتنا التعليمية، حتى لا يظل الجسد في عالمنا شيئًا يُعالَج، فيما تظل الحكاية التي يسكنها معلّقة من غير وجود من يرويها؟ لماذا لا نُدرِّس "الكتابة العلاجية"؟ في الوقت الذي تُدرج فيه مستشفيات غربية مرموقة، من فرنسا إلى كندا مرورًا بالسويد، وظيفة "الكاتب السيريّ" في المستشفى ضمن بنيتها العلاجية، باعتبارها ممارسة ذات قيمة علاجية ووجودية لا تقل أهمية عن الرعاية الدوائية، يظل هذا الحقل غائبًا تمامًا عن جامعاتنا المغربية وحتى العربية، سواء في كليات الآداب أو في كليات الطب. هناك، يُنظر إلى الكتابة باعتبارها جزء من "العلاج الشامل"، وأداة لتأطير الذاكرة ومقاومة عزلة المريض، بينما نهمل نحن إمكانية تحويل اللغة إلى قوة علاجية، وإعادة تأهيلها داخل الفضاء الطبي بوصفها تقنية للإنصات وإعادة بناء الكينونة. ولذلك يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تتحول هذه الممارسة إلى مجال تكوين أكاديمي داخل كليات الآداب باعتبارها كتابة سردية علاجية، وداخل كليات الطب بوصفها امتدادًا للطب الإنساني؟ إن غيابها ليس مجرد نقص في المناهج، بقدر ما هو علامة على فجوة أعمق بين ما ندرّسه وما يحتاجه الإنسان في لحظته الأكثر هشاشة. ففي الوقت الذي تعيد فيه المستشفيات الغربية الاعتبار لقوة السرد في تضميد الجراح الخفية، نواصل نحن التعامل مع المرض بوصفه "حالة" لا "حكاية إنسانية"، ومع الجسد بوصفه عضوًا لا "ذاتًا" تبحث عن معنى في الوجود. برزت في السنوات الأخيرة داخل الفضاءات العلاجية الغربية وظيفة فريدة تُدعى "الكاتب السيريّ" في المستشفى؛ وهي ممارسة تجمع بين الأدب والطب، وتتيح للمرضى إمكانية تحويل هشاشتهم الجسدية إلى نصٍّ يمتلك قوة رمزية مضاعفة. لا يتعلق الأمر بمجرد تدوين ذكريات شخصية أو إعادة سرد مسار حياة، وإنما بعملية "معرفية–إنسانية" تُعيد للذات قدرة التلفّظ داخل وضعية يهيمن عليها الصمت الإكلينيكي، بحيث تغدو الكتابة فعل مقاومة ضد التلاشي، ومسارًا لتثبيت أثر الشخص في العالم. إدخالُ "الكتابة العلاجية" في كليّات الآداب والطّب يعمل الكاتب السيريّ داخل المستشفى بمثابة وسيط بين التجربة المعيشة ولغتها الممكنة. فهو يصغي لمريض يواجه هشاشة وجودية حادة، ثم ينسج من شذرات حديثه سردًا متماسكًا يحفظ الخصوصية وفي الآن نفسه يحرّر الذاكرة من ضغط الألم. إن الإصغاء في هذا السياق ليس مجرد مهارة تقنية، إنه حضورٌ معرفيّ وأخلاقيّ يُمكّن الذات من إعادة بناء سرديتها لحظة تهديدها بالانهيار. وهنا تتضح القيمة العلاجية للكتابة: فهي تمنح المريض إمكانية إعادة تحديد مكانه داخل الزمن، وتعيد صياغة علاقته بالموت والمرض والعالم. يشكل "الكاتب السيريّ" في المستشفى من منظور سوسيولوجي، أحد تجليات الممارسات الطبية المعاصرة؛ إذ ننتقل من تصورٍ بيولوجيّ صرف للمريض إلى الاعتراف به ككائن سرديّ، أي كذات لا يمكن فهمها إلا بما تحمله من حكايات ومَرْويات. وبهذا المعنى، يساهم هذا الدور في إعادة إنسانية الفضاء العلاجي، عبر فتحه فجوة داخل منطق الأجهزة والقياسات، فجوة تسمح للغة بأن تستعيد قدرتها على مداواة ما لا تبلغه الأدوات الطبية. لا تُقرأ النصوص التي ينتجها هؤلاء الكتّاب غالبًا بوصفها سيرًا ذاتية تقليدية، وإنما بوصفها نصوصًا على الحافّة: حافة الحياة والموت، وحافة الذاكرة والنسيان، وحافة الجسد وروحه. إنها كتابة يستعيد فيها المريض تجربته في أقصى درجات هشاشتها، وتتحوّل بذلك إلى معرفة، وإلى أثر، وإلى شكل من أشكال المصالحة مع الذات والمرض. لهذا يكتسب "الكاتب السيريّ" في المستشفى مكانة تتجاوز حدود المهنة؛ فهو شاهدٌ على لحظات استثنائية، وحارسٌ للذاكرة داخل زمن طبيّ سريع الزوال، ومساهمٌ خفيّ في جعل الألم قابلاً لأن يُروى، وبالتالي قابلاً لأن يُحتمل. من هذا المنظور، يمثّل "الكاتب السيريّ" في المستشفى نقطة الْتقاء بين ثلاثة فضاءات قلّما تجتمع: فضاء المعرفة الطبية، وفضاء التجربة الوجودية، وفضاء الإبداع الأدبي. إنه يقف على تخوم هذه المجالات، موظِّفًا اللغة باعتبارها جسرا ينقل المريض من موقع "العلامة الإكلينيكية" إلى موقع "الذات القادرة على السرد". وفي هذا الانتقال يحدث انقلاب معرفي دقيق: يتحول الجسد المريض من موضوع للفحص إلى موضوع للحكاية، ومن حالة طبية إلى كينونة تمتلك خطابًا خاصًا بها. رفاهية غربية أم حاجة علاجية مؤجَّلة؟ على هذا الأساس، يصبح دور "الكاتب السيريّ" جزءًا مما يمكن تسميته ب "الإنصات الإنساني الموسَّع" داخل المستشفى. فالإصغاء هنا فعلٌ علاجيّ ومساءلة في الآن ذاته: مساءلة لحدود الطب، الذي مهما بلغت دقته يظل عاجزًا عن الاقتراب من مناطق الألم التي لا تكشفها التحاليل. إنها المناطق التي لا يدخلها إلا النص. ولهذا، فإن ما يكتبه "الكاتب السيريّ" ليس مجرد سجلّ حياتي، إنه بحث عميق في المعاني، حيث يحاول المريض الإمساك بملامحه الأخيرة قبل أن يبتلعه الزمن السريري البارد. تشكّل هذه الممارسة ومن زاوية الأنثروبولوجيا الطبية، تأكيدًا على أن المرض ليس ظاهرة بيولوجية فحسب، إنه حدث سردي وثقافي. فهو يعيد ترتيب علاقة الفرد بجسده ومصيره وعلاقاته، ويجبره على إعادة صياغة ذاته. وهنا يتدخل "الكاتب السيريّ" ليحوّل هذا الاضطراب الوجودي إلى نص، ولينسج من الفوضى ترتيبًا رمزيًا يسمح للمريض بأن يرى نفسه من جديد، وأن يدرك أن قصة حياته لم تنقطع، وإنما تغيّر مسارها فقط. كما أن حضور "الكاتب السيريّ" في المستشفى يذكّر بأن اللغة نفسها شكل من أشكال العناية. فالنص الذي يُنتج في سرير المستشفى يعمل بوصفه مجالا مضادا للعدم، يتيح للمريض أن يتشبث بمساحة من السيطرة داخل فضاء تُهيمن فيه القرارات الطبية المفروضة. إنه نوع من استعادة السيادة الرمزية عبر السرد، حيث يستطيع المريض أن يختار زاوية النظر، وأن يعيد ترتيب أحداث حياته، وأن يمنح ذاته التعريفَ الذي يراه مناسبًا، لا التعريف الذي يفرضه المرض. ومن جهة أخرى، يمكن النظر إلى هذه الممارسة بوصفها نوعًا من الأرشفة الحيوية bio-archive: فكل نصّ سيريّ مكتوب في المستشفى هو وثيقة نادرة عن اللحظة القصوى للوعي الإنساني حين يواجه هشاشته الحقيقة. تلك اللحظة التي تتجرد فيها الذات من الزوائد، وتبحث عن المعنى بصورتها الأكثر صدقًا. وهكذا يصبح "الكاتب السيريّ" شاهدًا على لحظات تتداخل فيها الفلسفة مع علم النفس، والطب مع الشعر، والوعي مع الجسد. حين تصبح اللغة شكلًا من أشكال العِناية لا تُقاس قيمة "الكاتب السيريّ" في المستشفى بعدد النصوص التي يكتبها، وإنما بقدرته على جعل المرضى يعثرون على شكل جديد لوجودهم داخل اللغة. وفي عالمٍ تسوده التكنولوجيا الطبية، يذكّرنا هذا الدور بأن الإنسان لا يُشفى بالأدوية وحدها، ذلك أنه يحتاج أيضًا إلى قصة... وإلى نصّ يضع داخله ما تبقى من صوته، وما يتجاوز جسده إلى أعمق حدوده الإنسانية. لا تكفي اللغة وحدها لتضميد الجراح، لكنها الأداة الأولى التي تمنع الإنسان من التفتّت وهو يمرّ من تجربة قاسية ومؤلمة. الدواء يهدّئ الأعراض، يخفّف الحمى ويضبط الضغط، لكن ماذا يفعل بكلّ ما لا يُقاس بميزان الحرارة؟ ماذا عن الرعب من الغد، والإحساس بالعجز، والشعور بأن الحياة انكسرت فجأة إلى "قبل المرض" و"بعده"؟ هنا تبدأ اللغة عملها الحقيقي: تمنح هذا الخراب شكلًا يمكن فهمه بدل أن يبقى غيمة ثقيلة لا اسم لها. حين يدخل المريض المستشفى لا يحمل معه جسده فقط، بل سيرة كاملة توقّفت فجأة عند باب غرفة الفحص. الأطباء يقرؤون تقريرًا طبّيًا، أمّا الكاتب السيريّ فيقرأ الفراغ بين السطور: تردّد المريض في الإجابة، ارتباكه حين يسمع التشخيص، محاولته الدفاع عن حياته القديمة بجملة عابرة عن عمله أو أبنائه. وظيفة هذا الكاتب ليست إنتاج نصوص جميلة، وإنما مساعدة المريض على إعادة ترتيب قصته داخل اللغة، كي لا يُختزل في رقم ملف أو اسم مرض. ومع ذلك، من الوهم أن نُحمّل اللغة ما لا تستطيعه. لا النصّ يعوّض الجراحة، ولا الحكاية تحلّ محلّ العلاج النفسي أو العدالة الاجتماعية. هناك آلام تحتاج إلى سرير إنعاش لا إلى قصيدة، وإلى سياسة صحية عادلة لا إلى استعارة بليغة. اللغة من غير إصغاء حقيقي تصبح كلامًا منمّقًا يضيف طبقة جديدة من الخيبة، والكتابة من دون تغيير في شروط الحياة قد تُهدّئ مؤقتًا، لكنها لا تزيل سبب الجرح. لذلك، لا تكفي لتضميد الجراح، لكنها تجعل فعل التضميد إنسانيًا ومحتملًا. الطبّ يعيد للجسد وظائفه، واللغة تعيد للإنسان إحساسه بأنه ما زال صاحب القصة، لا مجرّد موضوع للعلاج. كيف يمنح النصّ المريض معنىً جديدًا لمرضه ومصيره؟ فما الذي يمنع كليّات الطب من إضافة ساعة "كتابة علاجية" إلى جانب دروس التشريح، ليتمرّن الطالب على الإصغاء إلى الحكاية كما يصغي إلى نبض القلب؟ ولماذا لا تعيد كليّات الآداب تعريف نفسها بوصفها مختبرات حقيقية للعناية بالإنسان، فتدرج وحدات تجمع بين السرد والطبّ، بين النصّ والملفّ الطبي؟ ألسنا بحاجة إلى أطباء يعرفون أن تقرير الأشعّة لا يلغي تقرير النفس، وإلى نقّادٍ وأدباء يدركون أن النصّ يمكن أن يكون بروتوكول علاج لا مجرّد تمرين أسلوبي؟ ألا يحقّ لطلاب الطب والآداب معًا أن يتدرّبوا على نوع جديد من الكفاءة: كفاءة تضميد الجسد بالكيمياء، وتضميد المعنى بالكلمات؟ لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.