أخنوش: قطاع الرياضة انتقل من منطق الظرفية إلى التخطيط ومن النخبة إلى القاعدة الواسعة    الجديدة تحتفي برأس السنة الامازيغية في حفل بهيج بمسرح عفيفي .    المغرب وقطر يبحثان التعاون القضائي    بورصة الدار البيضاء تغلق على ارتفاع    نشرة إنذارية تحذر من أمطار ورياح قوية بالمملكة    حوادث السير تنهي حياة 24 شخصا في أسبوع واحد        الاستثمار يعمّق تعاون المغرب والسنغال    عدد كبير من المغاربة... إسبانيا تبدأ تنظيم وضعية نحو نصف مليون مهاجر    الغلبزوري: المغرب عرف في بداية الألفية انفتاحا إعلاميا ملموسا وهو مسار ينبغي استعادته وتطويره    مجلس السلام وقضية الصحراء المغربية: بين الفرص الدبلوماسية ومخاطر التحولات الدولية    العواصف تعلّق جميع الرحلات البحرية بين إسبانيا والمغرب    حوض سبو: السدود تُسجل نسبة ملء تفوق 66 في المائة    بحر قوي الهيجان مع أمواج عاتية بالسواحل الأطلسية والمتوسطية    الجيش الملكي يواجه أرسنال في نصف نهائي أول نسخة من كأس أبطال السيدات    حموشي يجري مباحثات أمنية مع مسؤول الشرطة الدانماركية    ماذا ينتظر غزة بعد عودة رفات آخر أسير إسرائيلي؟    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    إسبانيا تعتزم تسوية أوضاع 500 ألف مهاجر غير نظامي لإنعاش الاقتصاد    الخدمات تتوسع لأسرة التربية والتكوين‬    حكومة إسبانيا تضع خطة لتسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير نظامي    ندوة تتدارس التحرر والآداب بإفريقيا    بابي غاي يكسر الصمت ويعترف : مغادرة الملعب كانت خطأ    المنتخب المغربي يفوز بدوري "ويك فوتسال" في كرواتيا    يوفنتوس ينهي مفاوضات استعارة يوسف النصيري    الذهب والفضة بالقرب من مستويات قياسية مرتفعة    كلام عابر: العواطف، العقل، ومعنى التاريخ    المغرب يبصم على نتائج مشرفة في الدوري العالمي الممتاز للكراطي بإسطنبول    رئيس الاتحاد الإسباني: "نهائي كأس العالم 2030 سيجرى على الأراضي الإسبانية"    كوريا الشمالية تطلق "مقذوفا" على الأقل باتجاه بحر اليابان    سلمان رشدي يحذر من أخطار "العنف السياسي"    بلاتر رئيس الفيفا السابق يدعو لمقاطعة مونديال أمريكا    مجلس النواب يصادق على مشروع القانون المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة    سحب حليب أطفال من إنتاج "دانون" في بريطانيا بعد رصد مادة سامة    كيش الوداية يحتضن أمسية تذوق صينية بدعم من مكتب التكوين المهني    سجل الأمم المتحدة يفرض البحث عن بدائل : مجلس السلام نموذجًا            أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الثلاثاء    بورصة الدار البيضاء تستهل تداولاتها على وقع الارتفاع    تركيا تحظر الاحتجاجات قرب سوريا    البرلمان الفرنسي يقر حظر شبكات التواصل الاجتماعي على القاصرين دون 15 عاما    العرفي يعالج الجبايات بمجلة "ريمالد"    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل        جسور بين أصيلة ومكتبة الإسكندرية    فيلم صُوّر في طنجة يفتتح مهرجان مالقة ويواصل تألق مريم التوزاني دوليًا    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    مؤسسة الدوحة للأفلام تعلن عن 57 مشروعاً من 46 بلداً ضمن دورة منح الخريف 2025    "ميرسي" يطيح بفيلم "أفاتار" من صدارة شباك التذاكر في أميركا الشمالية    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    علم الأعصاب يفسّر ظاهرة التسويف .. دائرة دماغية تكبح الحافز    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في موكب الخالدين
نشر في هسبريس يوم 25 - 01 - 2026


أستاذي الدكتور عباس الجراري
لا أعرف إن كان القلم سيجيدُ الحديث عنك وإليك، إذ يصعبُ عليَّ أنْ أخَطَّ كلماتٍ في لحظاتٍ قاسية عنك رائدا كبيرا، وأستاذا ناجحا، وباحثا قديرا، ومفكرا كفئا، ومثقفا لامعا، وعالما رصينا، وخطيبا مفوَّها، وموسوعيا متألقا. أنت ممَّنْ يعجِزُ القلمُ عن توْفِيَتِكَ ما تستحقُّه من الأوصاف والنعوت.
تهيَّبَ القلم أنْ يخُطَّ كلماتٍ ليشارك في تأبينك في هذا الفضاء الأكاديمي "مدرج الشريف الإدريسي" بكلية الآداب، والذي عرفك أستاذا محاضرا ومناقشا فيشهدَ لك بالتفوق والتميُّز. لَوْ تحدثتْ حيطانُه وكراسيُّ مُدَرَّجه منذ أن تربَّعْتَ منصَّتَه السنواتِ ذاتِ العدد، لأفصحَ الجميعُ اللحظةَ عما يُكنُّوهُ لك من إعجاب وتقدير. كما تشهد لك قاعاتُ الدروس بهذه الكلية وبملحقها بمدينة العرفان بالسويسي بجديتِك وعطائِك، وبالتزامِك دائما باحترام مواعيد دروسك وانضباطك بذلك، سواءٌ في دروسك الصباحية أو مع الطلبة الذين تُشرف على رسائلهم وأطاريحهم الجامعية.
كانت هذه الكليةُ تسكنُ أعماقَك وتُؤَرِّق فكرَك. يشغلُكَ واقعُها ومستقبلُها باستمرار. فكلَّما زرتُكَ إلاَّ وكان السؤالُ عن الجديد من الإصدارات المغربية في المكتبات التي أزورها، عن الكلية والطلبة، وعن الشعبة وعن الجديد من أخبارها. وكنتُ أردِّدُ مع نفسي: لِمَ لا يسألُ عنها؟ ألمْ يعشْ فيها أزهى سنواتِ عمره: شبابِه ونضجِه وكهولتِه؟ متطلعا إلى أخبارها، متشوفا إلى جديدها. إنه الوفاءُ الذي يملأ كيانه ويملأُ مشاعره. وهنا أقترحُ تسميةَ إحدى القاعات باسم الدكتور عباس الجراري تأريخا لمسار أستاذ علاَّمة في رحاب هذه الكلية العامرة. وفي هذا الإطار، أقترحُ أيضا تسمية إحدى قاعات الكلية لأستاذي وصديقه العلامة الدكتور محمد بن شريفة رحمهما الله.
يدعوني رحيلُكَ أستاذي إلى تدبُّر قول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون". صدق الله العظيم.
إنها فاجعة الموت التي لا نقوى على ردِّها ولا على مساءلَتِها. عجَزَ الطب عن فكِّ لغزها مهما فعل، وليس لنا إلاَّ أنْ نتدبَّرَ ما ورد في الحديث النبوي الشريف: "من أثنيتمْ عليه خيرا وجبتْ له الجنة". وأنتَ أيها الراحلُ العزيزُ ممَّن يذكرُهُمُ الجميع بالخير ويشهدون بأفضاله ومكارمه وجميل خصاله، فوجبتْ لك الجنة.
رحيلُكَ أستاذي وصديقي الدكتور عباس الجراري فاجعةٌ أخرستِ الألسنَ وأدمتْ شغافَ القلوب. نترقبُ كل الأخبار المزعجة، لكننا لا نترقبُ مصيبةَ الموت. دائما تستغفلنا في لحظات الأمل، وتسلُبُنَا العزيزَ من الأهل والأساتذة والأصدقاء، وتَلُفُّنَا سحبُ الإيمان بقضاء الله وقدره، وتغمرُنا مشاعرُ الأسى العميق ومرارةُ الفقد الأليم لمن كانتْ حياتُهُ دفْقاً من العطاء وحضورُه بهاءً في بهاء.
وقديما قال المتنبي في الرثاء:
ما كنتُ أحسَبُ قبل دفنِكَ في الثري أنَّ الكواكبَ في التراب تغور
ما كنتُ آمُلُ قبل نعشِك أنْ أرى رضوى على أيدي الرجال تسير
أو كما قال الشاعر ابن رازكة الشنقيطي:
هُوَ الموتُ عَضْبٌ لا تخونُ مضاربُهْ وحوضٌ زُعَاقٌ كلُّ منْ عاشَ شَاربُهْ
دنيا غيرُ آمنة، تُشعرُنا بالاطمئنان إليها، تُغرينا بملذاتها، وتُطْمِعُنَا برهاناتها. تجودُ لتسلب، وتُعطي لتأخذ، تَفْجؤنا بحقيقة المآل، ومرارةِ الفقد والغياب. فما على المرء إلَّا أن يرضى بقضاء الله وقدره ويؤمنَ بحقيقة الموت في كل وقت وحين.
كانت مفاجأةً غيرَ سارة. إذ يبقى الأملُ دائما في الإفلات من سطوة الموت يدغدغ المشاعرَ ويُلهبُ العواطف لحظاتٍ ولحظاتٍ. لكن، وكما قال أبو فراس الحمداني:
ولكن إذا حُمَّ القضاء على امرئ فليس له بَرٌّ يقيه ولا بحر
كنت أستعدُ كغيري لحضور حفل تكريمي يقيمُه معهد كونفوشيوس لتقديم ترجمة كتابك "بين التنمية والثقافة" إلى اللغة الصينية يوم الإثنين 8 يناير 2024. لكن حصل ما لم يكن في الحسبان. تأجّلَ اللقاء، وكان استفسارُ أرملته عن السبب فقالتْ: إنَّ وضعَهُ الصحي يستدعي نقله إلى المستشفى. ونزل الخبرُ عليَّ كالصاعقة. لكن الطمعَ في رحمة الله كان مُسَكِّنا لانزعاجي من الخبر، وكان الأملُ أنْ يمرَّ من هذه الأزمة الصحية المفاجئة بخير، وأنْ يتغلبَ عليها كما عوَّدنا على الانتصار على المرض والمستشفى. لكنه غُلِبَ على أمره هذه المرة، إذ انتزعَه الموتُ منا انتزاعا وسقانا جميعا مرارةَ الفقد وجراحَ الفراق. لم أصدقِ الخبرَ إلا بعد أن رأيتُه مُسْجَى تُتْلى عليه آياتُ الذكر الحكيم استعدادا لنقله إلى مقَرٍّ سَكَنِيٍّ ارتضاه الخالقُ له، رحمه الله.
ويرحل الأستاذ الدكتور عباس الجراري عن هذه الدنيا الفانية بعد حياةٍ حافلة بالعطاء، ومسارٍ مشرق بجليلِ الأعمال، وبَديع الإصدارات، وبهيّ المؤلفات. يبهرك بما يمجُّه قلمُه من حين لآخر حول موضوعاتٍ أرهقه التفكيرُ فيها زمنا، وداوم على البحث فيها بأناةٍ وتبصُّر. يحلل ويناقش ويَبْسطُ آراءَه وتصوراتِه حول ما يشغلُه ويؤرقُ فكره: في الثقافة، في الدراسات المغربية أدبا وفكرا، في الفكر الإسلامي، في الثقافة الشعبية، في ثقافة الصحراء. كما شغلته الظواهرُ الاجتماعية والاقتصادية فشارك كمفكر في الحديث عنها وطَرْحِ بعض وسائل العلاج، كأهمية الماء من منظور إسلامي، ومفهومِ التعايش في الإسلام، والحوار من منظور إسلامي. إلى غيرها من المؤلفات التي لا يستغني عنها أيُّ باحثٍ أو طالبٍ، فيغرفَ من عذب زلالها ما يُعينُه على الدرس والبحث مطمئنا إلى ذلكم الزادِ المعرفي الذي أنار له الطريق وعبَّد له المسار. فلا نملك جميعا غيرَ أن نعترفَ بفضله وجميل صنيعه في المجالس والمنتديات واللقاءات والندوات.
ولعلي أجد العزاءَ فيما خلَّفَه أستاذُنَا من مؤلفاتٍ ودراساتٍ لتحَمُّل وقْع الخبر غير السار الذي حمله الهاتف في مساء يوم رحيله. وإن لم يستوعِبْه السمع ساعَتَها، لأن الأستاذَ كان قويا في لحظاتِ أزماتٍ صحية عاشها، واستطاع أن يتغلبَ عليها بإيمان الصابر المحتسب، ويعيشَ بعدها في صحة وعافية، ويتابعَ مشوار حياته بأمن وأمان. يحاضرُ في الملتقيات العلمية في المغرب والمشرق. تتهلل أساريرُه كلما التقى بجمع العلماء والأدباء والطلبة النجباء، ويناقشُ الرسائل الجامعية التي كان يشرفُ عليها في كليات المغرب المتعددة: في الرباط، والبيضاء، وأكادير، وفاس، ومكناس، ووجدة، ومراكش وغيرها. لا يتأففُ ولا يتذمرُ لبعد المسافة وتعبِ الطريق، بل ينشرحُ صدرُه ويتجددُ نشاطه. وألمسُ عنده روحَ الشابَ النشيط وسطَ زملائه وأصدقائه وطلبته.
عباس الجراري نسيجُ وحدِه: خُلُقا وعلما، بشاشة وانشراحا، ابتهاجا وحبورا، تأليفا وتصنيفا، حضورا وتألقا. مُجَالسٌ مٌجَانسٌ. كلما جالستُه إلا وأتحفني بالجديد من الكتابات والدراسات. تأكد لي ذلك عندما شاركتُ معه رفقةَ أرملته في سفرياتٍ علميةٍ لحضور ندوات تكريمية أقيمتْ له. أكونُ من المشاركاتِ فيها بالرباط ومراكش وشفشاون وبرشيد وآسفي وتطوان والعيون وغيرها. كنت أنبهر بتلك الذاكرةِ القويةِ المستوعبة. فهو حاضرُ البديهة، فصيحُ اللسان، بليغُ الحجة والبيان. قدرةٌ فائقةٌ على الارتجال يَبُزُّ بها غيرَه من الأساتذة الزملاء؛ وهي ميزة أعتبرها هبة من الله تعالى، مستشهدا بمحفوظه من الأشعار كلما كان النقاش يستدعي ذلك. ذاكرةٌ حافظةٌ قوية تُسْعِفُه كلما دعاها، لا تبخل عليه بذلك المحفوظ من الأشعار. وكثيرا ما كنتُ أدعوه إلى أن يسجلَ لي بخط يمينه ما يفاجئني باستشهاده بالمحفوظ من الأشعار. من ذلك ما حدث ذاتَ مرة ونحن نُنْصِتُ إلى شاعٍر يتحدثُ عن ليلاه وعن شقائِه بِحبِّها وعن الحرقة التي اكتَوَى بها وقد هَجَرتْهُ ورفضتْ وصالهُ في ندوة علمية بالعيون. ففعلَ وكتبَ لي في ورقةٍ بخطِّه، وما زلتُ أحتفظ بهذه الوثيقة، وكان ذلك بالضبط يوم 5 نونبر 2016. بيتان شعريان من محفوظ الأستاذ الجراري، فهو يجيد الإنصات ويستحضر ما خطر بفكره لحظتها:
فكرتُ ليلةَ وصْلها في هجْرها فجرتْ مدامع مقلتي كالعندم
فطفِقْتُ أمسح ناظري في جيدها من عادة الكافور إمساكُ الدَّم
بحثت عن صاحب البيتين فوجدتهما للشاعر ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب العمدة. فالراحل الجراري القدوةُ ممَّنْ أكرمهم الله بهذه الذاكرة القوية، يستدعيها فتُجيبه ملبيةً في حَلِّه وترحاله. يستدعي تلقائيا ما لم يطوه النسيانُ في ذاكرته، وهذه نقطة من بحر من غزير عطائه.
كما حضرت معه مهرجان المربد ببغداد بالعراق سنة 1989، وكانت جلساته تستقطب أسماع المشاركين في المهرجان من أدباء الوطن العربي، يتحلقون حوله وينصتون إلى أحاديثه المختلفة الموضوعات. كما حضرت إلى جانبه ندوة علمية بمدينة عمان بالأردن في إطار المؤتمر الإسلامي الدولي نظمتها مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي بموضوع عنوانه "تأملات في حقوق الإنسان في الإسلام"، وذلك سنة 2005. وكان اللقاء تجمّعا للعديد من العلماء والأدباء على اختلاف توجهاتهم رغبة في محاولة لجمع رؤى وتصورات المشاركين والمشاركات في موضوع حقوق الإنسان في الإسلام.
عباس الجراري أستاذي الذي أشرفَ على متابعةِ تحضيري لرسالتيَّ الجامعيتين بكلية آداب الرباط: دبلوم الدراسات العليا في موضوع شعر عبد العزيز الفشتالي مؤرخ أحمد المنصور السعدي، وأطروحة دكتوراه الدولة عن الشعر المغربي في عصر المنصور السعدي. وتمتْ مناقشتهما بهذا الفضاء الجامعي: مدرج الشريف الإدريسي. ومن ثَمَّ كان احتكاكي بالنصوص الشعرية المغربية القديمة في العصر السعدي من خلال مخطوطات تصعب قراءتها إلا بعد حصول الألفة بيني وبينها سنوات. فتحقيق المخطوط ليس بالأمر الهيِّن السهل، ومع ذلك حرصتُ على الاشتغال بالمخطوطات بل وعشقتُ ذلك. وهكذا عملتُ على تحقيق كثير من هذه النصوص التي استخرجتها من بطون الكناشات والمصادر التاريخية والجغرافية وغيرها، ثم سعيت إلى إخراجها من دائرة النسيان إلى التعريف بها وبشعراء الفترة ثم نشرها دواوين شعرية مغربية. وكان الأستاذ الجراري يشعر بالاطمئنان لمثابرتي على إخراج هذه النصوص. ومن هذه الدواوين ديوان مؤرخ الدولة السعدية كما ذكرت عبد العزيز الفشتالي، وشعر أبي العباس بن القاضي، وشعر محمد الوجدي الغماد، وشعر محمد بن علي الفشتالي، وشعر علي بن منصور الشياظمي وغيرهم.
وبعد أن كنت أستاذة زائرة بكلية آداب الرباط سنة 1980، وإثر التحاقي بالتعليم الجامعي سنة 1987 أصبحت زميلةً له برحاب هذه الكلية العامرة. أشاركه محطاتٍ عديدةً في تدريس الأدب المغربي في سنوات الإجازة وفي سنوات استكمال الدروس، وفي مناقشة الرسائل الجامعية التي كان يشرف عليها في الأدب المغربي، سواء تعلق بعضها بالدراسة أو تحقيق النصوص الشعرية المغربية في عصور مغربية مختلفة، لتأكيد ما كان للأدباء المغاربة من حضور شعري في الساحة الثقافية منذ العصر المرابطي؛ وذلك دحضا للمقولة التي تنفي شاعرية المغاربة. وفي مثل هذه التحقيقات إحياء للتراث الشعري المغربي القديم.
وفي إطار الإصلاح الجامعي الجديد سنة 1997 ورئاسته "لوحدة أساليب الكتابة في أدب الغرب الإسلامي"، كنتُ ضمن فريق أساتذة الوحدة التي حَرَصتْ على تكوين النخبة من الطلبة الحاصلين على الإجازة في اللغة العربية خلال سنتين جامعيتين تُتَوَّجُ بحصولهم على درجة "دبلوم الدراسات العليا المعمقة في اللغة العربية وآدابها". وكنتُ أجد في تكليفه لي بمتابعة أعمال طلبة الوحدة وتنسيقِ أنشطتهم صورةً لعلاقتي العلمية به. أستشيره في كثير من القضايا الأدبية والأبحاث التي تخص الطلبة وهم يستعدون لمناقشة بحوثهم. فكانتْ لقاءاتي معه، سواءٌ في الجامعة أو في بيته، ترتقي بعلاقتي معه من مستوى الزمالة إلى مستوى الصداقة والأخوة.
أستاذي عباس الجراري: تقديري لك واعتزازي بأخوتك وصداقتك، كلُّ ذلك دعاني إلى تأليف كتاب عنك وعن أعمالك جَمعْتُ فيه ما كتبتُ عنك وعن مؤلفاتك فور صدورها، وكذلك ما استخرجتُه من موضوعاتٍ مًرْتَجَلَةٍ شاركْتَ بها في ندوات علمية من شرائط التسجيلات المتوفرة. إضافةً إلى أنني استكتبْتُ بعض رجال الفكر والأدب للحديث عنك في شهادات تقديرية منهم؛ الأساتذة محمد بن شريفة، علي القاسمي، محمد الإدريسي العلمي، نجيب العوفي. كما تضمن هذا الكتاب التوثيقي نبذة عن حياتك ومسارك الأكاديمي، وكلماتِك التي كنْتَ تُلْقيها في مناسبات تكريمك بمراكش وفاس والرباط وغيرها.
وأنا في آخر مرحلة طبع الكتاب زرتُك لأطلب منك صورتَك الشخصية. استغربْتَ الطلبَ وجُرْأتي في الطلب، فأنتَ لا تعرفُ سببَه. لكنك أمْدَدْتَنِي بالصورة مبتسما منشرحا ومستغربا في نفس الآن. فلما صدر الكتاب سنة 1999، زرتُك لتقديم نُسَخ الكتاب، وكانتِ المفاجأةُ التي انبسِطَتْ لها أساريرُك شكرا وتقديرا؛ فالصورةُ الشخصية تتصدرُ غلافَ الكتاب، وعنوانُه: "عباس الجراري: سيرة وأعمال".
وهبكَ اللهُ أستاذي خلالاً حميدةً وصفاتٍ خلقيةً نبيلة: تواضعا وحلما، برورا وصدقا، وفاءً ونصحا، وصفاءَ سريرة. تتسابق شرائحُ المجتمع على اختلاف طبقاتها لحضور مجالسك والارتشافِ من معين دَفْقِك العلمي. وأنتَ في كل أحوالك سيِّدُ المجلس في أبهى حلله، وأشرفِ رُتبه؛ حفاوةً وترحيبا، تعليما وتوجيها، فكاهةً وترويحا. فيُحتَفى بك في مجلسك احتفاءَ العلماء، وتُكَرَّم في بيتك تكريمَ الفضلاء.
عباس الجراري رمز من رموز الثقافة والفكر في وطننا، وفي الوطن العربي. قامةٌ شامخةٌ وعلامةٌ مضيئة في تاريخنا المغربي وفي كليتنا العامرة. جمع المجدَ من أطرافه: نسبا وثقافة وخلقا وعلما وكرما وتواضعا.
عباس الجراري: كنتَ فريدَ عصرك في علاقاتِك العامة. معدنٌ رفيع، وحسبٌ أصيل، وجوهرٌ نفيس. تواضعٌ ورفعةٌ، شهامةٌ ومودّةٌ. حرَصْتَ على التعرف إلى أسرتي بمدينة سلا رفقةَ أرملتك. كنتما تشدّان الرحلةَ إلى بيتنا تأكيدا لأواصر علاقة ودية بيننا، مُهئِّئيْن للخبر المفرح ومواسيَيْن للخبر الأليم المحزن. كانت مواساتُكُما لأسرتي برحيل الكثير من أفرادها: ابنِ عمي أبي بكر المريني، وعمِّي الفقيه الحاج محمد المريني، أخوالي من آل زنيبر، ووالدي الحاج عمر المريني، ووالدتي الحاجة السعدية زنيبر، رحم الله الجميع. كانت هذه المواساةُ بلسما لجراح الفراق وتخفيفا من معاناة الأسرة في الرحيل. فلا ازدادُ إلا تقديرا لك واعتزازا بك، وتشريفا لمَقَامك. في خطواتِكَ ما تُؤْجّرُ عليه عند الله سبحانه وتعالى. فلله دَرُّك حياًّ وراحلا. فمثلكَ لا يمكن أن يغيب عنا، فأنْتَ حيٌّ بيننا. رحمك الله وأحسن إليك، وجازاك على جميل صُنْعك وحميد ذكرك.
وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: "إذا ماتَ ابن آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدِ صالح يدعو له". وأنتَ استوفيتَ هذه الشروط. فرحمك الله تعالى، ورزقنا جميعا أسرةً وعلماءَ وأصدقاءَ الصبرَ الجميل والذكرَ العطرَ كلما ذكرناك وترحمنا عليك.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
-أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس / أكدال / الرباط
نص الكلمة التأبينية التي شاركت بها في كلية آداب الرباط يوم 13 شعبان 1445 / 23 فبراير 2024.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.