في منتدى دافوس الأخير، تحدث رئيس الوزراء الكندي عن وضع جيوسياسي جديد غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي ظل المعطيات الجديدة التي فرضها الجوار مع القوة العظمى على بلاده، رأى أن العالم قد دخل فعلاً في مرحلة حتمية من إعادة التشكل العميق، تتسم بانهيار اليقينيات الاستراتيجية وتآكل الأطر المتعددة الأطراف الموروثة من مرحلة ما بعد الحرب، وتصاعد الشعور بانعدام الأمن والاستقرار على الصعيد العالمي. صحيح أن الحياة اليومية لا تزال تمضي على نحو طبيعي، لكن قلقاً ملموساً بات يخترق الخطابات الرسمية ووسائل الإعلام وحتى شبكات التواصل الاجتماعي. فيسود التوجس من أن أمراً بالغ الخطورة يجري التحضير له، لدرجة أن العالم صار يحبس أنفاسه أمام أخبار احتمال حصول مواجهة شاملة قد تكون مختلفة في طبيعتها وأشد تدميراً من النزاعات الكبرى السابقة. وما يجعل الوضع أكثر إثارة للقلق هو أن مركز هذه الأزمة العالمية لا يقع فقط في الأطراف، بل مرة أخرى في قلب الغرب نفسه، الذي، رغم تراجعه النسبي، ظل المركز الجيوسياسي للعالم. ومما يثير الريبة أن بعض الدول الغربية، مثل كنداوفرنسا، اضطرت اليوم إلى التوجه نحو الصين لحماية وتأمين مصالحها، الأمر الذي يعكس تحولاً واضحاً في موازين القوى الدولية الجديدة. وانطلاقاً من هذه المعطيات يمكن مقاربة الأزمة الجيوسياسية الراهنة. فالمشكلة الأساسية ليست في هذا الصراع أو ذاك على المصالح بين الغربيين أنفسهم، ولا حتى في الحرب الأوكرانية بوصفها حدثاً معزولاً عن السياق العام. المشكلة المركزية تكمن في غرب صار يواجه تراجعاً هيكلياً لا مفر منه في عالم جديد حيث الجنوب العالمي برز بسرعة كقوة اقتصادية منافسة، بينما رأس المال الغربي – محرك النمو والازدهار في اقتصادات الغرب التي أراد لها أن تكون ليبرالية – قد عَوْلَم نفسه وفق مصالحه الخاصة، وانفصل بذلك وإلى حد كبير عن أُطره الوطنية الأصلية التي صارت لا تضمن له الديمومة الضرورية في عالم أصبحت فيه المنافسة معولمة. بل صارت للجنوب العالمي رؤوس أمواله الخاصة والمنافسة بفضل علاقات التعاون جنوب–جنوب المتكافئة. فنقرأ في جريدة رقمية فرنسية متخصصة (BFM Business) أن حصة فرنسا في السوق الأفريقية قد انخفضت من 15% إلى 7.5%. جاء ذلك في تقرير لمجلس الشيوخ يدعو فيه الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات في ظل التقدم السريع الذي تحرزه الصين وتركيا والهند وروسيا. فصرنا نشاهد إذن انفصاماً متزايداً بين دول غربية ينخرها الضعف الاقتصادي في اقتصاد صار مُعولماً ومسؤولة عنه أمام شعوبها، في مقابل رأس مال غربي مُعولم بدوره ولا سلطة لها عليه، يقوده فقط السعي وراء المصالح والأرباح حيثما توفرت في كل مكان من العالم المستقر والآمن. وهو بطبيعته الانتهازية غير مبالٍ بالمصائر الاجتماعية والسياسية للأمم الغربية التي نشأ فيها. فلا يُبقي فيها من باب الضرورة وحسب إلا أنشطته ذات القيمة المضافة العالية ما دامت غير متاحة خارجها، ومنها المالية والبحث والتنمية (R&D) التي غالباً ما لا تُشغل سوى الموارد البشرية ذات الكفاءات العالية، وهي قليلة بالنظر للكم الهائل من اليد العاملة اليدوية. وفي هذا السياق تتراكم مظاهر الهشاشة داخل المجتمعات الغربية، ومن أهمها – بل في مقدمتها – تراجع في حجم قطاع الصناعة، وهو الأكثر قدرة على التشغيل الواسع وعلى توزيع الثروة بصفة مباشرة. وقد تزامن ذلك مع التضخم بسبب ارتفاع كلفة الطاقة، ومع عجز مزمن في ميزانية الدولة وفي صناديق التكافل الاجتماعي الموروثة من زمن الازدهار الاقتصادي. فتزايد الإفقار حتى بين الطبقات الوسطى، ونجم عن ذلك كله فقدان الأمل في المستقبل والتآكل في التماسك الاجتماعي، علاوة على أزمة عميقة في شرعية النخب السياسية، والتي عادة ما يستفيد منها اليمين واليمين المتطرف البارع في البحث عن كبش فداء من بين الأقليات العرقية والدينية الضعيفة كي يحملها المسؤولية عن الأزمة الخانقة. وفي المقابل، نجد الجنوب العالمي الذي لا يزال فتياً وفي طور التشكل ويغمره الطموح الجامح إلى الصعود، يمتلك أوراق رابحة وعناصر قوة واضحة. فهو يتميز بدينامية ديموغرافية متزامنة مع تصاعد في التعليم والتعلم، ووفرة الكفاءات والطموح عند الشباب، مع وفرة في الموارد الطبيعية. وكل ذلك في ظل مزية الانفتاح على تنوع في الشراكات الاستراتيجية، ولا سيما مع الصين. ومن حسن الحظ أن العولمة لم تشمل الأجور والأثمان والقدرة الشرائية، فظلت جد متباينة لصالح شعوب الجنوب العالمي، ولا سيما بلدانه التي تتمتع بالأمن والاستقرار في ظل نظم حكم قوية ورشيدة. فمركز الثقل الاقتصادي والبشري في العالم ينتقل ببطء ولكن بثبات من الشمال إلى الجنوب، بينما تكافح الدول الغربية لتكييف هياكلها الاقتصادية والاجتماعية الموروثة من "دولة الرفاه" في العصر الذهبي، في ظل هذه الظروف الجديدة التي لم تعد تسيطر عليها حقاً. وتتمثل الحلول النظرية في "إعادة تدوير" الاقتصاد داخلياً، ومنها إعادة توطين سلاسل الإنتاج، علاوة على سياسة حمائية، وحمل شعوبها على قبول انخفاض – ولو نسبي – في مستوى المعيشة، وتجاوز تقلبات الصراعات الاجتماعية المتوقعة والمؤقتة، لإعادة بناء قاعدة إنتاجية وطنية جديدة تتكيف مع نظام عالمي متعدد الأقطاب بنيوياً، مع تزايد مقدار ما من القدرة التنافسية. غير أن هذا الخيار، رغم الوعي الكامل به، يبقى سياسياً وعملياً غير قابل للتنفيذ. فلو كان ممكناً فعلاً في إطار الديمقراطيات الليبرالية الحالية، لكان الشروع فيه قد بدأ منذ زمن. إنه يتطلب من جهة تضحيات جماعية باتت غير محتملة، وانضباطاً اجتماعياً لم تعد مجتمعات الغرب معتادة عليه، ومن جهة ثانية مواجهة مباشرة مع مصالح رأس المال الغربي القوي والمُعولم، والذي صار منذ مدة يتمتع بحرية شبه مطلقة وبقدرة كافية للحفاظ على امتيازاته. إزاء هذا المأزق، تعود إلى الواجهة وبشكل ملموس نزعة السياسة الإمبريالية القديمة في المخيال السياسي اليميني واليميني المتطرف الذي يصعد ويسيطر في مثل هذه الظروف، لا باعتبارها استراتيجية متوائمة مع رغبات رأس المال كما كان الحال من قبل – والذي صار مع العولمة في غنى عنها – بل فقط كرد فعل للبقاء لدى مسؤولين سياسيين محاصَرين من طرف شعوبهم ويسعون لمجرد كسب الوقت بتصدير مشاكلهم الداخلية التي باتت غير قابلة للتدبير إلى الخارج. فاستخدام أدوات الإكراه لزعزعة استقرار دول الأطراف الغنية بالموارد الطبيعية وتنصيب أنظمة تابعة لها، تبين بالملموس أنها قد صارت حلولاً وهمية ومكلفة، وأشبه بطوق نجاة واهٍ لقوى غربية فقدت السيطرة في ظل نظام جديد متعدد الأقطاب ورأس المال فيه حر طليق. والإخفاقات المتكررة لمحاولة إعادة إنتاج هذه السياسة الإمبريالية القديمة قد أظهرت في الجنوب العالمي حدودها بوضوح، مؤكدة أنها لم ولن تنجح قط في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة لتلك القوى المتعبة. في هذا الإطار العام تكتسب الحرب في أوكرانيا معناها الصحيح. فهي ليست سبب الأزمة الجيوسياسية الراهنة، بل أحد أبرز أعراضها. في كتابه "انحدار الغرب" (Le déclin de l'occident)، يبيّن إيمانويل تود (Emanuel Todd) أن الرئيس فلاديمير بوتين يفكر بعقلية المؤرخ للكوارث الروسية، متأثراً بفاجعة عام 1941، ومقتنعاً بضرورة عدم انتظار تنفيذ تهديد يُنظر إليه على أنه وجودي. ففي خطابه بتاريخ 24 فبراير 2022، لا يتحدث بوتين جوهرياً عن أوكرانيا بحد ذاتها، بل عن حلف الشمال الأطلسي، وعن التطويق الاستراتيجي، ورفضه قيام نظام معاد لروسيا على حدودها، معتبراً أن خطاً أحمر قد تم تجاوزه. لا يصدر الكاتب تود حكماً أخلاقياً على هذا الموقف، بل يذكّر فقط بأن ما يهم في القرارات الجيوسياسية ليس الأخلاق، بل إدراك الفاعلين للواقع والقرارات التي يبنونها على هذا الإدراك. ووفق هذا المنطق الواقعي، تبدو مخاوف بوتين عقلانية من وجهة النظر الروسية، ومتجذرة في ذاكرة تاريخية ترى أن الانهيارات الكبرى تحدث عندما تتقاطع الهشاشة الداخلية المفتعلة مع الضغوط الخارجية. وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل جون ميرشايمر (John Mearsheimer)، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية الأميركية، كما أورده تود في مقدمة كتابه. فقضية أوكرانيا تمثل مسألة وجودية بالنسبة لروسيا، وتفسر استعداد موسكو لتحمل تكاليف أعلى بكثير من خصومها غير المباشرين، كما تفسر أن تلك المفاجأة الغربية بالحرب لم تكن نتيجة جهل بالنوايا الروسية بقدر ما كانت رفضاً للاعتراف ولو الضمني ببزوغ قيود نظام عالمي جديد متعدد القطبية. وفي المحصلة، يتضح أن متاعب الغرب الراهنة ليست ظرفية بل بنيوية. إنها نتاج طور انحداره الحتمي من بعد بلوغه الذروة، علاوة على رأس مال غربي قوي ومُعولم خارج متناول الساسة، في مقابل طور صعود جنوب عالمي فتي وصاعد ومنافس بات قادراً على المقاومة والتفاوض وطرح البدائل. انحدار للغرب بطيء لكنه أكيد، وقد جعل شعوبه تعيش تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة لم تألفها ولم تطبع معها بعد، ولن تنفع معها السياسات الإمبريالية القديمة في عالم أصبح متعدد الأقطاب. ولذا، القلق العميق من اندلاع مواجهة كبرى والذي يطفو اليوم في الخطابات والمجتمعات ليس له من مبرر واقعي وحقيقي، ويعكس فقط دخول العالم مرحلة تاريخية جديدة، كما أكد ذلك الرئيس الكندي في دافوس. مرحلة لم يعد فيها النظام القديم قائماً بنفس القوة، في انتظار تبلور توازن جديد سيُطبع معه الغرب – مضطراً وبهدوء مهما طال الزمن أو قصر – ويصبح أكثر استقراراً، ولما لا، أكثر طمأنينة للجميع إن شاء الله.