يبدو أن العقل السياسي والعسكري لقادة الولاياتالمتحدةالأمريكية قد استفاد كثيرًا من تجارب الماضي الأليمة، خاصة تجربة غزو أفغانستان والعراق، حيث تكبّدت القوات الأمريكية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وتبخّرت مليارات الدولارات، دون أن يكون لهاتين العمليتين أي مكاسب تُذكر. بل على العكس من ذلك، إنهما فشلتا فشلًا ذريعًا في تحقيق أي من المكاسب التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية حينها، ولا داعي في هذا المقام لجرد أمثلة عن تلك الإخفاقات. لذلك، غيّرت جذريًا استراتيجيات التعاطي وإخضاع خصومها الدوليين. الدليل الواضح على الاستنتاج أعلاه ما حدث مؤخرًا في فنزويلا، حيث قامت أمريكا بمحاصرة البلاد بحرًا وجوًا، ثم دون سابق إنذار ضربت قلب النظام باختطاف الرئيس مادورو وعقيلته. عملية خاطفة خلقت لدى الشعب والنخبة الحاكمة في فنزويلا حالة من الصدمة والذهول التامّين، جعلت المسؤولين عن المرحلة الانتقالية يُبدون كامل استعدادهم للتعاون مع السيد ترامب وإدارته. الاستراتيجية الجديدة لدى القادة الأمريكيين تقوم على المبدأ التالي: بدل أن تزج أمريكا بجيشها كاملًا في حرب مفتوحة مع خصومها، فإنها اختارت ما يمكن تسميته بالعمليات الجراحية، بحيث يتم استهداف النقاط الحيوية للنظام المعادي، فيحدث نوع من الشلل التام في المنظومة بأكملها. والنتيجة: القليل من الخسائر والكثير من المكاسب. هذا ما حدث وسيحدث في إيران: عمليات نوعية محدودة في الزمان والمكان، ومستدامة دون سقف زمني محدد، تتغيّى استنزاف قدرات إيران البشرية واللوجستية قبل تسديد الضربة القاضية. وبالتالي، فمن المستبعد أن تزج أمريكا بجيشها داخل الأراضي الإيرانية، كما يمكن أن يتوهم القادة الجدد الإيرانيون. أمريكا لن تخوض أي حرب شاملة مع إيران، وإذا كانت هناك عمليات على الأرض، فستكون عمليات محدودة لضرب أهداف نوعية أو ذات مخاطر عالية، من أمثلتها أماكن تخزين اليورانيوم عالي التخصيب. كل هذا لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى مهندس – ولربما لا يعدو أن يكون سوى منفذ – هذه الاستراتيجية. فالسيد ترامب ذو الخلفية المالية، باعتباره رجل تجارة ومضاربة، يعرف جيدًا تقدير هوامش الربح والخسارة، وبالتالي فمناوراته تقوم على مبدأ المجازفة بقدر قليل من المال، مع عوائد مضاعفة إذا كانت الظروف مواتية، أو على الأقل تفادي الخسارة أو تقليصها إلى الحد الأدنى إذا ما جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.