التنسيق الأمني المغربي الإسباني يفكك خلية إرهابية ناشطة بين البلدين        الوداد الرياضي لكرة القدم يتعاقد مع المدرب الفرنسي باتريس كارتيرون    تمديد مدة الملتقى الدولي للفلاحة إلى 9 أيام بمشاركة 70 دولة و1500 عارض    اشتعال خزان وقود بمطار الكويت        "أسود الأطلس" يرفعون نسق التحضيرات    بنموسى يدق ناقوس الخطر: تباطؤ النمو الديمغرافي وتسارع الشيخوخة في المغرب خلال العقدين المقبلين    بعد حفظ مسطرة الوفاة بمقر "الفرقة الوطنية".. محامي العائلة يطالب بالاطلاع على تسجيلات المراقبة    محمد صلاح سيغادر ليفربول نهاية الموسم الحالي    الأستاذ محمد معروف يكتب ✍️.. ''السائق الكَسَّاب        مجلة إسبانية: "طنجة المتوسط" يقود ترسيخ موقع المغرب كمفترق طرق استراتيجي للتجارة البحرية العالمية    المغرب يستعرض فرص الاستثمار في المنتدى الدولي للاستثمار السياحي والفندقي ببرلين    ندوة دولية بطنجة تستشرف مستقبل المهن البنكية في ظل الذكاء الاصطناعي والتمويل الأخضر    الجواهري: بنك المغرب يعمل على تسريع إرساء سوق ثانوية للديون المتعثرة    قتيلة بقصف من لبنان شمال إسرائيل    حملة طوارئ لدعم الصحة والتعليم في القدس الشريف بتمويل مغربي    محكمة "الطاس" تكشف ل"الأيام 24″ حقيقة طعن السنغال في قرار "الكاف"    الكشف رسميا عن القميص الجديد للمنتخب الوطني (صورة)    في المناخ الحربي الذي يسود المنطقة ويرفع من نسبة التهديدات .. تقرير دولي يرتب المغرب بلدا دون آثار الإرهاب    الإمارات تعلن استشهاد متعاقد مغربي مع قواتها وإصابة 5 جنود في هجوم إيراني    لبنان يطرد سفير إيران    أمريكا تحذر من هجمات تستهدف سفارتها ورعاياها بموريتانيا    تراجع أسعار الذهب لليوم العاشر على التوالي    نشرة إنذارية.. زخات رعدية ورياح عاصفية اليوم الثلاثاء بعدد من مناطق المملكة    يوعابد: منخفض جوي أطلسي يحمل أمطارا غزيرة ورياحا قوية إلى المغرب    توقيف متورط في ابتزاز سائح بمراكش باستعمال العنف    المغادرون بصخب.. التدليس السياسي بنيةً لا حادثة في المشهد السياسي المغربي    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    كعك العيد: طقس تاريخي بتكلفة متصاعدة وتحذيرات صحية    باب الكبير يحتضن معرضا فنيا جماعيا بالريشة والصورة    المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة يفوز على تونس في بطولة شمال إفريقيا    بورصة البيضاء تغلق على تراجع طفيف    هذا المساء في برنامج "مدارات" بالإذاعة الوطنية من الرباط :نظرات في سيرة محمد بن أحمد اشماعو، أديبا وباحثا في التراث الشعبي المغربي    الإعلام كسلاح من أجل هندسة الوعي في زمن الحرب والعدوان    لندن تحقق في حريق 4 سيارات إسعاف وسط شبهات بارتباط مجموعة بإيران    فتح باب الترشيح للاستفادة من دعم الموسيقى والأغنية والفنون الاستعراضية و الكوريغرافية برسم الدورة الأولى من سنة 2026    "وينرز" ينتقد التسيير في نادي الوداد    "وردة" تجمع "Inkonnu" ومنال بنشليخة    المغرب يعزز مجهودات التكفل بالسل    "حوار نقابي وزاري" يبحث مصير أطر مستشفى الحسن الثاني في أكادير    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    "جنة إيطاليا" رواية للكاتب جمال الفقير.. قراءة في عمق التجربة الإنسانية    مطالب نقابية بمراجعة التعويض عن النقل لفائدة مستخدمي المكتب الوطني للمطارات        مُذكِّرات    صندوق النقد الدولي: الحرب في الشرق الأوسط تؤثر على آفاق النمو الاقتصادي للمغرب والبطالة تحد كبير    وهبي يفتح صفحة جديدة مع الأسود    مراكز الاقتراع تفتح الأبواب بالدنمارك    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    "ميتا" تطلق برنامجا عبر "فيسبوك" لاستقطاب صناع المحتوى    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ساعات في سبتة المحتلة
نشر في هسبريس يوم 15 - 07 - 2013

عندما وطأت قدماي مدينة سبتة أول مرة تذكرت أناشيد الطفولة في التلاوة المفسرة عن الوطن، كانوا يحدثوننا عن احتلال سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، وكنا نحفظ الدرس عن ظهر قلب حتى لا يعاقبنا المعلم وننتظر بفارغ الصبر رنين الجرس الذي كان فيه الخلاص من كل شيء، نخرج مندفعين يشد بعضنا ثياب البعض الآخر، وننسى الموضوع، لأننا لم نكن نعلم وقتها معنى كلمات "احتلال" و"وطن" التي تنتمي إلى قاموس الكبار، لأن الكبار هم الذين يصنعون النصر والهزيمة ويرسمون الخرائط التي علينا حفظها واستظهارها فقط، وعندما أصبحت أنتمي إلى عالم الكبار لم أعد أفهم كيف أن رجال الأمن المغاربة يصرون على ختم جواز سفرك في "طاراخال"-الحدود مع سبتة- وإقامة المتاريس، ثم يسمونها حدودا وهمية في قواميسهم الرسمية، وكصحافي صار يطلب مني أن استظهر تلك المصطلحات وأعيد إنتاجها حتى لا يعاقبني "الكبار"، أجراس كثيرة ترن في دواخلي عندما كبرت، لكنني غير قادر اليوم على نسيان الموضوع بمجرد سماع صوت الجرس مثلما كنت أفعل في طفولتي البعيدة بعد كل درس عن الوطن.
عندما تجتاز معبر "طاراخال" الذي يعلوه الغبار، عليك أن تضيف ساعة إلى وقتك، وتنزع خمسة قرون من تاريخك، تمشي في أرض هي امتداد لك، لكنها في ملكية جارك الذي يضع أعلامه عليها في كل مكان، قضية عادلة أخرى بمحامي فاشل، ففي وزارة الخارجية المغربية يملكون من الوثائق السرية عن كيفية إعداد "البسطيلة" أكثر مما يملكون من وثائق تاريخية عن سبتة ومليلية والجزر، هنا لا يحتاج المرء إلا لبضعة أمتار يمشيها حتى يصل إلى الاتحاد الأوربي وفق ما تخبره به يافطة زرقاء موضوعة في مدخل المعبر الحدودي.
وفي وسط المدينة تخال نفسك فلسطينيا في القدس المحتلة، شعبان يعيشان على رقعة جغرافية صغيرة وبينهما حدود نفسية كبيرة، لكل منهما مقاهيه ومطاعمه التي يرتادها دون قدرة من الآخر على الدخول إليها، لأن هناك حدودا نفسية مرسومة بعناية تفرض قوانينها على الجميع، الإسبانيون ينظرون إلى المغاربة كمواطنين من الدرجة الثانية لا تأتي منهم غير المشاكل، ولو لم يكونوا على تلك الأرض لكانت الصورة أجمل...
يضع الإسبانيون علم بلادهم في عربات الأطفال وعلى القمصان وأحزمة السراويل، العلم الإسباني أشبه بتعويذة تحميهم من خطر المسلمين الذين يحيطون بهم من كل جانب، هم يعيشون في كيلومتر من المسيحية وسط بحر من الإسلام، لا يربطهم شيء بمحيطهم الخارجي تقريبا، يحلمون بشبه الجزيرة الإبيرية التي يزورونها لغرض مهم أو لتمضية عطلتهم الصيفية، فطبيب إسباني أخبرني أنه يعيش منذ ثلاثة عقود في سبتة، لكنه لم يزر يوما تطوان أو طنجة، يقطع دائما البحر إلى شبه الجزيرة، هي وجهته الوحيدة، أما مغاربة سبتة فينظرون إلى الإسبانيين كنصارى، محتلين وعنصريين، يكرهونهم في أعماقهم وتسود بين الطرفين نوع من العلاقات المشوبة بالكثير من الحذر.
قررت أثناء تجوالي بسبتة أن أكسر كل القواعد، اشتريت جريدة "إيل موندو" الإسبانية اليمينية رغم أنني من قراء صحيفة ":إيل باييس" عادة، وكسرت الحدود النفسية وقصدت الجلوس في مقهى كل رواده من الإسبانيين، فهمت النادلة أنني غريب عن المدينة واستغربت من وجود "إيل موندو" بين يداي، دونت طلبي ثم عادت وقدمت لي القهوة بابتسامة خفيفة، طفقت أنظر إلى المحيط من حولي، كل شيء في هذه الأرض الصغيرة يبدو نسخة باهتة لإسبانيا، بل حتى الإسبانيين الجالسين حولي لهجتهم هي خليط من كل شيء، وملامحهم تدل على أنهم مختلفون عن الإسبانيين الذين عشت معهم بمدريد، هم أقل ثقافة وإحساسا بالانتماء إلى أوربا، ويمينيون في كل تفاصيل حياتهم فشعورهم القومي زائد، فمن يعيش في سبتة لا يمكنه إلا أن يكون يمينيا أو متحدرا من عائلة عسكرية أو إدارية، فلا يمكن لشخص يملك إحساسا غير شوفيني أن يعيش هنا، لذلك لم تنتج هذه المدينة المحتلة أي شيء لشبه الجزيرة طيلة تاريخها، فلا قادة سياسيون بارزون خرجوا من هنا ولا مثقفون متميزون، بل إن سبتة وقرينتها مليلية يتربعان على قمة الفشل المدرسي بجارتنا الشمالية، فكل شيء وصل إليهما متأخرا حتى رياح الديمقراطية الإسبانية، فصورة الجنرال فرانكو ظلت معلقة في قاعة الاجتماعات ببلدية سبتة إلى حدود عام1980، أي خمس سنوات بعد وفاة الجنرال القوي وسنتين بعد إقرار الدستور الذي نقل البلاد إلى نظام الملكية البرلمانية، وحدها الأزمة الاقتصادية جاءت مسرعة إلى سبتة ومليلية وستغادرها بشكل متأخر جدا.
سياسيون كثيرون لوحوا بضرورة التفاهم مع المغرب حول سبتة ومليلية، منهم الجنرال بريمو دي ريفيرا-قائد الانقلاب العسكري الشهير في بداية القرن العشرين- ومانويل فراغا- مؤسس الحزب الشعبي الإسباني- لكنهم كانوا يعاقبون ويبلعون ألسنتهم بعدما تبدأ الجلبة من حولهم، وهو ما حصل أيضا مع الدبلوماسي الإسباني "ماكسيمو كاخال" قبل عشر سنوات عندما خط كتابا جميلا اجترح له عنوان " سبتة ومليلية وأولبينثي: أين تنتهي إسبانيا"، لكن الرجل تعرض لحملة شيطنة وتلقى صفعات وركلات وأطفأت من حوله الأضواء حتى يعود إلى رشده، لأن ما كتبه خروج عن النص التاريخي الذي قرأه في كتب المدرسة الإسبانية، و"تحريف" لخط التاريخ ، ... هكذا هي الجغرافيا والتاريخ أعقد مما كنا نتصور ونحن نحفظ الدروس و نستظهر الأناشيد على مقاعد الدراسة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.