يسود الاعتقاد بان المشهد البيئي المغربي فقد بعض أصواته إلى الأبد، بيد أن نهاية العام 2025 كشفت عن تحول بيئي لافت، تمثل في عودة طيور نادرة ومهاجرة ومهددة بالانقراض إلى موائل طبيعية كانت قد اختفت منها لسنوات طويلة. فالتقرير الصادر نهاية دجنبر 2025 عن منصة "إي بيرد" التابعة لمختبر علم الطيور بجامعة "كورنيل" الأمريكية لم يسجل مجرد مشاهدات معزولة، بل وثّق بيانات عن عودة أنواع اعتُقد أنها أصبحت من الماضي، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتراجع حاد في التنوع البيولوجي واضطراب مسارات الهجرة بسبب التغير المناخي.
في جنوب المغرب، عند تخوم الصحراء حيث يلتقي الماء بالملح والرمل بالقصب، كان المشهد يتشكل ببطء. في سد المنصور الذهبي، شمال شرق وادي درعة، رصد مراقبون وجود أربع أفراد من الإوزة النحاسية، المعروفة علميا باسم تادورنا فيروجينيا، في 29 من دجنبر 2025. فهذه الطيور، التي غابت عن هذه الربوع لسنوات طويلة، عادت تحط على صفحة الماء كما لو أنها لم تغب إلا بالأمس، في مشهد أعاد إلى الأذهان صورا قديمة من دفاتر علماء الطيور الأوائل.
لم تكن الإوزة النحاسية وحدها في هذه الرحلة العكسية عبر الزمن. في المنتزه الوطني لسوس ماسة، جنوبأكادير، سجل التقرير ظهور الإوزة الشائعة، تادورنا تادورنا، إلى جانب مجموعة من البط المهاجر الذي اعتُبر حضوره في المغرب خلال العقدين الأخيرين متقطعا وغير مضمون. بط أبو ملعقة الشمالي، سباتيولا كليبياتا، شرشير أوراسي، ماريكا بينيلوبي، بط مالارد، أنس بلاتيرهينكوس، وبط أبو ذيل الشمالي، أنس أكوتا، كلها أسماء وردت في التقرير الصادر عن جامعة "كورنيل". في صباح شتوي هادئ من دجنبر 2025، سجل التقرير وجود خمسة وثمانين فردا من شرشير أخضر الجناحين، أنس كريكا، في نفس الموقع بسوس ماسة، لكن الأكثر إثارة هو تسجيل فرد واحد من السلالة الأمريكية، أنس كريكا كاروليننسيس، وهي سلالة نادرة في شمال إفريقيا. هذا الطائر، الذي يفترض أن مساراته التقليدية تمر عبر أمريكا الشمالية، ظهر في المغرب كأنه رسول من عالم آخر، حاملا في جناحيه إشارات واضحة إلى أن خرائط الهجرة القديمة لم تعد صالحة كما كانت. ومع امتداد النظر شرقا، نحو مكناس تافيلالت، تبدأ قصة أخرى لا تقل دهشة. في ضاية صريج وفي مناطق قريبة من مرزوكة وعرق الشبي، رُصدت عودة طيور القطا، تلك الطيور الصحراوية التي ارتبط اسمها في الذاكرة البيئية المغربية بالزمن الجاف والقاسي. القطا مرقط الصدر، بتروكليس سينيغالوس، ظهر بعدد بلغ ثلاثة وخمسين فردا حسب التقرير، وهو رقم غير مسبوق منذ سنوات، إلى جانب القطا أسود البطن، بتروكليس أورينتاليس، والقطا المتوج، بتروكليس كوروناتوس. هذه الطيور، التي تحتاج إلى توازن دقيق بين الماء والرمل والنبات، لا تعود إلا إذا وجدت شروط الحياة كاملة تقريبا، وهو ما جعل عودتها في نهاية 2025 حدثا بيئيا بامتياز. في الشمال، حيث يلامس المغرب البحر الأبيض المتوسط، كانت القصة تأخذ منحى آخر. عند سواحل طنجةتطوان، ظهرت طيور بحرية اعتُبرت لسنوات نادرة الوجود، مثل النورس رفيع المنقار، لاروس جيني، والنورس المتوسطي، إيشثيايتوس ميلانوسيفالوس، إلى جانب الخرشنة الشطيرية، ثالاسيوس ساندويسينسيس. وفي مشهد يكاد يكون أيقونيا، سجل التقرير ظهور الفلامنغو الكبير، فينيكوبتيروس روزيوس، في كل من سوس ماسة و طنجةتطوان، وكأن الطيور الوردية العملاقة قررت أن تعيد رسم لوحات المستنقعات المغربية بألوانها القديمة. لكن القصة لم تتوقف عند الطيور المائية أو الساحلية. ففي عمق الأراضي المغربية، حيث تتقاطع الجبال مع السهوب، عاد صوت الأجنحة الثقيلة للطيور الجارحة. عقاب السهوب طويل الساقين، بوتيو روفينوس، سجل ظهوره بعشرة أفراد في سوس ماسة درعة، وهو رقم يُعد مرتفعا مقارنة بسنوات سابقة. كما ظهرت البومة الفرعونية، بوبو أسكالافوس، تلك الساكنة الليلية للصحارى، في مشاهد أعادت الاعتبار لسلسلة غذائية كاملة كانت توصف بالهشة. وفي الغابات والواحات، سجل التقرير عودة طيور اعتُقد أنها تراجعت بلا رجعة، مثل نقار الخشب لوفايان، ديندروكوبوس لوفايانتي، ونقار الخشب المرقط الكبير، ديندروكوبوس ماجور، إلى جانب القيق المغاربي، بيكا بيكا ماوريتانيكا، وهو نوع مستوطن في شمال إفريقيا. هذه العودة، كما ورد في التقرير، لا يمكن فصلها عن تحسن نسبي في الغطاء النباتي عقب تساقطات مطرية مهمة خلال 2025، ولا عن الجهود المتفاوتة لحماية بعض المواطن الطبيعية. ويأتي هذا التحول في وقت قاتم بالنسبة للطيور حول العالم، حيث تشير تقارير المنظمات البيئية الدولية إلى تراجع حاد في أعداد الطيور المهاجرة والمستقرة على حد سواء، بسبب فقدان المواطن الطبيعية والتغير المناخي.