محمد الأمين الكرخي شاعر عراقي مقيم بأمستردام العرائش أنفو في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، وفي تلك الهينة التي تسبق صخب العام الجديد، رحل عن عالمنا الشاعر والمترجم الفلمنكي ليونارد نولينس عن ثمانية وسبعين عاماً. غادر نولينس بعد صراع طويل مع المرض، مخلفاً وراءه فراغاً في الأدب الناطق بالهولندية يشبه ذلك "الصمت" الذي طالما برع في نحته داخل قصائده. بالنسبة لي، لم يكن نولينس مجرد اسم في أنطولوجيا الشعر الأوروبي؛ فجذوره في ذاكرتي تمتد إلى حديثٍ مفعم بالدهشة مع الشاعر المغربي حسن نجمي. أتذكر كيف حدثني عنه نجمي بوصفه "عملاقاً" لا بد من اكتشافه، اليوم، تبرز أعمال نولينس الكاملة على رف مكتبي، تلك المجلدات التي أعددتها لتكون مرجعاً لمشروع ترجمةٍ قادم. ثمة تحول وجودي يطرأ على علاقتنا بالورق حين يتحول المؤلف من كائن حي إلى ذكرى؛ يبدو الكتاب في ظاهره هو ذاته، لكن روحه تتبدل. مع نولينس، تشعر أن القصائد دخلت في حالة حداد جنائزي، وأن الصفحات من الغلاف إلى الغلاف تشارك في مراسم عزاء ممتد. وحدها صورته في مقدمة الكتاب تظل محتفظة بهدوئها، وكأنها تؤكد الحقيقة المرة: أن الشاعر واجه الموت في كل سطر كتبه قبل أن يواجهه في جسده. سادن العزلة المتوج بدأ نولينس رحلته في أواخر الستينيات، لكن اختراقه الحقيقي للمشهد الأدبي جاء عام 1975 مع ديوان "شكلان من الصمت". لم يكن نولينس شاعراً عابراً، بل كان مهندساً للغة واليوميات، وهو ما جعل لجنة تحكيم جائزة الآداب الهولندية تصفه في عام 2012، حين تسلم الجائزة من الملكة بياتريكس، بأنه شاعر "استثنائي وعظيم". كان نولينس يدرك أن الموت ليس عدواً خارجياً، بل هو رفيق الحبر ومبتدأ الكلام. وفي إحدى قصائده التي تبدو الآن كوصية متأخرة، يقول: "الموتُ ليس رحيلاً إلى البعيد، بل هو العودة إلى البيت الذي لم أسكنه قط.. أنا الآن لغةٌ بلا لسان، وصمتٌ يرتدي ثياب الكلمات الأخيرة." يرحل ليونارد نولينس، وتبقى كتبه على الرف، لا كأوراق ميتة، بل كشهادة على إنسانٍ روّض العدم بالكلمة. لقد فقدنا شاعراً، لكننا نملك إرثاً سيظل، كما أراد له صاحبه، "شكلاً من أشكال الخلود" وسط عالمٍ يهرع نحو النسيان.