الحلقة 4 من سلسلة حلقات حول " العدوان الامبريالي ضد دولة فينزويلا" لماذا لا تتحمل واشنطن وجود يسار في نصف الكرة الغربي لآسيا؟ العرائش أنفو العلمي الحروني منذ صعود هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1999، لم تخفِ الولاياتالمتحدة موقفها العدائي تجاه فنزويلا، رغم غياب أي تهديد عسكري أو أمني مباشر صادر عن كراكاس. هذا التناقض يفرض سؤالاً مركزياً: ما الذي تخشاه واشنطن فعلا في فنزويلا؟ الإجابة، التي توحي بها وثائق وتحليلات عديدة غربية وشرقية، تفيد أن الهاجس الأيديولوجي عمق المسألة هو أنه من جهة تعتقد الولاياتالمتحدةالأمريكية أن لديها الحق والمسؤولية والقدرة على التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لأي دولة على هذا الكوكب متى رأت ذلك مناسبا. هذا هو نهجها القار الذي يمثل انتهاكا واضحا وصريحا لميثاق الأممالمتحدة. إن الانتهاك المستمر لسيادة الدول يجعل العالم أقل استقرارا، لكن ذلك لا يهم الولاياتالمتحدة، لأنها معنية بإعادة تشكيل العالم وفق صورتها الخاصة، ومن جهة ثانية أيضا لا تترك الولاياتالمتحدة أي احتمال لانتشار اليسار عموما سواء داخلها أو بمحيطها أو بالعالم ككل. فنزويلا، في الوعي الاستراتيجي الأمريكي، تمثل نموذجا مرفوضا ونظاما يسارية في الفضاء الخلفي الأمريكي اللاتيني للولايات المتحدة، والذي يمتلك موارد طاقية هائلة، وتتبنى خطابا سياديا يناهض الهيمنة الأمريكية. هذا وحده كاف، تاريخيا، لجعلها هدفاً دائماً للضغط والتقويض. هذه خلاصة تؤكدها تصريحات وتحليلات واردة كثيرة بوضوح تام وأن فنزويلا "لا تمثل تهديدا أمنيا للولايات المتحدة، لكنها تعتبر تهديدا أيديولوجيا"، وهو توصيف ينسجم مع تاريخ طويل من التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية. فمن غواتيمالا سنة 1954 إلى تشيلي سنة 1973، مروراً بنيكاراغوا وكوبا، كان القاسم المشترك هو رفض واشنطن لأي تجربة يسارية مستقلة، من أي نوع كانت وبغض النظر عن طبيعتها أو سلوكها الخارجي. تشير الصحافية الأمريكية الكندية اليسارية العروفة بمقالاتها المناهضة للسياسات النيوليبرالية، مؤلفة كتاب " بلا شعار" (1999) والفيلم الوثائقي الشهير " الهدف" (2004) و كتاب "الرأسمالية ضد المناخ" (2014) الباحثة ناعومي كلاين إلى أن "الولاياتالمتحدة لا تعارض الأنظمة بسبب استبدادها، بل بسبب خروجها عن النموذج الاقتصادي والسياسي الذي يخدم مصالحها". هذا المنطق ينطبق حرفيا على فنزويلا، التي سعت منذ عهد تشافيز إلى تأميم قطاع النفط برفع الإنفاق الاجتماعي وبناء تحالفات جنوب-جنوب مع دول على رأسها جنوب إفريقيا بعيدا عن الوصاية الأمريكية. لقد جرى فعلا تأميم الشركات الأمريكية في فنزويلا خاصة في قطاع النفط مثل شركات إكسون "موبيل" و "كونوكو فيليبس" في عملية تدريجية بدأت في السبعينات وتصاعدت مع حكم هوغو شافيز (1999-2013) واستمرت من طرف الرئيس نيكولا مادورو، ترتبت عليها عقوبات أمريكية مشددة على فنزويلا، مما زاد التوتر بين البلدين وحول قطاع النفط إلى ساحة صراع سياسي واقتصادي، لكن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة من خلال درس فنزويلا هو التأكيد لدول أمريكا اللاتينية الوسطى والجنوبية بأن عليها الانضواء تحت العباءة الأمريكية وأن لا تحاول وتسعى إلى علاقات أمتن مع روسيا والصين وحلفاءهما وضمنها إيران التي تعتبرها أمريكا دولة مارقة. إذ أنه، قبل تشافيز، كانت الشركات الأمريكية والأوروبية تهيمن على جزء كبير من عائدات النفط الفنزويلي. وبعد تأميمات مطلع الألفية، ارتفعت حصة الدولة من العائدات النفطية إلى أكثر من 70%، وجرى توجيه جزء كبير منها إلى برامج اجتماعية خفضت نسبة الفقر من حوالي 90% سنة 1998 إلى أقل من 27 % سنة 2012، وفق بيانات اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية (CEPAL). هذا التحول الاجتماعي–الاقتصادي، رغم ما شابه لاحقا من اختلالات وأزمات، مثل في نظر واشنطن سابقة خطيرة: دولة نفطية في أمريكا اللاتينية توظف مواردها خارج منطق السوق النيوليبرالي، وتنجح، ولو مرحليا، في تحسين مؤشرات العدالة الاجتماعية. هنا يكمن جوهر "التهديد". من جانب آخر وفي نفس الاتجاه، فإن فنزويلا ونظامها بدعمها للمسار القانوني أمام محكمة العدل الدولية المتعلق بالابادة الجماعية لشعب فلسطين جر عليها تكالب الكيان الصهيوني كأول داعم رسمي قوي للعدوان الامبريالي الأمريكي الغربي ضد فنزويلا التي عبرت مرارا عن دعمها لفلسطين وقطع العلاقات مع الكيان، على غرار حلف "مجموعة لاهاي" (The Hague Group)، المؤسس بتاريخ 31 يناير 2025 كحلف سياسي جديد من طرف تسع دول من دول الجنوب يعرف باسم "مجموعة لاهاي" يهدف إلى مقاطعة إسرائيل ومحاسبتها وإنهاء الاحتلال والذي يشمل الدول المؤسسة وهي جنوب إفريقيا وماليزيا و كولومبيا وبوليفيا وكوبا وهندوراس وناميبيا والسنغال ووجزر بليز. هذا الحلف الذي تطور خلال المؤتمر الثاني للمجموعة في "قمة بوغوتا" في كولومبيا المنعقد يومي 15 و16 يونيو 2025، بانضمام 21 دولة جديدة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، ليرتفع عدد الأعضاء إلى 30 دولة، ما يعكس اتساع رقعة الدعم العالمي للقضية الفلسطينية ضمن دول الجنوب، ما دفع أيضا دولا مثل النرويج وإيرلندا وإسبانيا والبرازيل لاتخاذ خطوات ملموسة نحو المقاطعة الكيان الصهيوني في حين تخلفت الأنظمة العربية والإسلامية عم هذا المسار. وللمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى الفصل الثالث " تكتل دول الجنوب العالمي كضرورة واقعية" بالمحور الأول لأرضية تيار اليسار الجديد المتجد"من داخل الحزب الاشتراكي الموحد- 2025 . البعد الأيديولوجي في الخطاب السياسي الأمريكي يبرز في أكثر من مناسبة بالتلويح المتضخم لمسؤولين أمريكيين بارزين بأن الخطر الحقيقي لفنزويلا يتمثل أيضا في "نشر نموذجها في المنطقة". هذا ما عبر عنه مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون حين وصف كوباوفنزويلا ونيكاراغوا ب"مثلث الطغيان"، في توصيف يعكس رؤية أيديولوجية أكثر مما يعكس تقييما أمنيا. المفارقة أن هذا الهوس الأمريكي باليسار يتناقض مع الواقع الجيوسياسي الراهن. فوفق تقارير U.S. Energy Information Administration، لا تشكل فنزويلا سوى نسبة محدودة من واردات النفط الأمريكية مقارنة بكندا أو المكسيك. كما أن قدراتها العسكرية متواضعة، ولا تمتلك أي مشروع توسعي. ومع ذلك، تستمر واشنطن في التعامل معها كخطر استراتيجي. السبب، كما يرى الأكاديمي الأمريكي غريغ غراندين، هو أن "الولاياتالمتحدة تخشى الرمزية أكثر مما تخشى القوة". وفنزويلا، بحكم تاريخها البوليفاري وخطابها السيادي، تذكر أمريكا اللاتينية بإمكانية التمرد على التبعية، حتى وإن تعثرت هذه التجربةً. ولا يمكن فصل هذا الموقف عن السياق الإقليمي. فصعود حكومات يسارية أو تقدمية في البرازيل وكولومبيا وبوليفيا والمكسيك، أعاد إحياء القلق الأمريكي من فقدان السيطرة السياسية على القارة. في هذا السياق، يصبح العدوان الغربي الأمريكي الصهيوني على فنزويلا رسالة إلى الدول الأخرى. في المحصلة، فنزويلا ونظامها تشكل سؤالا مزعجا لنظام الكوبوي المهووس من خيار شعوب أمريكا اللاتينية لمسار سياسي ونموذج اقتصادي خارج الوصفة والهيمنة الأمريكية؟ وهذا السؤال، أخطر وأعمق في فكر الدهاقنة، رموز التحكم الإمبريالي، من أي تهديد آخر عسكريا كان أو بسبب مسائل كالهجرة والمخدرات. ( يتبع).