سجلت مدينة الحسيمة صباح الجمعة تساقطات مطرية غير معتادة خلال شهر يوليوز، وسط ظروف جوية تميزت بانخفاض نسبي في درجات الحرارة وارتفاع في الرطوبة الجوية، ما يصنف، وفق المؤشرات المناخية المرجعية، ضمن الظواهر الشاذة عن المناخ المعتاد للمنطقة خلال ذروة فصل الصيف. ووفق المعطيات الاحصائية المستمدة من قواعد بيانات Weatherspark وClimate-data.org، لا يتجاوز متوسط عدد ايام الهطول المطري في الحسيمة خلال يوليوز 0.4 يوم، بينما يبلغ المعدل الشهري للتساقطات حوالي 2.2 ملم فقط. وتعد هذه النسبة من بين الادنى على الصعيد الوطني، ما يجعل حدوث امطار خلال هذه الفترة مؤشرا واضحا على اضطراب في النظام المناخي الاقليمي. وتزامنت التساقطات المسجلة مع انخفاض في درجات الحرارة اليومية بنحو اربع الى خمس درجات مئوية مقارنة بالمتوسط المناخي المرجعي للفترة نفسها، حيث بلغت الحرارة القصوى حوالي 22 درجة مئوية، مقابل متوسط معتاد يقارب 27 الى 28 درجة. وتفيد النماذج الجوية المتوفرة من مصادر مفتوحة، من بينها منصة Windy وبيانات المركز الاوروبي للتنبؤات متوسطة المدى، ان الغيوم التي غطت سواحل شمال المغرب كانت مرتبطة باضطراب علوي ناتج عن اقتراب منخفض حراري ضعيف فوق غرب المتوسط، ترافق مع رطوبة بحرية سطحية نسبية، دون ان تصدر المديرية العامة للارصاد الجوية اي بلاغ رسمي بخصوص هذا التطور. وقد شمل هذا العارض الجوي غير المالوف ايضا الجزء الغربي من الجهة الشرقية التي تضم الناظور وضواحيها، كما امتدت بعض الزخات ايضا الى اقليمتطوان، وسط اجواء غائمة وتراجع طفيف في درجات الحرارة على امتداد الواجهة المتوسطة الشمالية. وتندرج هذه الظاهرة، من منظور علم المناخ، ضمن ما يعرف باضطرابات التواتر الحراري المتوسط، الناتجة عن تغير انماط التوزيع الحراري فوق شمال المحيط الاطلسي والبحر الابيض المتوسط. وتعد المنطقة المعروفة ب AMV (تذبذب حرارة شمال الاطلسي) من ابرز المؤثرات بعيدة المدى في هذا السياق، حيث تؤدي زيادة حرارة سطح المياه الى تعديل اتجاهات التيارات الجوية وتسريع تشكل جبهات رطبة غير نمطية فوق شمال المغرب. وتؤكد دراسة منشورة في مجلة Heliyon العلمية ان سواحل الريف المغربي باتت ضمن ما يصطلح عليه النطاقات المتأثرة بالتقلب المناخي الوسيط، نتيجة التغير المستمر في مؤشر الضغط الجوي لشبه الجزيرة الايبيرية، والذي ينعكس على التوازن الهيدرولوجي للمناطق المجاورة، خاصة تلك ذات الطابع الساحلي الجبلي. ويفسر الخبراء هذا النوع من الهطولات غير الموسمية بوجود ما يعرف بالاقتحام الطبقي الرطب المرتبط بآليات صاعدة للهواء الرطب ضمن مستويات التروبوسفير السفلى، حيث يؤدي التقارب بين الهواء الحار السطحي والتيارات الباردة العلوية الى تكاثف سريع للرطوبة وتكون سحب منخفضة من النوع الركامي الطبقي. وعلى مستوى التأثيرات المباشرة، لوحظ تباطؤ في الحركة التجارية المرتبطة بالمرافق السياحية المفتوحة، اضافة الى تقلص الاقبال على الواجهات الشاطئية التي تعد ركيزة اساسية للنشاط الاقتصادي الموسمي في الاقليم. ولم تسجل، في المقابل، اي اضرار بنيوية او تسربات مائية، حسب مصادر من مصالح الحماية المدنية. وتطرح هذه الظواهر غير النمطية اشكالا هيكليا يرتبط بمدى استعداد السلطات المحلية والمؤسسات الترابية للتعامل مع سيناريوهات مناخية متغيرة في المدى القصير والمتوسط. اذ يشير تقرير صادر عن المركز المغربي لرصد المخاطر المناخية الى غياب خطط استباقية مكيفة مع انماط المطر غير الموسمي، رغم ادراج المغرب في السنوات الاخيرة ضمن خارطة البلدان المتأثرة بالتحول المناخي. ويجمع الباحثون في علم المناخ الاقليمي على ان التواتر المتزايد لهذه الظواهر يستدعي ادماج سيناريوهات الهطول الصيفي ضمن نماذج التنبؤ الجوي، خاصة في المناطق الساحلية ذات الحساسية المناخية المركبة، كما هو الحال في الحسيمة، حيث يتقاطع التأثير البحري مع الارتفاع التضاريسي المحدود للمدينة. ويتوقع، حسب بيانات النماذج الدينامية المحدثة، ان تستمر فترات الاضطراب المتقطعة خلال الاسبوع المقبل، وان بشكل محدود، في ظل استمرار تدفق رطوبة سفلية من الحوض الغربي للمتوسط، وغياب آليات استقرار جوي قوية على مستوى شمال المغرب.