يشكل استقبال رئيس مجلس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، عمر مورو، لوفد يمثل جهة "ساكسونيا السفلى" الألمانية، محطة مفصلية لتسليط الضوء على الدينامية المتنامية للحضور الاقتصادي الألماني في شمال المملكة، وهو حضور بات يتسم بطابع استراتيجي يتجاوز حدود التبادل التجاري التقليدي ليلامس عمق البنية الصناعية واللوجستية للجهة. وتأتي هذه المباحثات في سياق تعزيز "التعاون اللامركزي" وتنويع الشراكات الدولية، حيث يبرز النموذج الألماني كأحد أكثر النماذج الأجنبية انخراطا في الاقتصاد الحقيقي للجهة، لا سيما في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية التي راهن عليها المغرب خلال السنوات الأخيرة. ولا ينظر المراقبون إلى التواجد الألماني في هذا القطب الاقتصادي الصاعد من زاوية العلاقات المؤسساتية فحسب، بل باعتباره واقعا ملموسا يتجسد عبر استثمارات صناعية مباشرة، وجدت في المنظومة الصناعية لطنجة المتوسط بيئة حاضنة لتطوير سلاسل إنتاج متكاملة، خاصة في قطاع صناعة السيارات الذي تحول إلى قاطرة للتصدير. وفي صدارة الفاعلين الاقتصاديين الذين رسخوا هذا التوجه، تبرز مجموعة "زي إف لايف تيك"، التي شكل تدشين مصنعها المتخصص في إنتاج أنظمة المقود داخل المنصة الصناعية لطنجة المتوسط، علامة فارقة في مسار توطين التكنولوجيا المتقدمة. ويندرج هذا الاستثمار في صلب استراتيجية تصنيع التجهيزات المعقدة المرتبطة بالسيارات، والموجهة أساسا للأسواق الخارجية، مما يعزز موقع المغرب في الخارطة العالمية لهذه الصناعة. وعلى المنوال ذاته، عززت مجموعة "كوستال" الألمانية حضورها الميداني بإطلاق وحدة صناعية جديدة في "مدينة طنجة للسيارات". وتعكس عملية انتقال المجموعة من منطقة حرة سابقة إلى هذه المنشأة الجديدة، منطقا توسعيا يعبر عن الثقة في المؤهلات التنافسية للمنظومة الصناعية الجهوية، وقدرتها على استيعاب مشاريع الاندماج الصناعي بعيد المدى. وفي سياق تنويع التخصصات الدقيقة، انضمت مجموعة "موبيا" إلى النسيج الصناعي بالمنطقة نفسها، مركزة نشاطها على تصنيع مكونات السيارات خفيفة الوزن وأجزاء من ألياف الكربون. ويحمل هذا التوجه دلالات تقنية هامة، إذ يساهم في تموقع الجهة ضمن الصناعات ذات البعد التكنولوجي الدقيق التي تواكب المعايير البيئية والتقنية العالمية الحديثة في قطاع السيارات. وبالموازاة مع الشق الصناعي، يمتد النفوذ الاقتصادي الألماني ليشمل العصب اللوجستي الحيوي. وتتخذ كبريات الشركات الألمانية من طنجة المتوسط منصة محورية لإدارة عملياتها، حيث تنشط شركات مثل "دي إتش إل غلوبال فورواردينغ" و"دي بي شنكر"، بالإضافة إلى "هيلمان وورلد وايد لوجيستيكس". وتضطلع هذه المؤسسات بدور حاسم في مواكبة التدفقات الصناعية والتجارية، وضمان انسيابية سلاسل الإمداد بين الوحدات الإنتاجية المغربية والأسواق الأوروبية والدولية. واستحضر المتابعون للشأن الاقتصادي بالجهة تجربة مجموعة "سيمنس غاميسا" في قطاع الطاقات المتجددة، من خلال مصنعها لإنتاج شفرات توربينات الرياح بطنجة. ورغم التحولات الظرفية التي قد تطرأ على المشاريع، فإن هذه التجربة عكست في جوهرها انفتاح الجهة المبكر على الاستثمارات المرتبطة بالانتقال الطاقي والصناعات النظيفة. ويؤشر هذا التموقع المتعدد الأبعاد، الذي يجمع بين التصنيع التقني واللوجستيك المتقدم، على طبيعة الشراكة الاقتصادية القائمة بين جهة طنجة–تطوان–الحسيمة والفاعلين الألمان. فهي علاقة تتأسس على منطق التكامل ضمن سلاسل القيمة العالمية العابرة للحدود، مبتعدة بذلك عن صيغ الاستثمارات الظرفية أو محدودة الأثر التنموي. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى زيارة وفد "ساكسونيا السفلى" واللقاء مع رئاسة الجهة باعتباره امتدادا طبيعيا لهذا المسار التراكمي. ويهدف الطرفان من خلال هذه الدينامية إلى استشراف آفاق جديدة لتعميق التعاون، لا سيما في مجالات حيوية مثل تنمية الكفاءات البشرية، والتكوين المهني، واستقطاب جيل جديد من الاستثمارات، مستفيدين في ذلك من الموقع الجيو-استراتيجي للجهة كبوابة مرجعية للصناعة واللوجستيك بين إفريقيا وأوروبا.