لم يكن الهروب من مياه "اللوكوس" العاتية التي اجتاحت القصر الكبير مجرد رحلة للبحث عن أرض جافة؛ بل كانت بالنسبة للعائلات النازحة محاولة يائسة لانتشال "الحياة الطبيعية" من وسط الوحل. وفي مراكز الإيواء التي فتحت ابوابها في عمالة المضيق-الفنيدق، بدا وكأن الرهان قد بدأ يؤتي أكله، حيث تحولت الحقائب المدرسية الموزعة على الصغار إلى رمز لاستعادة التوازن النفسي المفقود. داخل "المركز المتوسطي للطفل"، الذي تحول تحت إشراف الأميرة للا زينب إلى ما يشبه "غرفة عمليات" إنسانية، كانت الخطة تسير بدقة: انتشال الأطفال من صدمة الكارثة عبر بوابة المدرسة. وتدرك إكرام بوشنيطة، المنسقة الجهوية للعصبة المغربية لحماية الطفولة، جيدا أن الغذاء والغطاء -رغم حيويتهما- لا يرممان الروح، بل يرممها "الروتين اليومي" والوقوف في طابور الصباح المدرسي. لذا، كان التنسيق مع المديرية الإقليمية للتربية الوطنية بالمضيق فوريا لدمج هؤلاء النازحين في الفصول الدراسية، في سباق محموم ضد الزمن لكي لا يتحول هؤلاء الصغار إلى "جيل ضائع" للكوارث المناخية. لكن، وفي التفاتة قاسية من الطبيعة، يبدو أن "لعنة الطقس" تأبى أن تفارق هؤلاء التلاميذ. ففي اللحظة التي كانت فيها المدارس تفتح ذراعيها لاحتضان الوافدين الجدد، عادت السماء لتطبق بظلالها الثقيلة على المشهد، فارضة حالة من الشلل التام على المنظومة التعليمية برمتها. فقد وجد مسؤولو التعليم أنفسهم، مرة أخرى، أمام خيار "السلامة أولا". فالنشرات الإنذارية التي صبغت الخرائط باللون الأحمر لم تترك مجالا للمناورة؛ فتقرر إيصاد أبواب المدارس يوم الاثنين في وجه الجميع، من طنجة "البوغاز" مرورا بأصيلة والفحص أنجرة، وصولا إلى وزانوالمضيقوالفنيدق. بل إن مدنا كتطوان وشفشاون، المعروفة بتضاريسها الوعرة، ستشهد تمديدا لهذا "الإغلاق الاضطراري" حتى يوم الثلاثاء، في اعتراف ضمني بأن البنية التحتية -مهما صمدت- تظل عاجزة أحيانا أمام غضب المناخ المتطرف. المشهد الآن يبدو سرياليا بامتياز: أطفال هربوا من مدارس غمرتها السيول في القصر الكبير -حيث الدراسة معلقة إلى أجل غير مسمى- ليجدوا أنفسهم محاصرين بالرياح والأمطار في "الملاذ الآمن" بالمضيق. وبينما تحاول الحسيمة كسر هذه القاعدة عبر الإبقاء على بعض مدارسها مفتوحة في المناطق الأقل تضررا، يظل الدرس الأقسى لهذا الأسبوع هو أن التغير المناخي لم يعد مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبح قوة قاهرة قادرة على تعطيل أقدس الحقوق: حق الطفل في أن يتعلم بأمان.