كشفت التحقيقات الجنائية والأمنية الجارية في ملف النفق السري المكتشف بمحيط معبر باب سبتةالمحتلة، عن تفكيك بنية لوجستية متطورة تديرها شبكة تهريب دولية منظمة. وأماطت التحريات الممتدة لأكثر من عام اللثام عن تعقيدات هندسية غير مسبوقة، وتقاطعات مالية تشمل تبييض الأموال، فضلا عن تورط عناصر أمنية إسبانية سابقة في إدارة وتوجيه أنشطة إجرامية عابرة للحدود. وأظهرت المعطيات الميدانية والتقنية المضمنة في محاضر التحقيق أن المنشأة المكتشفة تتجاوز النمط التقليدي لخنادق التهريب، لتشكل عملا هندسيا متكاملا شيد بعناية على ثلاثة مستويات تحت أرضية. ويضم الممر السري بئرا عموديا للنزول، يفضي إلى غرفة تخزين مركزية مخصصة لتكديس رزم المخدرات لفترات محددة قبل الشروع في نقلها. وتم تجهيز المسار النهائي للمنشأة ببنية تحتية متطورة تشمل سككا حديدية، وعربات نقل صغيرة، ونظام بكرات وروافع ميكانيكية لتسهيل تحريك الشحنات الثقيلة، إلى جانب تزويد النفق بشبكة كهربائية مستقلة بالكامل لضمان تشغيل معدات التهريب على مدار الساعة. وبحسب المعطيات، فقد صمم هذا المرفق لضمان إدخال كميات ضخمة بكل سرية، محولا المكان إلى ما يشبه منجما باطنيا لتمرير أطنان من الممنوعات. ولضمان استمرار النشاط بعيدا عن أنظار المراقبة، تعمدت الشبكة تمويه المدخل الرئيسي وإخفاءه خلف أجهزة تبريد ضخمة مزودة بتقنيات للعزل الصوتي لامتصاص ضجيج الآلات. ويطرح مسار النفق الممتد أسفل الشريط الحدودي الوهمي باتجاه الأراضي المغربية تحديات أمنية وتقنية مستمرة. وتواصل فرق التدخل التابعة للشرطة الإسبانية عمليات معقدة لسحب كميات كبيرة من المياه الجوفية المتجمعة داخل النفق، بهدف استكمال استكشافه وتحديد نقطة نهايته بشكل دقيق. وتتزامن هذه الإجراءات مع تحركات ميدانية وتدابير أمنية وقائية باشرتها السلطات المغربية قبل أسابيع في محيط المنافذ المفترضة للنفق. ولا يعد هذا الممر الهندسي سابقة، بل يندرج ضمن أسلوب إجرامي يعتمد على استغلال البنيات التحتية وقنوات الصرف الصحي في محيط تاراخال لأغراض التهريب السري. وعلى المستوى القضائي، أفضت التحقيقات التي استمرت ثلاثة عشر شهرا إلى توقيف العشرات من المشتبه بهم. واستندت السلطات الإسبانية في الإيقاع بهذه الشبكة إلى تفريغ تسجيلات صوتية وتنصتات باشرتها وحدة مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة الإسبانية منذ دجنبر 2025. ووسعت هذه التسجيلات دائرة الاشتباه لتشمل اختراقات أمنية داخل المنظومة الإسبانية، بعد تأكيد التحريات التورط المباشر لعنصر متقاعد من الحرس المدني الإسباني. وتوثق المحاضر نقاشات تفصيلية جمعت هذا الأخير مع قادة الشبكة حول تنسيق مسارات التهريب وتحديد أسعار الشحنات. وتبقى مجمل المعطيات المرتبطة بالتنصتات في المرحلة الراهنة ضمن خانة التحقيقات المنسوبة للشرطة في انتظار صدور أحكام قضائية نهائية. وتشعبت الأنشطة الإجرامية للتنظيم لتشمل مسارات احتيالية لغسل عائدات المخدرات عبر استغلال أوراق يانصيب فائزة. وتجاوزت الممارسات الجوانب اللوجستية لتشمل العنف وتصفية الحسابات، إذ وثقت التسجيلات تخطيط التنظيم لتنفيذ مهمة انتقامية استهدفت تصفية شخص اعتبر واشيا إثر ظهوره في مقطع مصور كشف تفاصيل منشأة سابقة. وتتجاوز أبعاد القضية النطاق الجغرافي لسبتةالمحتلة لتشكل جزءا من شبكة إمداد دولية واسعة. وأثبتت التحقيقات ارتباط الخلية بعمليات تهريب في العمق الإسباني، أبرزها حجز 15 طنا من مخدر الشيرا في ألميريا خلال يونيو 2025، ليرتفع إجمالي المحجوزات المنسوبة إلى هذا التنظيم إلى ما يفوق 17 طنا، مما يؤكد أن النفق كان بمثابة شريان لوجستي رئيسي ضمن منظومة عابرة للحدود.