يحيى الصغيري أستاذ الجغرافية السياسية وعلم الاجتماع السياسي
مقدمة: انكسار وهم القاعدة وصعود منطق الميدان
تشهد السياسة الدولية في العقد الأخير تحوّلًا بنيويًا عميقًا في منطق اشتغالها وتفسيرها. فبعد مرحلة طويلة من هيمنة خطاب "النظام الدولي القائم على القواعد"، والرهان على المؤسسات والقانون الدولي باعتبارهما الإطار الناظم للسلوك الدولي، عاد الواقع الميداني ليفرض نفسه بوصفه المحدِّد الأول للسياسة. لم تعد القاعدة تسبق الحدث، بل بات الحدث—بما يحمله من عنف وصراع—هو ما يعيد تعريف القاعدة نفسها.
في هذا السياق، يكتسب التمييز بين الجغرافية السياسية والجيوسياسية أهمية تحليلية مركزية، لا بوصفه تمييزًا اصطلاحيًا فحسب، بل باعتباره اختلافًا إبستمولوجيًا في فهم طبيعة المجال السياسي ومنطق الصراع. فما يجري في أوكرانياوغزة لا يمكن قراءته كأزمات إقليمية منفصلة، بل كنماذج كاشفة لتحوّل أعمق في بنية الفعل السياسي الدولي، حيث لم يعد الصراع يدور داخل المجال، بل حول إنتاج المجال ذاته.
وبينما تواصل الجغرافية السياسية الكلاسيكية الاشتغال على فرضية التنظيم الترابي للدولة وحدود السيادة، تتقدّم الجيوسياسية بوصفها معرفة تحليلية نقدية تُعيد السياسة إلى جذورها الصراعية، حيث المجال ليس معطًى سابقًا على السلطة، بل نتيجة تاريخية لتنازع دائم على القوة والمعنى والشرعية.
أولًا: سؤال المفهوم – الجغرافية السياسية والجيوسياسية بين الوصف والنقد
تاريخيًا، انشغلت الجغرافية السياسية بتحليل العلاقة بين الدولة وإقليمها، واضعةً الحدود، والموارد، والتقسيمات الإدارية في قلب اهتمامها. ويفترض هذا المنظور وجود مجال سياسي شبه ثابت، تُمارَس داخله السلطة وفق قواعد سيادية معترف بها، ويُنظر إلى الصراع باعتباره خللًا مؤقتًا في نظام قابل للاستقرار وإعادة التوازن. غير أن هذا الإطار، على الرغم من قيمته الوصفية، يكشف عن محدودية إبستمولوجية واضحة عندما نكون أمام لحظات الانفجار والتحوّل البنيوي، أي حين تُعلَّق القواعد، وتفقد المؤسسات قدرتها التنظيمية، وتتحوّل الخرائط نفسها إلى موضوع للصراع لا مجرد أداة لإدارته. في مثل هذه السياقات، تبدو الجغرافية السياسية عاجزة عن تفسير كيف ولماذا يُعاد تشكيل المجال، ومن يمتلك سلطة ذلك.
في المقابل، تنطلق الجيوسياسية من افتراض مغاير جذريًا: المجال السياسي ليس حيّزًا محايدًا، بل نتاج تاريخي لصراعات غير متكافئة، تُسهم فيها الحرب، والهيمنة، والتحالفات، وآليات إدارة ما بعد الصراع. ومن هنا، لا تنشغل الجيوسياسية بسؤال الموقع بقدر ما تنشغل بسؤال الإنتاج: كيف يُنتَج المجال؟ من يعرّفه؟ ومن يُقصى عنه؟
هذا الفرق ليس ترفًا نظريًا، بل شرطًا معرفيًا لفهم الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد السيادة مكتملة، ولا الدولة الفاعل الوحيد، ولا القانون الإطار الحاسم.
ثانيًا: أوكرانيا – الحدود بوصفها موقعًا للصراع على المعنى
تقدّم الحرب في أوكرانيا مثالًا صارخًا على تحوّل الحدود من كونها خطوطًا قانونية تنظّم السيادة، إلى كونها فضاءات صراعية تحمل دلالات وجودية. فالنزاع لم يعد يدور حول السيطرة على إقليم بعينه، بل حول تعريف المجال الأوروبي نفسه، وحدود انتمائه، وقواعد أمنه، وطبيعة النظام الذي يحكمه.
من منظور الجغرافية السياسية، يمكن تفسير الأزمة باعتبارها خللًا في توازن إقليمي أو صراع نفوذ بين قوى دولية، قابلًا للاحتواء عبر ترتيبات أمنية أو تفاهمات دبلوماسية. غير أن هذا التفسير يعجز عن الإجابة عن السؤال الجوهري: لماذا فشلت القواعد والمؤسسات الأوروبية في احتواء الصراع؟
أما التحليل الجيوسياسي، فينظر إلى أوكرانيا بوصفها ساحة تنازع بين تصوّرين متعارضين للمجال الأوروبي: أحدهما يدّعي الكونية المؤسسية والليبرالية، والآخر يستعيد منطق مناطق النفوذ، ولكن بأدوات حديثة. إن استعصاء الحل لا يعود إلى غياب القواعد، بل إلى تنازع بنيوي على من يملك سلطة إنتاج القواعد نفسها.
هنا، تصبح الحدود تعبيرًا عن علاقة قوة لا عن توافق قانوني، ويتحوّل المجال من إطار تنظيمي إلى رهان سياسي وجودي.
ثالثًا: غزة – إدارة ما بعد الحرب بوصفها إنتاجًا للمجال
إذا كانت أوكرانيا تمثّل الجيوسياسية في فضاء يُصنَّف ضمن "المركز"، فإن غزة تُجسّدها في فضاء هامشي خاضع تاريخيًا لمنطق السيطرة والوصاية. فبعد الحرب، لم تقتصر المقاربات المطروحة على وقف العنف أو إعادة الإعمار، بل اتجهت نحو إعادة هندسة المجال السياسي نفسه.
إن خطط ما بعد الصراع، بما تتضمنه من لجان إدارة، وإشراف دولي، وتدويل للقرار الاقتصادي والأمني، لا يمكن قراءتها كترتيبات تقنية أو إنسانية محايدة. إنها، في جوهرها، ممارسة جيوسياسية تهدف إلى إعادة تعريف غزة لا كفضاء سيادي، بل كمنطقة إدارة استثنائية، تُحكم عبر تداخل السياسة، والاقتصاد، والأمن، خارج الإرادة المحلية الكاملة.
في هذا السياق، لا تُعاد السلطة إلى فاعل محلي مستقل، بل تُوزَّع بين شبكات دولية، ومؤسسات مالية، وشخصيات سياسية عابرة للدولة الوطنية. وبذلك، يتحوّل المجال الغزّي من ساحة صراع عسكري مباشر إلى فضاء لضبط سياسي واقتصادي طويل الأمد، حيث تُحدَّد شروط المستقبل قبل أن تُستعاد شروط السيادة.
رابعًا: من السيادة إلى الوصاية – الدلالة الجيوسياسية العميقة
تكشف الحالة الغزّية عن تحوّل نوعي في ممارسة السلطة في النظام الدولي المعاصر. فالسيادة لم تعد مطلقة ولا حصرية، بل باتت مجزّأة ومشروطة، تُمارَس عبر آليات ما بعد الصراع، لا عبر الدولة وحدها. وتُظهر الجيوسياسية، في هذا السياق، ثلاث حقائق مركزية:
1. إن الصراع ليس استثناءً عن النظام الدولي، بل آلية لإعادة إنتاجه، حيث تُعاد صياغة خرائط النفوذ تحت غطاء إعادة الإعمار أو حفظ السلام. 2. إن المجال لا يُدار بالقانون والمؤسسات فقط، بل عبر قرارات استثنائية وتنفيذية تتجاوز الأطر السيادية التقليدية. 3. إن الفعل السياسي لم يعد حكرًا على الحكومات المنتخبة، بل تشارك فيه مؤسسات مالية دولية، وشبكات نفوذ، وفاعلون غير خاضعين للمساءلة الديمقراطية. وبهذا المعنى، تصبح غزة مختبرًا جيوسياسيًا لإدارة الانتقال السياسي والاقتصادي، حيث يُعاد إنتاج المجال قبل إعادة بناء المجتمع.
خامسًا: مقارنة تركيبية – من تنظيم المجال إلى إنتاجه
تُظهر المقارنة بين الجغرافية السياسية والجيوسياسية اختلافًا بنيويًا في منطق التحليل: المجال: الجغرافية السياسية تنظر إليه كإطار ثابت، بينما تراه الجيوسياسية نتاجًا صراعيًا متغيّرًا. الفاعل: في الأولى، الدولة هي الفاعل المركزي؛ وفي الثانية، تتعدّد الفواعل لتشمل شبكات سياسية واقتصادية وأمنية. الصراع: يُفهم في الجغرافية السياسية كخلل مؤقت، بينما يُعدّ في الجيوسياسية شرطًا تأسيسيًا لإنتاج النظام. في أوكرانيا، يُعاد تعريف النظام الأوروبي. وفي غزة، يُعاد تعريف نموذج إدارة ما بعد الحرب في فضاء ما بعد كولونيالي.
خاتمة: الجيوسياسية كأفق تحليلي لما بعد النظام الدولي
لم يعد السؤال المركزي في السياسة الدولية هو: من ينتصر في الصراع؟
بل أصبح: من يملك سلطة إنتاج المجال وتحديد معناه وحدوده ومستقبله؟
ففي أوكرانياوغزة، لا يدور النزاع حول الأرض بوصفها مساحة مادية فحسب، بل حول الشرعية، والهيمنة، ومعنى المكان داخل نظام دولي متحوّل وغير متكافئ. ومن هنا، تبرز الجيوسياسية لا كبديل تقني للجغرافية السياسية، بل كأفق تحليلي نقدي يعيد السياسة إلى بعدها الصراعي، ويكشف كيف تُنتَج السلطة، وكيف يُعاد بناء المجال، ومن يُسمَح له بالوجود داخله ومن يُقصى عنه.