جرت في الآونة الأخيرة مواجهة عنيفة لاحتجاجات وتظاهرات، بعضها كان سلمياً ولا يخرج عن سياق التظاهرات التي تشهدها بلادنا منذ 20 فبراير، وبعضها يدخل في إطار الاحتجاجات المطلبية المختلفة التي يدافع بها المواطنون عن حقوقهم الاجتماعية، وبعضها احتجاجا على تدبير ملف من الملفات الاجتماعية والحقوقية، وأقلها خدمة لأهداف سياسية معلنة أو مضمرة.. في كل هذه الاحتجاجات كانت هناك قضايا تستأثر باهتمام المواطنين وشعارات تترجم ذلك، ولكن في بعض منها حدثت تجاوزات خرجت بالتظاهرات عن إطارها السلمي، ورفعت شعارات لا علاقة لها بالدفاع عن الحرية والإصلاح والكرامة. إننا لابد أن ندرك بأن التظاهرات والاحتجاجات، قد أصبحت اليوم جزءا من مشهدنا العام، وأنها ستستمر، مهما كانت الإصلاحات، وستظل كما في كل الديمقراطيات وسيلة مشروعة للتعبير والضغط، ولا يمكن أن نقبل أبداً بمواجهتها بالعصي التنكيل ، سواء كانت تظاهرات تنتصر لأفكارنا وقيمنا ومشاريعنا، أو كانت تظاهرات مضادة لها، لا يمكن للديمقراطيين أن يقبلوا مشاهد الجرحى والمعطوبين إثر كل خروج إلى الشارع، وعلينا أن نهيئ بلادنا بكل مسؤولية لهذه الأوضاع الجديدة، بما يستدعي ذلك من جهد في تطبيق القانون وجعله فوق الجميع، ومن جهد لضمان حماية أمن المواطنين وحقوقهم، ومن جهد لتوفير شروط مهنية سليمة وناجعة وحضارية لرجال الأمن, وكل هذا يتطلب استثماراً عقلانيا في المجال الأمني، يشمل التجهيز والموارد البشرية والتكوين، بما يضمن للتدخلات الأمنية صفة الدفاع عن القانون وعن الأمن العام، بعيداً عن كل ممارسة تمس بسلامة المتظاهرين السلميين ،وبحقهم في التعبير والاحتجاج. إن المسؤولية تقتضي أن نقول بكل وضوح إننا ضد العنف الذي ينكل بالتظاهرات السلمية، وتقتضي كذلك أن نقول إننا ضد التفريط في هيبة الدولة وفي مسؤوليتها على تطبيق القانون ، لا يمكن أن نقبل في دولة الحق والقانون، أن يعلق تطبيق القانون في التعمير وفي السير وفي التجارة وفي أغلب المرافق، لأن الجو العام مكهرب ومن الواجب اتقاء كل احتكاك يؤدي إلى انفلاتات خطيرة، والمسؤولية تقتضي كذلك أن نؤكد بأن هيبة الدولة لا تضمن بالعنف، بل بإعمال القانون وبالعدالة. لقد أعطت معالجة الحادث الإرهابي لمراكش درسا بليغاً عما يمكن أن نحققه لبلادنا من اطمئنان واستقرار، فقط بالاحتكام إلى القانون، واحترام المساطر، وضمان الشروط العادلة لكل متابعة مهما كانت خطورتها، إنها المقاربة السليمة التي يجب أن تحيط بالممارسة الأمنية في بلادنا ،فلا أمن يمكن أن يتحقق بمعالجة قمعية خارج القانون. إن الحفاظ على هيبة الدولة ليس مسألة أمنية فحسب، إنها مسألة سياسية كذلك، ويجب أن نستحضر السياق العام الذي تتنامى فيه هذه الاحتجاجات والتظاهرات، سياق انتفاضة الشباب دفاعاً عن الإصلاح، وعن ضرورة محاربة الفساد. إننا واثقون من أن تهدئة الأوضاع العامة ستبدأ من ظهور الإصلاحات الموعودة بشكل مقنع في شكلها ومضمونها، ولكن المواطنين والشباب، على وجه الخصوص، يتطلعون إلى إجراءات عادلة وشجاعة في مجال حماية الحريات، ومحاربة المفسدين، ووضع حد للامتيازات والمداخيل الريعية المستفزة. إن الدولة يجب أن تحمي هيبتها كذلك بمحاربة عادلة للحيتان الكبيرة التي تلتهم كل شيء في طريقها، وأن تجعل ذلك تجسيداً لسواسية المواطنين أمام القانون. وكلمة أخيرة حول الشارع الذي جعلته حركة 20 فبراير ، وسيلة حرة وسلمية للدفاع عن المغرب الحديث، لانريد أن يسرق الظلاميون ودعاة العنف حركة «عشرين فبراير» من الشارع، ولا أن يسرقوا الشارع من حركة «عشرين فبراير»، نعم لحرية التظاهر، نعم لحماية الحريات والحقوق، ولكن لن نقبل بخلط الأوراق، ولا تحويل أحلام الشباب في التغيير والحرية والعدالة والديمقراطية، إلى كوابيس ترهن المستقبل.