صار واضحا أنه يمكن للمغرب أن يتقدم بمقترح عملي لاحتضان فصل من فصول تحريك المسلسل السياسي للسلام، كما يمكنه أن يشارك في المجهود الأممي لتمكين الشعب الفلسطيني في غزة والقطاع من أسباب العيش ومن الغذاء المستدام، وهو ما ظل يقوم به طوال أيام الحرب، ومن خلال مبادرات استثنائية في تدبيرها وطرق تنفيذها وفي مستواها وأهميتها.. ومن خلال مشاركته في القوة الدولية داخل غزة، باعتباره من بين الدول العشر الأولى في قوات حفظ السلام عالميا. كما يمكنه أن يحتضن اجتماعات عمل مرحليا وبأفق نهائي، بالنسبة لحل الدولتين.. من خلال مساعيه مع الأطراف المعنية. ولعل المدخل الذي يتماشى مع رؤيته للسلام عبر تسهيل التفاوض بين الطرفين في النزاع، وسط حاضنة قائمة تفرعت عن قمة النقب في مارس 2023. وكما هو معلوم، فقد راج في السابق أن مجموعات عمل من إسرائيل والولاياتالمتحدة ومصر والبحرين والمغرب والإمارات كان مبرمجا أن تلتقي من أجل ترتيب عقد اجتماع رفيع المستوى مع أربع دول عربية في المغرب بحلول مارس من نفس السنة، يضم كذلك الولاياتالمتحدة وإسرائيل.. الدبلوماسية المغربية تتحرك، في هذا الملف على أساس أن "المغرب معروف، ومعترف به كفاعل مهم في ملف الشرق الأوسط "يليق به دور الوسيط والمُيَسر الموثوق به لدى جميع الأطراف. وهو خيار يعلنه الملك دوما، وقد أعاد الحديث عنه في خضم الديناميات المتقاطعة حول القضية الفلسطينية..في رسالته بمناسبة اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني 29 نونبر.. وإذا كان الملك، في رسالته يشيد بالمجهود الدولي العام، وينوه بالموقف الأمريكي، المتعدد الأقطاب في تناول العديد من القضايا، فإن المغرب يؤكد دوما على المرتكز الثاني، وهو "مبدأ التفاوض المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين باعتباره المسلسل الوحيد الكفيل بتحقيق سلام دائم"… ويملك المغرب في التطلع الى هذا الدور العديد من الأوراق الرابحة : بالاستناد إلى تاريخه في العملية السلمية في المنطقة؛ بفضل أسلوبه في العمل، الذي يجمع بين المصاحبة الرزينة للزمن في إنضاج شروط الفعل الديبلوماسي وتحديد الأفق الواضح للمسلسل الذي يدخل فيه، وذلك من خلال مرافقته للقضية وأطرافها ولاسيما الفلسطيني والإسرائيلي.. باستثمار مصداقيته كشريك واضح، وبدون أجندات خاصة تجعله يفكر بمنطق الصفقة والمقابل … ويكتسي موعد التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية هاته السنة طابعا خاصا: فهو يأتي بعد سنتين من حرب إبادة غير مسبوقة، شابت لها الولدان واختلت فيها موازين القوة وسقطت فيها معادلات عديدة، سنتان كانتا كافيتين كي ينحسر فيها خيار المواجهة كخيار مرحلي في تدبير قضية مستعصية منذ 70 سنة على الأقل.. سواء بالنسبة لإسرائيل التي لم تستطع الاستفراد بالشعب الفلسطيني وممارسة أجندتها بالاجتثاث الوحشي لشعب بأكمله من أرضه، أو بالنسبة للعواصم التي فوضت لنفسها تحديد نهاية الخيار على قاعدة عدم الاعتراف بوجود دولة إسرائيل.. والمغرب يؤمن بمرتكز لا يتغير وهو " التمسك بحل الدولتين، فلسطينية وإسرائيلية".. سنتان كانتا كافيتين لاختلال موازين القوة، إذن، واتضاح مداها، بالنسبة لمن كان يعتبر الحل قائما على حل راديكالي … الدور المركزي لأمريكا، الشريك مع المغرب في علاقة خاصة مع طرفي النزاع، وقبول مبادرات رئيسها في أفق وقف إطلاق النار.. ولابد هنا من أن نذكر بأن الملك، عند الاتفاق الثلاثي، كان قد ذكر بأن القضية الفلسطينية تحظى بالأهمية لديه هو شخصيا، ولدى الحكومة والشعب المغربيين، وقد" ذكر بذلك كلا من الرئيسين الأمريكي والفلسطيني، وذلك بنفس العبارات". وظل المغرب الشعبي بكل مكوناته يعبر عن عمق هذا الشعور، بدون أن يطاله أي منع أو تضييق، وتعددت المسيرات والنداءات وأشكال التضامن، مما ترجم روح التضامن وكذا أفق انتظار الشعب المغربي إلى دور يلعبه من أجل الاعتراف النهائي بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، التي يرأس الملك لجنتها باسم ملياري مسلم..