ندرك جميعا أن كرة القدم تدور بين الأقدام، كما تدور بين الدهاليز، وتشحن بالمشاعر، الطيبة منها والراقية، كما المشاعر الخبيثة والحيوانية. نعرف بأن جزءا من المشاعر فيها، يملي علينا سلوكنا، في لحظات لا نكون فيها سادة قلوبنا وأعصابنا… ونتفق بأن السرقة، موصوفة كانت أو غير موصوفة، فعل مدان سواء تمت في الرياضة أو في الأدب أو في التجارة، كما في المشاعر أيضا، عندما يُسرق الفرح بألاعيب تكسب معركة البهتان. وفي هذا ليس على الحقيقة أن تعتذر عن كونها… حقيقية. لكن لا يمكن أن نمعن في التشبث بالشجرة، إذا كنا قد ربحنا الغابة برمتها، بأشجارها البديعة وأدغالها المقلقة، وبحيواناتها الوحشية، والأليفة، بفخاخ صياديها، وب… أسودها أساسا. عبد الله العروي، الذي حضر بقوة كبيرة في مناقشات المغاربة حاليا، لِما ترتب عن مباراة المغرب والسنغال في نهائي إفريقيا، يُفرد، على غرار كبار كتاب الأنوار، مساحة طيبة وغير مسبوقة، في تناوله للعواطف والنزوعات والأحاسيس في السياسة… وتأسيسا على ذلك، نغامر بالقول: نحن في لحظة قد يستقوي فيها العابر على الثابت والجوهري، في لحظة نكون تحت ضغط المشاعر، لحظة لا تترك فيها المشاعر أي شيء من نبل السياسة وجدارتها. قراءة كتاب «ما الذي تركته المشاعر للسياسة» للأخ الصديق الدكتور حسن طارق، في هاته اللحظة، مهمة. ليس من حقنا أبدا أن نهدر تراثا أخلاقيا من المروءة وحسن التعايش وروح الانفتاح، قضت الأمة ما يزيد عن عشرين قرنا من أجل صياغته وتحويله إلى معيش يومي… لن نسمح للأحفاد بتبديد ما راكمته أجيال غفيرة من الأجداد والآباء، وقد تعلمنا أن العنصرية والاستعلاء لا يشكلان سلاحا للشرفاء والفرسان… ليس من حقنا أن نخلق شروطا نفسية أو إعلامية تدمر ما نجح ملك البلاد في صناعته طوال ربع قرن، جاب فيه إفريقيا طولا وعرضا، عاصمة عاصمة، ودربا دربا، ونمنح الخصوم ما فشلوا في تحقيقه طوال هاته المدة، ريادة إفريقيا قبل… رياضتها. لا يسمح لنا بأن ندعو إلى قطع جسور بناها محمد السادس، وريادة أقامها بالعمل والعرق والسهر. لنتذكر أن فصلنا عن القارة كان دوما مشروعا عدوانيا للآخرين، عندما أرادوا اقتطاع الصحراء من أرضنا كان هذا هو المشروع، في فصلنا عن عمقنا… الإفريقي. وحاولوا سرقة ما هو أكبر من كأس… ترابنا. وفي هذا السياق يجب أن نقرأ مقولة عبد الله العروي، ونعود إليه من باب تجاوز وضعنا كجزيرة، وليس بالتسليم بعزلتنا. وهو نفسه نبه في كتابه الأخير «دفاتر كوفيد»، الصادر في 2024 عن المركز العربي لصاحبه بسام الكردي، من صفحة 161 إلى 163، إلى ما يلي: «يحيل الكثيرون في الأيام الأخيرة إلى ما كتبته ذات يوم: «المغرب جزيرة». لم أكن مسرورا بما كتبت، بل لعلي منزعج منه…» وهو ما يقدم توصيفا أكثر منه دعوة ملزمة. العروي يقول أيضا: «إنه يكفي النظر إلى خارطة لإدراك أن البحر الأبيض المتوسط، مقارنة مع المحيط الأطلسي، يبدو مثل بحيرة مغلقة، وأغلبية الجزائريين لا تعيش على ضفاف هذه البحيرة، وعليه فهم يشعرون بسيكولوجيا بأنهم مسجونون، وهو سجن زاده الظلام السياسي تفاقما، في وقت نجد أن المغاربة ينظرون كلهم نحو الشاطئ، وبناء على ذلك يغريهم البحر، ومنها تبدو كذلك رغبتهم في الوصول إلى الأطلسي، منطقيا، لا بد منها بكل الوسائل، وهو ما يفضي موضوعيا إلى محاصرة المغرب». ومن هنا، ودون تفاصيل، يبدو أن حصار المغرب في منطق الجزيرة المعزولة هو مخطط وإرادة من لدن نظام العسكر، أكثر منه جوهر الوجود المغربي. نحن جزء لا جزيرة. وعلى كل، سنعود إلى الموضوع بالتفصيل لفهم أعمق… وبالرغم من كل المخططات لم نستسلم، وعدنا إلى القارة التي غادرناها لحظة غضب مشروع، وردا على مؤامرة تفوق نهائيات بطولة الأمم. من أخطأ منهم في ساحة الملعب، بيننا وبينهم قوانين الكاف والفيفا… ولن نتنازل عن حقنا في النازلة. ومن أخطأ منهم ومنا أيضا في حق الناس خارج الملعب، بيننا وبينهم القوانين المتعارف عليها دوليا، وسنحمي أبناءنا بقوة القانون والديبلوماسية وغيرهما. وليس من حقنا أن نغرق دولتنا في بحر المشاعر الغاضبة والغريزية مهما كانت مشروعة. المهاجرون وجه آخر لمروءتنا ونجاح سياستنا، لا تنسوا أن ملككم هو الوصيف المعنوي الذي اختارته القارة للحديث باسمها في الهجرة، وهو الريادي في هذا. لسنا تونس قيس سعيد، ولا جيران التهجير إلى الصحراء. ليكن شعارنا: لن نسلمكم إفريقيا مهما كان جرحنا، ونعرف كيف نرد على الطغمة والشرذمة في حينه.