مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول القنوات التلفزية المغربية إلى موضوع نقاش واسع داخل البيوت وعلى منصات التواصل الاجتماعي. غير أن ما رصدناه هذا العام في فيسبوك ومنصة "إكس" وتطبيقات أخرى يكشف أن النقاش تجاوز حدود التعليق العابر، ليتحول إلى موجة نقد يومية يعبر من خلالها المغاربة عن آرائهم في البرامج والمسلسلات الرمضانية التي تبثها القنوات العمومية. ومن خلال متابعة عشرات التدوينات والتعليقات التي تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، لاحظنا حضورا قويا للسخرية والانتقاد في آن واحد. فقد اعتبر عدد من المتابعين أن بعض الأعمال الكوميدية لم تنجح في تحقيق الغاية الأساسية منها، وهي إضحاك الجمهور. وكتب أحد المعلقين: "الكوميديا في رمضان صارت تمرينا على الصبر أكثر منها مناسبة للضحك"، بينما علق آخر قائلاً: "المشكل ليس في الممثلين فقط، بل في النصوص التي تتكرر كل عام تقريبا". ورصدنا في التعليقات المتداولة نوعا من المقارنة بين ما كان يقدمه التلفزيون المغربي في سنوات سابقة وبين الإنتاجات الحالية. فقد استحضرت كثير من التدوينات أعمالا قديمة اعتبرها أصحابها أكثر جودة وتأثيرا، مقابل ما وصفوه اليوم ب"التسرع في الإنتاج" و"ضعف الكتابة الدرامية". ومن بين المواضيع التي أثارت نقاشا واضحا في مواقع التواصل الاجتماعي مسألة بث المسلسلات الأجنبية المدبلجة في أوقات الذروة خلال رمضان. فقد اعتبر بعض المعلقين أن ذلك يتم على حساب الإنتاج الوطني، في حين رأى آخرون أن المشكلة لا تتعلق بأصل العمل بقدر ما تتعلق بجودة ما يقدّم للمشاهد. وفي مقابل هذا النقد، عبر بعض المتابعين أيضا عن تقديرهم لعدد محدود من الأعمال التي رأوا أنها تحاول تقديم موضوعات اجتماعية قريبة من واقع المجتمع المغربي، معتبرين أن التجربة التلفزية الوطنية ما زالت قادرة على إنتاج أعمال ناجحة متى توفرت لها نصوص قوية ورؤية إخراجية واضحة. وخلاصة ما رصدناه في مواقع التواصل الاجتماعي ،خلال مامر من أيام من رمضان، وهي فترة كافية لإصدار مواقف بشأن ماعرض، أن المشاهد المغربي لم يعد متلقيا صامتا أمام الشاشة. لقد أصبح ناقدا يوميا يتابع ويقارن ويعلق، بل ويطالب بتلفزيون أكثر احتراما لذكائه وأكثر قدرة على تقديم أعمال مبتكرة تعكس فعلا نبض المجتمع. المغاربة بطبعهم شعب يميل إلى الفكاهة وحس الدعابة. فالضحك جزء من ثقافتهم اليومية ومن طريقتهم في مواجهة صعوبات الحياة. غير أن هذه الطبيعة المرحة لا تعني أن إضحاكهم أمر سهل، فانتزاع ابتسامة صادقة من الجمهور المغربي يحتاج موهبة حقيقية وكتابة ذكية ورؤية درامية متماسكة. لذلك يبدو غريبا أن تقدم في كل رمضان أعمال يلمس فيها غياب واضح للجهد في الكتابة والتشخيص وبناء الفكرة الدرامية، ثم ينتظر منها أن تجذب انتباه المشاهد أو أن تحقق رضاه. فالمتلقي المغربي، رغم بساطته الظاهرة، يمتلك ذائقة نقدية لا تخطئ بسهولة بين العمل المتقن والعمل المرتجل. كما أن الاتكاء على نسب المشاهدة لتبرير هذه الإنتاجات يظل حجة مضللة في كثير من الأحيان. فالمغربي يشاهد أحيانا بدافع الفضول أو العادة أو الاطلاع لا أكثر، وكثيرا ما تكون الشاشة مفتوحة في البيوت خلال لحظات الذروة، خصوصا وقت الإفطار، دون أن يكون الصوت مرتفعا أو المتابعة فعلية. لذلك فإن تحويل هذه الأرقام إلى دليل على النجاح يظل قراءة سطحية للواقع. والحل لا يكمن فقط في النقد، بل في خلق وعي جماعي يرفض هذا المنطق الذي تهدر بسببه الملايير كل رمضان لصالح دائرة محدودة من المحظوظين. ومن بين البدائل الممكنة فتح باب الإنتاج أمام طاقات جديدة في الكتابة والتمثيل، وتشجيع المنافسة الشفافة بين شركات الإنتاج، وإطلاق منصات تقييم حقيقية من الجمهور والنقاد، حتى يصبح الدعم العمومي مرتبطا بالجودة والإبداع لا بالولاءات والعلاقات. بهذه الطريقة فقط يمكن استعادة ثقة المشاهد وإعادة الاعتبار للتلفزيون العمومي.