لوبي المحروقات يمارس «البلطجة» السعرية ويستغل حروب الخليج لمضاعفة أرباحه وجهت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة نداء تحذير عاجل إلى الحكومة والبرلمان والمؤسسات الدستورية، تنديدا بما وصفته «الممارسات التعسفية والمنافية للمنافسة» التي تنهجها شركات المحروقات في المغرب. واتهمت الهيئة المهنية في بلاغ صادر من الرباط اليوم 17 مارس 2026، هذه الشركات باستغلال التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج والصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لفرض زيادات «مضاربية» في الأسعار لا تبررها الظروف الفعلية للتموين بالأسواق الوطنية. وكشفت الكونفدرالية في بلاغ صحفي شديد اللهجة أصدرته أمس عن «فضيحة رقابية» غير مسبوقة شهدتها ربوع المملكة ليلة 15 وفجر 16 مارس 2026، إذ أقدمت الغالبية العظمى من محطات الوقود على رفع أسعارها بشكل استباقي وغير قانوني بمقدار درهمين كاملين للتر الواحد، وذلك قبل أي ترخيص رسمي أو نشر تنظيمي، بل وذهبت أبعد من ذلك عبر إغلاق محطات عديدة لأبوابها عمداً طوال ليل الأحد للامتناع عن تزويد المهنيين والمواطنين بالوقود بالأسعار السارية، لتعيد فتحها صباح الاثنين بالأسعار المرتفعة الجديدة، وهو السلوك الذي وصفته الهيئة ب»الخرق الجماعي والمنظم» لقواعد المنافسة وحماية المستهلك، في ظل صمت مريب من الإدارة التي تخلت عن دورها الرقابي والضبطي تماماً، تاركةً المقاول الذاتي والمقاولة الصغيرة جداً في مواجهة مباشرة مع «لوبيات» لا ترحم. وفنّدت الهيئة المهنية المبررات التي تسوقها شركات المحروقات لرفع الأسعار، بالاستناد إلى مقتضيات الظهير المتعلق بالقانون رقم 1-72-255، مؤكدة أن هذه الشركات ملزمة قانوناً بالحفاظ على مخزون أمان استراتيجي يعادل 60 يوماً من الاستهلاك، غير أن الواقع الميداني يثبت أن الشركات لا تحتفظ حالياً إلا بنحو 30 يوماً فقط، أي نصف المخزون الإلزامي، والأخطر من ذلك أن هذا المخزون المتوفر حالياً جرى تكوينه قبل نحو شهر بأسعار منخفضة جداً سبقت التصعيد العسكري في الخليج، مما يعني أن الشركات تبيع اليوم وقوداً اشترته بتكاليف قديمة بأسعار الحرب الحالية، وهي مناورة مضاربية تدر أرباحاً خيالية، خاصة وأن هذه الشركات اعتادت رفع الأسعار ب»الدراهم» فور اندلاع أي أزمة، بينما لا تخفضها إلا ب»سنتيمات» مخجلة عند انحسار التوترات وعودة سعر برميل النفط لمستوياته الطبيعية. وانتقدت الكونفدرالية بشدة ما أسمته ب»الإفلات المزمن من العقاب» الذي يتغذى على تضارب المصالح الهيكلي في هرم السلطة، حيث سجلت أن ترؤس أحد كبار مالكي شركات المحروقات للحكومة الحالية خلق وضعاً شاذاً يغيب فيه الحياد الضروري لتنظيم قطاع طاقي استراتيجي، واعتبرت أن نفوذ هذه المصالح النفطية امتد ليهيمن على البرلمان والمؤسسات التنظيمية والرقابية، وصولاً إلى وسائل الإعلام الكبرى التي التزمت الصمت تجاه تجاوزات يومي 15 و16 مارس، وأكدت الهيئة أن هذا الاستحواذ يضعف سيادة الدولة التنظيمية ويترك ملايين المقاولات الصغيرة جداً والذاتيين عرضة لارتفاع تكاليف النقل وغلاء المواد الأولية وتضخم أعباء الاستغلال، مما يؤدي حتماً إلى تآكل هامش الربح وانهيار الطلب لدى الأسر. استعرضت الهيئة لغة الأرقام الصادمة لتدق ناقوس الخطر حول المسار الانحداري للاقتصاد الحقيقي، حيث أعلنت عن إفلاس ما يزيد على 150 ألف مقاولة خلال أربع سنوات فقط من الأزمات المتتالية (كوفيد-19، الجفاف، حرب أوكرانيا، والتضخم)، وأوضحت أن سنة 2022 شهدت إفلاس 25 ألف مقاولة، ارتفعت إلى 33 ألفاً في 2023، ثم إلى 40 ألفاً في 2024، لتصل إلى ذروتها في 2025 ب 52 ألف حالة إفلاس، سجلت المقاولات الصغيرة جداً نصيب الأسد منها بنسبة 99%، وحذرت الكونفدرالية من أن عام 2026، بصفته سنة انتخابية يغلب عليها الجمود الحكومي، قد يشهد انهيار أكثر من 60 ألف مقاولة إضافية، ليتجاوز المجموع 200 ألف مقاولة ضائعة في أربع سنوات، ومعها مئات الآلاف من مناصب الشغل التي تتبخر دون أي رد فعل من وزارة المقاولة الصغيرة أو السلطات التنفيذية. وطالبت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة في ختام بلاغها بتدخل فوري وحازم من الدولة لتأطير أسعار الوقود وربطها بتكاليف الشراء الحقيقية للمخزونات، مع إجراء تدقيق مستقل وشامل لمستويات مخزون الأمان لدى الشركات للتحقق من امتثالها لالتزام ال 60 يوماً، كما دعت مجلس المنافسة إلى الكف عن استهداف «الهياكل الصغيرة» وفتح تحقيق معمق في الممارسات الاحتكارية للحيتان الكبيرة في قطاعات المحروقات والبنوك والتأمينات والاتصالات، وناشدت الهيئة جميع الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والإعلام المستقل للتحرك لمواجهة هذا «الانهيار المنظم»، محذرة من أن استمرار الصمت تجاه معاناة «جيل المقاولات الصغيرة جداً» سيفضي إلى كارثة اقتصادية واجتماعية لا يمكن التكهن بمآلاتها.