في العالم العربي، وخاصة في العراق، حيث من المستحيل التعبير عن الشعور بالاحتقار والرغبة في الانتحار، يمنح برنامج «أنترابي» المساعدة النفسية عن بعد عبر الأنترنيت، وهو البرنامج الذي يوجد مقره ببرلين. جريدة «لوموند» خصصت أحد مقالاتها لهذا المشروع العلاجي، وذلك في عددها الصادر يوم 13 يناير الجاري. «يا إلهي، ما الذي أعيشه اليوم؟ هل سأقابل مجددا أفراد أسرتي؟ أتخيل جثتي مرمية في اللامكان. أعلم علم اليقين الألم الذي سأخلقه لأقاربي. وأبكي... يسكنني الشعور بالاحتقار والهلع، ولا أمل لدي في أن ينقذني أحد». تعود الوقائع إلى ما قبل سنتين. كان «نون» يبلغ من العمر أربعا وعشرين سنة ويشغل وظيفة مستشار لدى إحدى شركات النقل البغدادية، لما تعرضت مكاتب المؤسسة لهجوم من طرف رجال مسلحين... أما بقية القصة، فقد ظل الشاب عاجزا عن سردها لأي كان. «نون» جالس اليوم أمام شاشة حاسوب في مقهى للأنترنيت، وقد فكت عقدة لسانه بفضل مساعدة «طبيب معالِج عن طريق الشبكة». في رسالتين إلكترونيتين سالفتين، حكى الشاب البغدادي عن عنف الضربات التي تلقاها خلال اختطافه، وعن المسدس الذي وضع على صدغه والتصفيات الجسدية التي كان شاهدا عليها. وبعدها، تمحور الحوار حول مشاعره الدفينة. «هذه المرحلة هي الأصعب. يكون على الخاضعين للعلاج عن بعد، أثناءها، إجهاد أنفسهم لوصف تفاصيل ما تلاشى من ذاكرتهم، دون إغفال أي شيء. وفي هذه المرحلة كذلك، يعبر العديدون من بينهم عن الرغبة في التخلي عن العلاج»، تشرح الطبيبة النفسية كريستين كنايفيلسرود، مهندسة مشروع «أنترابي» بشراكة مع جامعة زوريخ، والذي أطلقه «مركز معالجة ضحايا التعذيب» ببرلين في ربيع 2008. «نقول للذين ينهارون إن هذه المواجهة ضرورية لكي يستطيعوا السيطرة مستقبلا على صدماتهم»، تضيف مديرة شعبة الدراسات بالمركز الذي تم تأسيسه سنة 1992، والذي أصبح يضم عدة فروع عبر العالم ويمول من قبل الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة. إننا فعلا في حضرة نمط غريب للعلاج عن بعد، حيث لا يلتقي المريض وطبيبه النفسي أبدا، ويجهل الواحد منهما كل شيء عن ملامح ونبرة صوت الآخر. «ومع ذلك، فهذه الطريقة هي الأفضل لمساعدة العراقيين»، تؤكد الدكتورة كنايفيلسرود قبل أن تذكر بأن الأطباء النفسيين يعدون، فعلا لا مجازا، على رؤوس الأصابع حاليا في العراق: «لقد فروا جميعا من البلد». إنهم ضحايا أو شهود هجومات مسلحة، تصفيات جسدية، اختطافات أو اغتصابات، ومثل «نون»، اختار 300 منهم اللجوء للخدمات عن بعد التي يوفرها «مركز معالجة ضحايا التعذيب» عبر الأنترنيت، والتي يسهر عليها حوالي 12 اختصاصيا في مجال الاضطرابات النفسية الناتجة عن الصدمات، كلهم يتقنون اللغة العربية وحصلوا على تكوين خاص في حقل العلاج عن طريق الشبكة العنكبوتية. وقد علم الضحايا بالخدمة المجانية التي يقدمها المركز عبر القنوات التلفزيونية (العربية، سي.إن.إن، بي.بي.سي)، وهي خدمة لم يكتشفها الغربيون أنفسهم إلا مؤخرا. وضعت أسس «العلاج عن طريق الأنترنيت»، أو العلاج المكتوب، في نهاية تسعينيات القرن الماضي في هولاندا، وهو يمارس حاليا في كل من الدول السكاندنافية وأستراليا والولايات المتحدةالأمريكية، رغم أن أنظمة الحماية الاجتماعية بهذه الدول لا تعوض مصاريفه. «الكثيرن لا يثقون في نجاعة هذا النمط من العلاج النفسي، وهم يبررون موقفهم السلبي بغياب العلاقة المباشرة بين الطبيب والمريض، تشرح الدكتورة كنايفيلسرود، والحقيقة أن العلاقة ليست غائبة تماما، بل هي غير مجسدة فقط. إن هذه الطريقة في العلاج هي الأكثر ملاءمة بالنسبة لبعض المصابين بأمراض نفسية، بل مثالية اليوم بالنسبة للعراقيين». لا يستند حكم الطبيبة هذا على استحالة أي شكل آخر للعلاج النفسي في العراق فحسب، بل على كون جهل هوية المريض من طرف المعالِج يدفع الأول للبوح بمعاناته والكشف عنها بدون قيد أو شرط كذلك. يدوم العلاج عن بعد حوالي خمسة عشر شهرا، وينطلق بالجواب عن مجموعة أسئلة هدفها الكشف عن طبيعة الإضطرابات النفسية، ليستمر بواسطة صياغة عشرة رسائل إلكترونية تتم كتابة كل واحدة منها في 45 دقيقة، وذلك وفق اتفاق مسبق مع الطبيب المعالج. ومع احترامهم لهذا الإطار المضبوط شكليا وزمنيا،«يحرز المرضى العراقيون تطورا بوتيرة أسرع من الآخرين في مجال ضبط أعراضهم المرضية»، تسجل الدكتورة كنايفيلسرود. وبينما يرخي شعور الفرد بفقدان الكرامة بظلاله على العائلة برمتها وعلى المحيط في العالم العربي، مما يجعل أي اعتراف به مستحيلا حتى لا يتعرض صاحبه للوصم بالعار، وبينما لا يمكن البوح بالنزعة الانتحارية لأنها محرمة دينيا، يجد الخاضعون للعلاج عبر الأنترنيت أنفسهم محررين من سهام النظرات الموجهة لهم فتفك عقدة ألسنتهم ويعترفون بلا لف ولا دوران. هذا بالضبط ما صار يحدث مع النساء العراقيات اللواتي أصبحن يلجأن أكثر فأكثر للعلاج عن بعد، رغم أن الرجال يظلون أكبر المستفيدين من خدمات مشروع «أنترابي» (60%)، وإذا كان معدل عمر هؤلاء هو 35 سنة، فأغلبيتهم الساحقة تنحدر من أوساط متعلمة. وتشهد الدكتورة كنايفيلسرود أن كلمات الخاضعين للعلاج المكتوبة معبرة ببلاغة مثل الحديث الشفوي مع الطبيب المعالج: «كثيرا ما جعلني حجم الحروف المستعملة وترتيب الكلمات أسمع صدى صرخة تخترق شاشة حاسوبي»، توضح الدكتورة. أجل، إن الحاسوب هو مفتاح العلاج عن بعد، لكنه عملة نادرة في العراق إذ يقتصر استعماله على حوالي 2% أو 3% من السكان، علما أن مقاهي الأنترنيت قليلة العدد في البلاد وأن التيار الكهربائي ينقطع باستمرار. وفي الحقيقة، فعدد المرضى المستفيدين من الخدمات الطبية التي يقدمها «مركز معالجة ضحايا التعذيب» يظل جد ضئيل بالمقارنة مع الحاجيات: «لكن هذا أفضل من أن يبقى الإنسان مكتوف اليدين»، تؤكد الدكتورة كنايفيلسرود، قبل أن تشير إلى أن الحل المثالي يتجسد في فتح فروع في عين المكان مثلما هو الحال في شمال العراق وكيركوك، ومثلما سيحصل قريبا في جهات أخرى باستثناء بغداد. يكتب «نون» في رسالة إلكترونية لصديق افتراضي: «هناك مثل يقول إن الرصاصة التي لا تقتلك تجعلك أكثر قوة»، ويشكل هذا النوع من الرسائل المرحلة الثالثة والحاسمة في سياق العلاج عن بعد، ويهدف إلى تخليص المعالَج من الأعراض المرضية. ومنذ صياغته لرسالة «الوداع» هذه، صار الشاب البغدادي يستطيع الخلود للنوم العميق بعد تخلصه من الشعور بالهلع والنوبات. ومع ذلك، فقد قام بطبع نسخة من الرسالة ليعيد قراءتها متى احتاج لذلك، نظرا لهشاشة واقعه المعيش أمنيا واحتمال تعرضه لحادث جديد قد يؤدي به للانتكاس. ويشكل هذا الواقع، ومعه محدودية الولوج إلى شبكة الأنترنيت، أهم عائق أمام نجاح مشروع «أنترابي».