نقابة تحذر: التجهيزات الرادارية المتهالكة بمطار محمد الخامس تهدد سلامة الملاحة الجوية    ارتفاع أسعار النفط على خلفية الحرب في الشرق الأوسط    ترامب: الحرب مع إيران ستنتهي قريبا.. لم يتبق شيء لاستهدافه    إسبانيا تسحب رسميا سفيرتها لدى إسرائيل وتخفض مستوى تمثيلها إلى قائم بالأعمال    إيران تعلن عدم المشاركة في كأس العالم 2026    بنشيخة مدرباً جديداً لاتحاد طنجة    مشجع لبرشلونة يضيع طريق مباراة دوري الأبطال    ولاية أمن طنجة توقف قاصراً ظهر متشبثاً بسيارة للشرطة في الشارع العام    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    مقاييس الأمطار المسجلة بالمغرب خلال ال24 ساعة الماضية    مكتسبات وإخفاقات في يوم المرأة العالمي    المغاربة يرمون سنويا 4.2 مليون طن من الغذاء و40 مليون قطعة خبز تذهب يوميا إلى النفايات        الأقسام التحضيرية المغربية تتصدر ترتيب أفضل الأقسام التحضيرية الأجنبية للمدارس العليا الفرنسية        دوري أبطال إفريقيا.. مباراة الذهاب بين الترجي التونسي والأهلي المصري ستجرى بشبابيك مغلقة    جامعة القنيطرة تطرد 18 طالبا.. واستنكار ل"استهداف" الحركة الطلابية    انتخابات 2026.. دعوات لانفراج حقوقي ومطالب بتشاور جدّي حول المراسيم التطبيقية    نايف أكرد يخضع لعملية جراحية ويغيب عن وديتي الإكوادور وباراغواي        مطلب إلحاق جماعة تروكوت بإقليم الحسيمة يعود إلى الواجهة    العصبة تعلن إيقاف منافسات البطولة الاحترافية مؤقتًا    أخنوش يحضر مأدبة عشاء في باريس    باريس.. 27 دولة من بينها المغرب توقع إعلانا حول تمويل الطاقة النووية    الأمم المتحدة.. ابن يحيى تترأس بنيويورك اجتماعا حول ولوج النساء ضحايا العنف إلى العدالة    توقعات بانتعاش تجارة الجملة بالمغرب في 2026 مع ترقب ارتفاع المبيعات    مراكش: توقيف إندونيسي مبحوث عنه دوليا بتهم فساد مالي وتلاعب بأسواق الرساميل    دول السبع تدرس الإفراج عن الاحتياطات الاستراتيجية بسبب الحرب على إيران    بداية خضراء لبورصة الدار البيضاء و"مازي" يحقق مكاسب جديدة    بعد أيام من تعيينه مرشدا أعلى لإيران.. أنباء عن إصابة مجتبى خامنئي    وجدة: فتيات الإنبعاث يواصلن أنشطتهن الرمضانية    مطالب برلمانية بتأجيل العطلة البينية إلى ما بعد عيد الفطر    إيران تهاجم البنوك والمؤسسات المالية    مديرية التعاون الوطني بالعرائش تحتفي بنسائها في يومهن العالمي    الفركتوز المضاف إلى الأغذية المصنعة يؤذي الكلى    كيوسك الأربعاء | مستشفى جامعي ضخم يفتح أبوابه للكفاءات الطبية بالعيون    ليلة الأبطال.. بايرن وأتلتيكو يكتسحان وبرشلونة يخطف التعادل وليفربول يتعثر    تطوان تحتضن «وحدة اليسار المغربي» في سمر سياسي رمضاني يناقش إكراهات الواقع ورهانات المستقبل    أزيد من 96 مليون قاصد للحرمين الشريفين خلال أول 20 يوما من شهر رمضان    الدفاعات الإماراتية تعترض صواريخ إيرانية    بنشيخة يقترب من تدريب اتحاد طنجة    كيف واجه المغرب عاصفة من الهجمات الرقمية في "كان 2025"...    عابر كلمات.. "الشوق"    منع جدارية بمقهى ثقافي بطنجة يثير جدلا ونشطاء يطالبون بالتعامل مع الفن خارج البيروقراطية    أمالاي... القناة الأولى تواصل رحلة توثيق نبض المغرب العميق في موسمه الخامس    مؤسسة علال الفاسي تنظم ندوة فكرية حول « السيرة النبوية» بمناسبة مرور 15 قرناً على المولد النبوي    المشاركة السياسية للمرأة والقوانين الانتخابية بالمغرب    دراسة تبحث علاقة المياه الجوفية بالشلل الرعاش    حفيظة واهيا، مغربية على رأس مختبر أبحاث في الصين    عمرو خالد يقدم برنامجًا تعبديًا لاغتنام العشر الأواخر من شهر رمضان    أخصائية في الأعصاب تبرز أهم مخاطر قلة النوم    بمناسبة 8 مارس.. خبراء يحذرون من تحدٍّ كبير لصحة المرأة    موعد مع ليلة مباركة في الذكر والابتهال وتجويد القرآن بمركز بوكماخ بطنجة        الدكتور محمد موهوب في رحاب ثانوية أبي العباس السبتي    عمرو خالد: سورة النور وصفة قرآنية تبدد حُجُب الظلام عن بصائر المؤمنين    تحديد ‬الكلفة ‬النهائية ‬للحج ‬في ‬63 ‬ألف ‬درهم ‬تشمل ‬لأول ‬مرة ‬واجب ‬‮«‬الهدي‮»‬        







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السياسة و الاخلاق

يكون رجل السياسة عرضة للمنظورية باعتباره رجلا عاما. بهذه الصفة - ضمن فضاء الظهور يتوجب عليه ان يقدم حسابات بخصوص سلوكه السياسي. لا أحد يطلب منه ان يكون فاضلا بشكل عفوي. لا أحد يطلب منه ازالة القناع الذي قد يساعده على اخفاء عتامة ضميره والكشف عن نواياه». في هذا الاتجاه يسير الموضوع التالي الذي هو خلاصة لكتاب حول السياسة واستتباعاتها من تخليق الخ. 1
ماهو الوسط السياسي؟
ينطوي الوسط الخاص للسياسة على مبدأ من اللايقين يجعله يرفض ثنائية الخير والشر، الارادة الحسنة والإرادة السيئة، الفضيلة والرذيلة من ثم لا يمكن للسياسة الا ان تخضع لحكم او رأي اخلاقي صرف، ذلك ان شروطها الاستثنائية هي شروط انتماء بين بين ، تعايش حيث يمكن أن تكون الاخلاق الصرفة فظيعة وحيث تفرض السياسة الصرفة شيئا مثل الاخلاق نحن هنا في صلب مشكل: ثمة حالات حيث يمكن ان يظهر ادعاء البراءة مدمرا وحيث - بالعكس - تشهد القسوة الظاهرة للسياسة عن انشغال، اخلاقي، ثمة حالات حيث يمكن ان تكون الطيبوبة المتساهلة اكثر تدميرا من العنف الردئ.
المسألة تجديدا، هي الانفلات من هذا البديل وفهم انه لا الارادة الحسنة ولا الارادة الماكرة ليستا معطيات مكونة للفعل السياسي. ليس فقط ان المسؤولية السياسية تتطلب احيانا - صيغة مشينة ظاهريا - ضرورية الدخول الى الشر اذا كانت ثمة ضرورة لذلك، بل يحدث اننا نستلهم الحقد بواسطة «الاعمال الجيدة».
ماهو في الواقع الوسط الخاص بالسياسة؟ انه وسط للعيش معا، يكون في نفس الان عنفا ولقاء صراعا وتعارفا. لعلاقة السياسة والاخلاق ارتباط بلقاء افراد مع العالم ومع الغير. فداخل عالم بين داني يتم الفعل السياسي، و اذا لم نتصرف لوحدنا بل مع - مع او ضد - الاخرين. فان الفعل آيل الى ازدواجية عميقة. فليس كل واحد من «الفاعلين» فقط عنصرا بل هو كذلك عامل، لذلك فالتأثير والتأثر وجهان لنفس العملة. فالفعل يتميز بلا تناهيه، بمعنى بهذا اللاحد المحتمل الذي تفترضه عقدة او تشبيك الوجود الجماعي: فلا تحكم مطلق ولا تبعية كاملة. لذلك يجعل الانطلاق الدائم لعلاقات جديدة. ان تكون تبعات الغير محسوبة وغير متحكم فيها.
ليس فقط ان عدم توقيعية النتائج يمنع الحتمية التاريخية والاجتماعية بل كذلك ما قد يمكن تسميته الحتمية الاخلاقية، بمعنى تبرير الفعل انطلاقا من قيم او قناعات تحكمه، كما لو انه كان بامكاننا غض النظر عن شبكة تلك العلاقات المنطلقة. لماذا تجرأ ماكيافيلي على التأكد ان بامكان الطيبوبة في الفعل التاريخي ان تظهر كارثية والفظاعة اقل مرارة وقسوة من الفعل الطيب والسمح؟ لماذا يتجرأ على تلقيننا انه يكون من المناسب في بعض الظروف ان لا يكون الشخص طيبا؟ الشيء الذي - مرة اخرى - لا يستتبع في اية حالة انه يتوجب تعليم الناس ان يكونوا خبيثين ولا انه يجب ان تنتصب الارادة السيئة كمعيار او كشرط.
يركز التبرير الاول على معاينة فارق صارخ بين ماهو كائن وما يجب ان يكون. لكن ليس هذا فحسب بالنظر الى اللاحد الممكن من الفعل، فالكلام يعني ان التأمل بخصوص الخير والشر في السياسة غير منفصل ابدا عن المواقف الملموسة وان معايير الفعل - بعيدا عن تكون ثابتة مرتبطة بمتغيرات
وقتية وبأخذ الظروف في الاعتبار: اما ان نتكيف معها، وإما أن نطوعها، لذلك نرى السياسيين يستخدمون نفس الوسائل والتحرك ظاهريا ب «طريقة مماثلة»، بحيث ينجح البعض حيث يفشل آخرون، غير ان بعضهم لاءموا طريقتهم في التصرف مع معطيات الحاضر، بينما لم يضع بعضهم الأمر في الاعتبار. ليست العلاقة التي تحدد السلوك السياسي تبريرا للفعل تحت إكراه الوسائل - المسلمة التي وفقا لها الغاية تبرر الوسائل - ولا اثباتها باسم متطلبات أخلاق كونية، ثمة حقيقة وقتية للفعل السياسي، وهي تجعلنا في مجابهة الخطر، اللايقين والمبادرة.
ليست ثمة - بالنظر إلى جوهر وقيمة الفعل لا أخلاق خالصة ولا سياسة خالصة: انه بمثابة فرضية جد ضعيفة ان تقابل رؤية اخلاقية للعالم برؤية تناورية قائمة الفعالية البرغماتية للواقعية السياسية، فالتحرك السياسي لا يمكن تحت طائلة ان يبطل كما هو - ان يعتبر خارج كل توجه نحو الغايات فكرة منفعة جماعية ولا ان يسخر في ظل المنظور الوحيد للعلاقة بين الوسائل والغايات.
أخلاق المسؤولية اخلاق الاقتناع
يتطلب الايطوس السياسي رفض هذا البديل، يتطلب كذلك التجريد من الصفة الجوهرية مفاهيم «الخير والشر» الأخذ في الاعتبار تلك الممانعة المتخفية التي يصادفها كل فعل في الحياة السياسية تسكن تجربة الاحتمال، احتمال الشر لكن أيضا احتمال الخير منطق الفعل: ذلك هو الشرط الذي يسمح بعدم سوء تأويل عبارة روسو: هؤلاء الذين سيريدون معالجة منفصلة للسياسة والأخلاق لن يفهموا شيئا أبدا من هذه وتلك أي من الاثنين.
في محاضرة مشهودة (2) ألقاها ماكس ويبير في 1919 أمام رابطة الطلبة الليبيراليين في ميونيخ، تساءل عن مدلول النشاط السياسي في مجموع السلوك الانساني وتوخي استخلاص الاخلاق الخاصة بهذا النشاط، المكان الاخلاقي حيث يكون ذات النشاط بتعبير آخر انه ينطلق من خصوصية الممارسة السياسية ومن المستلزمات الخاصة بالفعل من أجل صياغة معايير، لذلك بالنسبة له ثمة عدة أنواع من الانشطة الاجتماعية، لكن ما يهمنا أساسا هو تحديد النشاط السياسي بالنسبة لتوجهين مهمين توجه الفعل العقلاني بالنسبة لغاية لهدف وتوجه للفعل العقلاني القيمي.
هكذا، فإن المهندس الذي يشيد قنطرة المضارب الذي يسعى بقوة إلى الكسب في البورصة، الخبر الذي يريد تحقيق انتصار يجسدون جميعهم النوع الاول من النشاط، فهم يسعون قبل كل شيء إلى الفعالية ويحاولون التنسيق بين الوسائل الملائمة للوصول إلى أهدافهم انهم يبذلون جهد الأخذ في الاعتبار جميع الثوابت فهم يطابقون بعقلانية الوسائل مع الغايات، الغايات مع النتائج المتوخاة ويفكر في تعدد غايات ممكنة.
يتموقع الفعل العقلاني القيمي »الصرف« للوهلة الاولى، في تعاكس مع الفعل السابق: انه صنيع من «يتصرف دون الاخذ في الاعتبار النتائج المتوقعة لأفعاله لقناعته المنصبة على ما يبدو له كشئ يمليه الواجب، الكرامة، الجمال، الورع أو عظمة «قضية»، مهما كانت طبيعتها» - ماكس ويبير (اقتصاد ومجتمع) 1995 الجزء الاول - فالفاعل يتصرف إذن طبقا لمثل اعلى أو لقاعدة معدين سلفا دون الاهتمام بالنتائج المتوقعة لفعله.
أخلاقية المسؤولية هي التي يتبناها بالضرورة رجل السياسة الذي يفكر في النتائج الممكنة (والا متوقعة بالكامل) لقراراته ويوجه عمله في وضعية متفردة انه يسعى إلى ان يدخل في نسيج الاحداث التاريخية فعلا يحول مجراها خشية جعل علاقة الوسائل والغايات اشكالية للغاية.
أما أخلاقية الاقتناع فهي تنتظم على سمو الأفضل أو الأجدر، بالنسبة لها وحدها المبادىء تتساوى. هي أخلاقية مطلقة منيعة، لا يمكنها (أو لا تريد) أن تقبل لا عقلانية العالم، احتمال المواقف، «الممانعة المتكتمة» للإنسان والأشياء. غداة الحرب العالمية الثانية استند ماكس ويبير على مثالين: مثال الداعي للسلم مطلقاً، الذي يرفض بلا شرط حمل السلاح وقتل مثيله احتراماً للواجب الأخلاقي، مثال النقابي الثوري الذي برفضه لكل توافق مع الواقع يخضع لمنطق «كل شيء إلى لاشيء» (الحصول على كل المطالب بلامساومة). من طبيعة أخلاق الاقتناع أن تكون غير مشروطة، موحدة وان لا تنشغل بالنتائج. هذا معناه أنها غير مسؤولة. فالذي يخضع لأخلاق الاقتناع لا يخضع إلا لواجبه ويسلم أمره لله بخصوص نتائج وتبعات عمله: ان «مسؤوليته» لا تبدأ إلا بالنسبة لضرورة الإبقاء حية » شعلة القعيدة الصرفة كي لا تنطفىء«.
لا يعني الأمر أن الاختيار بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية يكون تعسفيا ولا عقلانيا صرفا. فمادمنا موجودين في العالم، فإننا نضع قناعتنا بالضرورة على محك أفعالنا وتبعاتها. وإذن هل بل بالإمكان غض النظر لكون تلك السياسة تكون مرتبطة الى عنصر حتمي للعنف والجور؟ فحتى المنظمة الأكثر »تعقلا« في المجموعة السياسية، حتى دولة القانون تحملان أثراً دائما للعنف الذي تقاومانه وتتشكلان ضده. يمكن الحديث عن هذا المشكل الذي هو بمعنى ما تربيع للدائرة بطريقة جد واضحة: يجب أن تضع السياسة والقانون حداً للعنف، وللقيام بذلك، فإنه لا يوجد أحياناً طريق آخر غير العنف. فالدولة الحديثة، التي تنبذ العنف، التي تسلب الأفراد الحق في اللجوء إليه، تعطي لنفسها «احتكار الإكراه البدني المشروع»، حسب عبارة ماكس ويبير الشهيرة. يستند النشاط السياسي بشكل ما الى مفارقة أخلاقية: انه يقيم حلفاً مع وسائل يمكنه أحيانا لا يقبل بها. ثمة أهداف لا يمكن الوصول إليها إلا بالنشاط السياسي.
والمشكل الحقيقي هو مشكل عنف لن يكون بوسع أية سياسة تجنبه، بما في ذلك سياسة ديمقراطية. ولأن الإنسان يتحرك داخل العالم، ولأنه من العالم، فإنه يقبل بتحمل المسؤولية داخله على الأقل جزئيا هذا لا يعني أنه بل بالعكس بلا «قناعة»: لا يمكن تسوية أي فعل سياسي كلية وفق معايير الفعالية من دون طرح السؤال: «بقصد ماذا؟».
السلطة علاقة
يمارس العمل السياسي في فضاء يغزوه المظهر أو المتجلي. ضمن شروط مثالية قد تكون هناك رغبة في أن يكون الحاكم كريما بدل أن يكون بخيلا. رحيما بدل أن يكون فظا، عادلا لا صاحب يمين الزور، نزيها لا ماكراً. غير أن«الشرط الإنساني» قائم بهذا الشكل بحيث لا يسمح بامتلاك ولا ممارسة كاملة لجميع هذه المزايا.
بعيداً عن كل انشغال أخلاقي. قد لن يكون بإمكان السياسة إلا أن تسير مقنَّعة، كما تبدو مؤكدة ذلك الاستعارة الشهيرة المتعلقة بالأسد والثعلب. من الضروري أن يحسن الحاكم تجسيد الإنسان والحيوان في نفس الوقت. تجسيد الحيوان هو التصرف بعنف على غرار الأسد، العمل بالحيلة والمكر مثل الثعلب. يجب أن يكون ثعلبا من أجل «معرفة المصائد» و «أسداً لإفزاع الذئاب». فإذا ما تم تطبيق هذه الصيغ حرفيا، فإنها تؤسس من دون شكل لسياسة بلا أخلاق، أساسها العنف والخديعة.
في الواقع وان كانت بعيدة جداً عن معايير الأخلاق العادية انه يجب أن تحال هذه الاعتبارات بخصوص تصرف الحاكم (المسؤول) وبالأساس بخصوص الفعل السياسي، أن تحال الى بعدها الأساسي الذي هو أن تتم في الظاهر. ينطلق الأمر في نفس الآن من فكر للفعل لا يكون خاضعاً لقواعد ثابتة ومن طابع استثنائي أو خارق للسياسة. إذا كانت «كونية الإنسان تتغدى من المظهر كما من الواقع»، وإذا كان «الظاهر أو المظهر يثير
أكثر من الواقع»، فإنه لا ينجم عن ذلك أن تختزل السياسة في تنكر أو تقنع خادع. يجب أن نعرف أن السياسة تتم داخل المرئي، داخل الظاهر، وأن الفضاء الخاص بها فضاء عام للظهور.
إذا كانت الهيئة التي لدى هؤلاء عن ذواتهم ويقدمونها عن أنفسهم مسألة أساسية، فهذا لكونهم يتصرفون على انهم منظورون، مسموعون ويتعرف عليهم من طرف آخرين. أنهم يتكلمون ويتصرفون بالظهور بعضهم لبعض. لذلك فإن الظهور - ما هو منظور ومسموع أمام الملء من طرف الغير ومن طرفنا نحن - يشكل واقع السياسة.
فإذا كان هذا البعد للمنظورية، المرتبط بالشروط الخارقة أو الاستثنائية للسياسة، يقوض استيهام القوة الكلية للحاكمين واستيهام العجز التام للمحكومين. فالسلطة - مع استبعاد انها «مادة»، جسم، «بشيء ما»، توجد بين يدي البعض، يحركونها، يتحكمون فيها، في حين أن آخرين يكونون خاضعين لها تماما، هي قبل كل شيء علاقة. يحملها الحاكم جولة كهالة تحيله الى ذلك الشرط الأساسي للسياسة الذي هو نشرها في فضاء للظهور.
في الواقع، بالنظر للطبيعة الاستثنائية والعجيبة للسياسة، فإن الشفافية - القائمة علي ثنائية الكائن الحقيقي والمظاهر الخادعة - هي بالأحرى نوع من ضمور - انحسار أو ضعف - لفضاء الظهور. فالفكرة المتعلقة بمجتمع شفاف بالامل لنفسه، هي فكرة مخيفة: إنها ذلك الاستيهام الصرف الذي قد يريد تحديد التقليص من اللامتحكم فيه، إلغاء المسافة بين الكائن وما يجب أن يكون، إزالة الصراعات والانقسامات فيما هو اجتماعي وخلق مجتمع متوافق مع نفسه بشكل تام.
لا يحال سراب الشفافية لضوء الجمهور - ضوء لا يغيب عنه النور/العتمة - أو الهموم، فهو يحتفظ بوهم تحكم شامل في الغير ومعرفة تامة بالذات، يبد أن فضاء الظهور حيث تنتشر السياسة ليس خاضعا لخطر التلف، الهشاشة والتباس المستقبل. فالتحرك السياسي لا يتحكم في شبكة العلاقات المتبادلة التي تندرج ضمنه. لا مكان لمسألة «النفاق» في تقييم الفعل السياسي. فكل ظهور يتضمن خطر المخاتلة والخداع: فالشخص الذي يتقدم للاخرين لا يمكن أن يختار الخديعة عمدا ويقرر - الي مستوى ما - ان يظهر في هذه الصورة أو تلك.
لكن إذا كان من طبيعة السياسة ان تمارس وتتشرد داخل ما هو ظاهر، هل بإمكاننا أن نصنع من داخلية الوعي، من اصالة الدوافع المتسترة القياس النهائي لاصدار رأي؟ ليس المشكل علي هذا النحو. لا تحيل صحة الفعل الى حقيقة جوهرية مخزونة داخل اعماق الكائن، انها تتحدد بالنسبة للشروط الاستثنائية للسياسة. في السياسة نكون حيسوبين أمام الآخرين عما اخترنا تقديمه لا على ما ليس بالضرورة مهيأ لنريه ونعرضه على المرئي الواقع للجمهور: حميميتنا، حياتنا الخاصة، مشاعرنا الذاتية. فنحن شهود على سلوكنا بوجه مكشوف لا على نوايانا.
في هذا الصدد، قد يكون بإمكان الرشوة أن تؤخد بمثابة علامة بارزة لخيانة الشروط الخارقة للساسة لا لاختلال أو سوءة اخلاقية. أما بخصوص تحديد وتسليط العقوبة علي سلوكاتنا الجنحية - تمويل غير مشروع للأحزاب السياسية، سوء استعمال المنافع الاجتماعية، اختلاسات متنوعة - فإنهما يتوقفان، مهما تكن صعوبات تسليط الضوء على ناطق الظل، علي احترام القانون وتطبيقه.
السياسي والقناع
مهما يكن فإن الفضح المشروع لعتامة نسق لا يساعد علي أن يؤدي الى الاندحار الاساسي للنشاط الأساسي ولا إلى اندحار الاشخاص الذين يمارسونها، من ثم يجب أن ينظر في مسألة مثالية سلوك رجال السياسة لا بالاحالة الى الأسباب
الحميمية او الى الفضيلة الذاتية، بل الضوء نفس تلك الشروط الخارقة. يفترض تغيير التجارب الخاصة بالحياة العمومية - بخصوص الحاكمين - المرور من الانسان الخاص الى «القائد او الحاكم»، بمعنى آخر، تحويل الانسان الخاص الى انسان عام، لايتعلق الامر بتحويل اخلاقي، بل بإعادة تجاه شبه «وجودي» نحو الانشغال بالعالم.
يكون رجل السياسة عرضة للمنظورية باعتباره رجلا عاما. وبهذه الصفة - وضمن فضاء الظهور - يتوجب عليه ان يقدم حسابات بخصوص سلوكه السياسي. لا احد يطلب منه ان يكون فاضلا بشكل عفوي، لا أحد يطلب منه ازالة «القناع» الذي قد يساعده على اخفاء عتامة ضميره والكشف عن نواياه، ليس ثمة بسبب لاعتبار انه يتوجب على رجل السياسة - خلافا لباقي المواطنين - ان يكشف المستور على حياته الخاصة، عن الفضاء الذي يأوي حميمته حتى يكون بصفة كاملة عرضة في واضحة النهار المنظورية العموم: فمثاليته لاتوجه الا للفضاء المفتوح للجميع، المحدد ببعض الحدود والذي يتوجب عليه دخله تقديم حسابات.
غير أنه منذ اللحظة التي يلج فيها نظام النظر ذاك، فإنه يحاسب امام الآخرين عما اختار تقديمه: فهو يصنع صورة ما عن السلطة. واذن فكل اخلاق عمومية تحيل الى شكل من الاخلاقية الفردية: فالتحول الوجودي الى «الانشغال بالعالم» يتجسد في السلوك الشخصي لمن يجسد - عندما يكون في السلطة - القيم الجماعية التي تتجاوزه.
في الواقع انه سيكون بإمكاننا دائما نعت كل ما يظهر في ضوء الفضاء العمومي بانه رياء. المسألة غير باتة مطلقا، وعندما تنخرط في هذا الطريق فإنه لن يكون هنا مخرج - في غياب القدرة على الخروج منه - الا بالارتياب مسبقا في السياسيين وتحميلهم فقدان الثقة وزوال المصداقية: فمن »كلهم مشبوهون« الى »كلهم فاسدون«، قطعنا الخطوة بسهولة. فالمسؤولية الخاصة بالفعل داخل العالم لم تكن تستتبع اية سهولة وبصفة السهولة التي تتطلب مقارعة صفاء النوايا مع خبث الواقع، تعاش المسؤولية ويتم تصورها تحت نظام المفارقة، فإذا كان التناقض يبدو عصيا من وجهة نظر التأمل التجريدي، فإن اختيار الواقع ولحظة الاختيار - في وضعية متفردة - هما اللذان يحلان التناقض.
هامش:
(1) كتاب ميريام رفود الونيس
Doit-on moraliser la politique
(2) من كتاب، Le savant et le politique ماكس ويبير، 1963.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.