بمجرد انتهاء صلاة التراويح، يغادر آلاف المصلين مسجد "محمد الخامس" وسط مدينة طنجة. على الرصيف المقابل، تتوزع مجموعات من الأشخاص لطلب الصدقات. تجلس نساء يرافقن أطفالا صغارا قرب البوابة الرئيسية، فيما يعترض شباب طريق المارة لعرض وصفات طبية. وتشهد شوارع عروس الشمال خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، انتشارا مكثفا لأشخاص يمتهنون التسول. وتتركز هذه الظاهرة في محيط المساجد الكبرى، والمدارات الطرقية، والأسواق المركزية ك "كاساباراطا" و"فندق الشجرة"، مستفيدة من الحركية التجارية الاستثنائية وتزايد الإقبال على إخراج الزكاة والصدقات قبيل عيد الفطر. وقبيل موعد الإفطار، ينتقل نشاط هؤلاء إلى المحاور الطرقية الرئيسية. وعند الإشارات الضوئية المزدحمة في ساحة "الجامعة العربية" ومحج "محمد السادس"، يتنقل أطفال ونساء بين مسارات السيارات المتوقفة لطلب المال من السائقين. وتستمر هذه العملية بشكل متكرر ومخاطرة واضحة بين المركبات حتى استئناف حركة السير. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن جزءا كبيرا من الممارسين لهذا النشاط لا يتحدرون من عمالة طنجة-أصيلة. ويفد هؤلاء من مدن مجاورة ومناطق أخرى، للعمل بشكل مؤقت في طنجة خلال شهر رمضان، حيث يكترون غرفا مشتركة بأسعار زهيدة في أحياء المدينة العتيقة، ليتخذوها منطلقا لتنقلاتهم اليومية نحو وسط المدينة والأحياء الراقية. ويتخذ التسول في هذه الفترة طابعا اعتياديا ومنظما. وتتكرر الوجوه ذاتها في النقاط الجغرافية نفسها يوميا. وتتوزع الأدوار بين أفراد المجموعات، حيث يفضل البعض التمركز قرب أبواب المساجد ليلا، بينما يختار آخرون التواجد في الأسواق ومحطات نقل المسافرين خلال ساعات النهار. ويقول أحد التجار في سوق "المرس" الشعبي: "العديد من هذه الوجوه لا نراها إلا في شهر رمضان، يختفون طوال السنة ويظهرون الآن لاستغلال عواطف الناس، وتواجدهم الكثيف يربك حركة الزبائن". من الناحية القانونية، يعاقب القانون الجنائي المغربي، في فصوله من 326 إلى 333، على التسول، وتتضاعف العقوبة الحبسية في حالات الاعتياد، أو التهديد، أو استغلال الأطفال والقاصرين، أو اصطناع عاهات وجروح. وفي هذا الإطار، تنفذ مصالح المديرية العامة للأمن الوطني، بتنسيق مع السلطات الإدارية المحلية وعناصر القوات المساعدة، تدخلات ميدانية لضبط الأشخاص في حالة تلبس بممارسة التسول في الشارع العام. وتتم إحالة الموقوفين البالغين على أنظار النيابة العامة المختصة لتعميق البحث، خاصة للتأكد من عدم وجود شبكات منظمة للاتجار بالبشر واستغلال القاصرين. فيما يتم توجيه الحالات الاجتماعية الهشة، نحو مراكز الرعاية الاجتماعية التابعة لمؤسسة "التعاون الوطني"، بتنسيق مع قضاة الأحداث والخلايا المكلفة بالنساء والأطفال ضحايا العنف التابعة للأمن الوطني. وعلى الرغم من هذه التدخلات الأمنية والاجتماعية المستمرة، تستمر الظاهرة في الانتشار، مدفوعة بالعائد المالي اليومي المرتفع. وتكشف محاضر الاستماع والتحقيقات الأمنية في قضايا سابقة، أن التسول المنظم يدر مداخيل نقدية تتجاوز في حالات كثيرة الحد الأدنى للأجور المعمول به في القطاعات المهيكلة بالمغرب، وهو ما يشجع على استمراره كنشاط اقتصادي غير مهيكل وموسمي. ويواجه المارة صعوبة بالغة في التمييز بين حالات العوز الفعلي وبين ممتهني التسول الاحترافي. وتتنوع أساليب استدرار العطف بشكل مدروس، لتشمل استخدام الرضع النائمين طيلة ساعات اليوم وفي أوقات متأخرة من الليل، وعرض تقارير طبية قديمة أو منسوبة لمستشفيات عمومية، أو ادعاء الانقطاع في الطريق والحاجة الماسة لمصاريف السفر للعودة إلى مدن الأصل. وتنعكس الكثافة العددية للمتسولين بشكل مباشر على انسيابية حركة السير والجولان، وتتلقى السلطات المحلية والدوائر الأمنية شكايات متكررة من أصحاب المحلات التجارية، والمطاعم، والمقاهي بشأن تعرض زبائنهم للمضايقة والإلحاح المستمر. ويشير الفاعل الجمعوي، اسماعيل العشيري، المهتم بقضايا الطفولة، إلى أن "التعامل مع الظاهرة يتطلب أكثر من مجرد مقاربة أمنية زجرية"، مضيفا أن "الرهان الأساسي يكمن في محاربة شبكات استغلال الأطفال وتوعية المواطنين بتوجيه تبرعاتهم وصدقاتهم نحو الجمعيات والمؤسسات الرسمية المعتمدة لضمان وصولها للمحتاجين الفعليين". وفي انتظار تفعيل آليات أشمل للحد من الظاهرة، تظل شوارع طنجة، باعتبارها القطب الاقتصادي الثاني في المملكة، نقطة جذب مستمرة للباحثين عن الاستفادة من الطفرة المالية المؤقتة التي يوفرها شهر رمضان، وسط تحديات يومية لضبط الفضاء العام وتطبيق القانون الجنائي وتوفير البدائل الاجتماعية.