عبد الرحمان بنونة ما الذي يدفع السلطات الموريتانية إلى اتخاذ قرار طرد الزميل الصحافي عبد الحفيظ البقالي الذي تعتمده وكالة المغرب العربي للأنباء في نواكشوط على وجه السرعة، ولم تمهله أكثر من 24 ساعة للرحيل هو وأسرته وتوقيف دراسة أطفاله؟ هل هو الخوف من مرض معدٍ تضاهي خطورته أنفلونزا الخنازير، أصيب به هذا الصحافي، مما اضطر المسؤولين في موريتانيا إلى إبعاده في زمن قياسي قصير جدا، حماية لمواطنيهم من العدوى؟ هل ارتكب البقالي جنحة أو جناية يعاقب عليها القانون الموريتاني حتى تتكفل السلطات الأمنية بأمر ترحيله؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تطبق عليه فصول المتابعة طبقا للقانون الجاري به العمل في هذا البلد الشقيق في إطار المحاكمة العادلة بدل ترحيله بطريقة مهينة ودوس كرامته التي تكفلها قوانين الأرض وقانون السماء؟ هل وقع عبد الحفيظ البقالي في خطأ مهني يخالف أخلاقيات مهنة الصحافة أم هو خوف من تحرياته التي يفرضها عليه عمله الصحافي للكشف عن بعض الدسائس التي تحاك ضد وحدة المغرب الترابية؟ حتى وإن حصل خطأ مهني، فوزارة الإعلام الموريتانية هي المعنية بالقطاع التي يخول لها القانون التدخل، بتنسيق مع السفارة المغربية بنواكشوط، وليس السلطات الأمنية التي قامت بترحيل هذا الصحافي، ولم تترك له حتى فرصة جمع أثاثه، وتدبير أمر الرحيل من البلد المضيف؟ إذا لم يكن الأمر يتعلق بجنحة، ولا بجناية، ولا بخطأ مهني يعاقب على جميعها القانون فهذا يعني أنه «تقلاز من تحت الجلباب» كما نقول نحن المغاربة، خصوصا أن السلطات الموريتانية لم تقدم أي مبرر قانوني، ولم تصدر أي تبرير رسمي! وهكذا يبدو قرار طرد صحافي وكالة المغرب العربي للأنباء من موريتانيا، الذي كان يشتغل هناك لأزيد من سنتين في إطار قانوني، قرارا مرفوضا وتعسفيا، كما نددت بذلك النقابة الوطنية للصحافة المغربية، حيث اعتبر رئيسها يونس مجاهد أن «هذا القرار يعتبر اعتداء سافرا على حرية الصحافة، وحتى لو كانت مؤاخذة مهنية، فإن أمر حلها يتم وفق القانون» وليس عبر إجراءات مزاجية. أمام الصمت الذي التزمته السلطات الموريتانية إزاء طرد هذا الصحافي المغربي من بلادها، يبدو ذلك لغزا ورسالة مشفرة من نواكشوط إلى الرباط، لأن القرار مبيت ولا يفصح عن نفسه، بعيدا عن أعمال العقلاء المنزهة عن العبث. ولا يعدو أن يكون هذا الصحافي المهان في كرامته إلا الشجرة التي تخفي الغابة. ويستشف من هذا القرار أن ظاهره تهمة ملفقة، تحاسب نوايا الصحافي في عمله، وفي باطنه يضمر خلفيات سياسية تدخل في إطار مسار أحداث آخذة في التأزم بين الرباطونواكشوط، تؤججها الجزائر، كما دأبت على ذلك في حربها الدبلوماسية ضد المغرب، وهي تسعى بكل الوسائل جاهدة إلى ضم موريتانيا إلى صفها لتعضيد ساعدها ضمن الحلف المعادي لوحدتنا الترابية. فالجزائر بعد أن خسئت في ترجيح كفة ترشيح موريتانيا بعضوية مجلس أمن إفريقيا التي كان الفوز بهذه العضوية من نصيب المغرب، لا تَكلُّ في خلق القلاقل والمناورات واللعب على الجانب النفسي للمسؤولين الموريتانيين، الذين لم يستسيغوا فشلهم في الظفر بعضوية مجلس أمن إفريقيا، بغية تعميق هوة التوتر بين المغرب والشقيقة موريتانيا، التي كانت تحت السيادة المغربية إلى جانب صحرائه قبل دخول الاستعمار الفرنسي والإسباني إلى منطقة المغرب العربي. وعندما خرجت فرنسا من الجزائر، للأسف تركت مسمارا استعماريا مسموما، حين ضمت منطقة تندوف المغربية إلى الجزائر، وظل الخلاف قائما بين المغرب والجزائر حولها حتى اليوم. يذكر التاريخ أن المغرب اعترف بقيام دولة موريتانيا دون أي مكسب سياسي أو دبلوماسي، وتغاضى قبل ذلك عن ترسيم الحدود مع الجزائر، لأن فرنسا عارضت ذلك بشدة حتى سلبت منطقة تندوف بطريقة مبهمة مثلما سلبت الأراضي الواقعة على الحدود الشرقية. رغم ذلك ظلت مساعي المغرب متواصلة لإيجاد حل سلمي عادل، لا غالب ولا مغلوب في ملف الصحراء، حيث عقد اتفاق مبادئ عام 1988 بين المغرب والبوليساريو، يتحدث عن استفتاء في الصحراء، لكن تمرد البوليساريو وقرارها بمواصلة العنف والعصيان على الوطن الأم جعل عملية الاستفتاء جد صعبة. وأعاد المغرب الكرة من جديد فيما بعد، ساعيا إلى حل سلمي، حيث تقدم من جديد بمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية الذي يستمد شرعيته من القانون الدولي ومن التجارب العالمية التي يطبق فيها هذا النوع من الحكم، وهي مقاربة قانونية من جهة، وتنموية من جهة أخرى، وهو كذلك مشروع استراتيجي متكامل، أشاد به المنتظم الدولي على نطاق واسع. لا يسكت عن كلمة حق إلا شيطان أخرس، لكن أصحاب الضمائر الحية لا يخرسون. سررت لاستغراب نقابة الصحافيين الموريتانيين من نبأ طرد السلطات الأمنية لبلادها الزميل عبد الحفيظ البقالي مندوب وكالة المغرب العربي للأنباء بنواكشوط. لقد تدخلت هذه النقابة على الخط من منطلق رسالتها المبدئية التي ترفض كل تقييد لعمل الصحافيين والتضييق عليهم. وبكل شجاعة أدبية وفكرية وسياسية، التمس النقابيون الموريتانيون، من خلال بيان أصدره مكتبهم التنفيذي، من السلطات الأمنية الموريتانية، الكشف عن ملابسات الطرد التعسفي المهين الذي يتنافى مع المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان وحرية العمل الصحافي. مثلما أصدرت نقابة الصحافيين في موريتانيا، والنقابة الوطنية للصحافة المغربية، كل واحدة من جهتها، بلاغا أدانت فيه قرار نواكشط المبهم والمرفوض، واعتبرت ذلك تضييقا على حرية الصحافة، اهتمت وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية بقضية طرد صحافي وكالة المغرب العربي المعتمد في موريتانيا. وحدها القناة الأولى التي بقيت خارج التغطية، ولم تكلف نفسها عناء الإخبار عن هذا الحدث الذي يدخل في إطار الفتور الذي بدأ يدب، ويكتنف العلاقات بين المغرب والشقيقة موريتانيا. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على استخفاف قناتنا الأولى بالقضايا الحساسة من مثل هذه القضية التي تبدو كالشجرة التي تخفي الغابة في إطار العلاقات المغربية الموريتانية، وتدخل في إطار الحرب الدبلوماسية ضد المغرب والنزاع القائم حول صحرائه، والمخطط الرهيب الذي يستهدف المغرب من طرف أعداء وحدته الترابية.