موازين وعيوش والقناة الثانية، ومقدمات العنف المادي في الوقت الذي أدخلت فيه حكومة البيجيدي المغرب في حالة غير مسبوقة من العطالة والإحباط، وزجت به في وضع غير مسبوق من انعدام المعنى وانهيار الثقة في الخطاب السياسي، خصوصاً على وقع التنصل الخطير للسيد بنكيران من مسؤولياته السياسية بعدما صرح مرات أنه لا صلاحيات له وأنه "ليس من يحكم" .وبينما تيقن المغاربة أخيراً، خاصة من كانوا يتقون أو يتعاطفون مع خطاب حزب العدالة والتنمية، أن لا جدوى من تعويلهم على الحكومة لتحقيق انتظاراتهم ومطالبهم المؤجلة التي فاضت خلال سياق التغيير، خاصة محاربة الفساد بعد أن اكتشفوا أن لمصطلح "الفساد" في قاموس رئيس الحكومة معنى خاصاً جداً وهو أن الفرق بين الشر والصلاح يكمن في المبايعة العمياء لعبد الإله بنكيران والدخول تحت طاعته، فيصبح التمساح بقدرة قادر حملاً وديعاً كما يصير العفريت الطائع ملاكاً طاهراً! يتزامن هذا الإقرار باليأس والفشل الحكومي الذريع مع خروج الفقيه أحمد الريسوني، نائب تنظيم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والوجه الإخواني البارز، بمقال بعنوان "السلطة الأولى في المغرب" يناقش فيه "الدولة الرسمية" و"الدولة الخفية" في المغرب و"الفساد" وضرورة "فصل السلط"، حيث يتضح أن الأمر يتعلق بأحكام وعبارات للتمويه والهروب من الإشكال وتسمية الأشياء بمسمياتها، كما تأكد من خلال الأمثلة التي أوردها للمراوغة والتغطية عن بيت القصيد الذي هو التحريض المباشر والصريح ضد مهرجان "موازين"، المهرجان الذي يمكن أن يكون موضوع انتقاد وتحليل وحتى الرفض، لكن الأمر غير المقبول والخطير هو أن يصير موضوع رأي فقهي وسياسي تحريضي يشكل مقدمة فعلية وصريحة للعنف المادي، كما جاء في مقال الريسوني. يتزامن كل هذا مع ما يشهده المغرب خلال الآونة الأخيرة على وقع سجال حاد في فضاء المجتمع وفي العالم الافتراضي، جدل انطلقت شرارته بعد تسريب مقاطع من شريط "الزين اللي فيك" لمخرجه نبيل عيوش، وهي المقاطع التي تم تناقلها على نطاق واسع وشكلت أساساً لحملة تهويل ضخمة من طرف المكونات السياسية الإسلامية والمحافظة عموماً، عمدت بعدها الحكومة، ممثلة في وزير الاتصال مصطفى الخلفي، لإصدار قرار منع عرض الشريط السينمائي بالمغرب حتى قبل أن يتقدم المنتج بطلب العرض، وذلك في قفز صارخ على القانون وبشكل يفصح عن الطبيعة السياسية للقرار والمرجعية القيمية في اتخاذه، مما يجعل منه مثالا صارخا للوصاية والاستبداد القيمي والإداري، وإن استمر التعاطي مع الإنتاجات الفنية والإبداعية بهذا المنطق، سيشكل مقدمة لفصل مثير وجديد من محاكم التفتيش في طبعتها الأكثر سخافة في القرن الواحد والعشرين. درجة التأليب والاستقطاب تلك زادت حدتها بعد الحفل الراقص للمغنية الأمريكية جينيفير لوبيز بمهرجان موازين والذي تم نقله حياً على قناة دوزيم، وهو العرض الذي رأى فيه إسلاميونا، مرة أخرى، هجوماً كاسحاً على أخلاق الأمة واستهدافاً مدمراً لثوابتها الدينية والروحية! هنا أتساءل لماذا انتظر إسلاميونا حتى تم العرض فعلاً خاصة وأن المغنية مثار الجدل ونمطها الغنائي الاستعراضي معروف مسبقاً، اللهم إلا إن كانوا ينتظرون منها التحول لشيء آخر يرضي أذواقهم المتطلبة جداً ! فألا تؤكد مئات الألوف ممن حضروا الحفل وجود جمهور كبير من المغاربة لمثل هذه العروض الاستعراضية من حقهم أن يتابعوا فقرة في برنامج مهرجان موسيقي؟ خاصة أن من بينهم أفراد من أسر وشخصيات في الحكومة ؟! أما مهاجمة القناة الثانية والقول بأن نقلها للحفل أدخل المجون لعقر بيوت المغاربة، فلا يستقيم لأنه يتجاهل وجود طيف واسع من القنوات التلفزية العمومية المختلفة المشارب والتخصصات بما فيها قنوات دينية تبث على مدار الساعة، أو أنهم يجهلون أن القناة الثانية معروفة بخطها الحداثي المنفتح على العالم وأن نسبة كبيرة من متتبعيها من تلك الفئة، أو أنهم نسوا أن العرض السمعي البصري الوطني الممول من طرف جميع المغاربة يجب أن يمثل جميع الحساسيات ويستجيب لكل الأذواق حتى تلك التي لا تروق للبعض؟ في هذا الصدد، وبمناسبة الحديث عن أخلاقيات ما يبث على قنواتنا العمومية من المهم مسائلة البيجيدي ووزيرهم في الاتصال عن رأيه في الدراما التركية التي انتعشت على شاشاتنا في عهد الحكومة الإسلامية إلى حد الاكتساح، وهي المسلسلات التي فعلت فعلتها في قطاع واسع من المراهقات وربات البيوت المغربيات إلى حد تهديد استقرار وتلاحم كثير من الأسر، فهل يكفي للغراميات والشبقيات أن تحمل دمغة أناضولية أو عطف دولة وحكومة الإخوان لتصبح حلالاً طيباً؟ من نافلة التذكير بأن إسلام الوسط والاعتدال المغربي، والخيار الديمقراطي الحداثي الذي يقال بأن المغرب انخرط فيه يتطلب مراعاة واحترام الاختلافات الإيديولوجية والسياسية وتصريف الحساسيات الثقافية بأعلى درجات المرونة بما يسهل سيادة جو من التدافع والتنافس السلمي، وهو الواقع وقواعد تدبير الاختلاف والتعدد التي يقفز عليها التيار السياسي الإسلامي عند أدنى فرصة تتاح. فكيف لنا تصور مسلسل تطور مجتمعي وسياسي تغيب فيه التعددية الإعلامية ويفرض فيه طرف واحد، بدعوى احتكار الحقيقة والوصاية على ضمائر الناس وأخلاقهم، رؤيته الوحيدة على باقي مكونات المجتمع والفرقاء؟ وكيف لنا الوصول إلى حياة ثقافية وفكرية حقيقية وبمجتمع حي ومنخرط في غياب حرية التعبير والإبداع الفني المسؤول بكل أصنافه وأجناسه باعتباره وسيطاً فعالاً لطرح ومناقشة مختلف الإرهاصات المجتمعية والظواهر والمعضلات مهما كانت صادمة للرياء والانفصام العامين؟ فبخصوص شريط عيوش، قد لا نتفق فنياً مع قيمة العمل على المستوى الإبداعي وقد نعتبر اللغة الموظفة فيه غير موفقة أو غير مبررة، إلا أن الإبداع بجميع أصنافه لا يخضع إلى لمنطق الإبداع ذاته وقيمه الجمالية وأدواته النقدية، كما أن الإنتاج السينمائي يقدم داخل قاعات خاصة يرتادها الجمهور الراغب في المشاهدة بعد أداء ثمن تذكرة الدخول. إضافة إلى أن التناول السينمائي لمشكلة الدعارة باعتبارها آفة مجتمعية لا يمكن إلا أن يكون مساهمة فاعلة في تسليط الضوء على معاناة شريحة منسية ومقصية من عاملات الجنس اللائي هن مواطنات مغربيات كذلك، وعلى تحول الجنس في المغرب إلى خدمة وصناعة سياحية ومجال مغري للاستغلال والاغتناء والعيش السهل والمذلة بالنسبة لشرائح واسعة في المدن الكبرى، وفي فتح نقاش مجتمعي حول هذا الواقع الصارخ الذي ألف المغاربة حجبه بنفاقهم الاجتماعي. لقد كان حريا بحكومة حزب العدالة والتنمية أن تقدم للمغاربة تصورها وتدابيرها للحيلولة دون تفاقم الظاهرة أكثر مما هو قائم، ولتحقيق شروط الحياة الكريمة للمغربيات عبر برامج وحلول عملية للتكوين والتنشئة المسؤولة والتنمية والتشغيل...، وليس انتظار أدنى فرصة للمزايدة الأخلاقية والقيمية بدل تحمل مسؤوليتهم السياسية والاقتصادية في استمرار وتفاقم هذا الوضع والظاهرة. ومن المهم التساؤل عن عدد النساء والفتيات اللواتي التحقن بسوق الدعارة منذ تولي عبد الإله بنكيران وحكومته زمام المسؤولية كنتيجة مباشرة لسياسات رفع الأسعار وضرب القدرة الشرائية وتفقير الطبقات الوسطى والفقيرة وتعزيز بطالة الأطر وإشاعة اليأس...؟ أما المؤكد فهو أن القوى الديمقراطية والحداثية بالمغرب أمام تحد جديد يرفعه طرف إيديولوجي وسياسي يجيد اقتناص الفرص ولا يكتفي بالتدافع السياسي والتنافس الفكري في حدوده الديمقراطية واحترام الاختلاف، وهو يوظف في ذلك فقهائه وخطبائه ووعاظه وكتائبه، وأساليب الشيطنة واستغلال إسلام المغاربة وقيمهم وشحن الحشود والعنف الرمزي، بل والاستغلال السياسوي للنقاش القيمي للتأليب والتحريض في مقدمات واضحة وصريحة للعنف المادي في فضاء المجتمع! وإذا عدنا لمقال أحمد الريسوني الأخير، يتضح ذلك بكل جلاء. فقد كتب "مؤخرا عمد أباطرة مهرجان موازين إلى احتلال عدد من الساحات وقطع عدد من الطرقات، لتنظيم استعراضاتهم للعُري الدولي والإخلال العلني بالحياء، بل عمدت قناتهم التلفزية إلى البث المباشر لكل ذلك وفرضه على كافة الأسر والبيوت..." تمعنوا في القاموس والعبارات التي وظفها سي الريسوني في هذا المقال التحريضي:احتلال الساحات، قطع الطرقات، استعراض العري الدولي، الإخلال العلني بالحياء، عمدت قناتهم (قناة الأباطرة) إلى البث المباشر لكل ذلك... إنها أحكام وصك تهم وفتاوى تؤلب المواطنين وتدفعهم إلى ردود الفعل بدل النقاش السياسي والثقافي العمومي الحر والمسؤول. أليست بمقدمات صريحة للتحريض والعنف المادي، خاصة أنها صادرة عن فقيه له مسؤوليات جماعية وتنظيمية ودعوية في الحزب الذي يقود الحكومة؟