إن السياسة لا تقاس بما يقال في خطاباتها الرسمية، بل بما يترجم على أرض الواقع من أفعال ومواقف. فإذا كان الأصل أن المنظمات الدولية تقام لحفظ السلم وضبط الأمن، فإن استدعاءها لتغطية احتلال قائم إنما يحولها من أداة استقرار إلى أداة مروق. وهذا ما تكشفه الزيارة المرتقبة للجنة برلمانية تابعة للحلف الأطلسي إلى مدينة مليلية المحتلة: فهي في ظاهرها مبادرة بروتوكولية، وفي حقيقتها محاولة لإلباس وضع استعماري قديم ثوب الشرعية الجماعية. فالمغرب، منذ أكثر من خمسة عشر عاما، اختار أن يجمد المطالبة المباشرة بملف سبتة ومليلية، مفضلا الحوار وبناء الشراكات الكبرى مع أوروبا. غير أن السماح لوفد أطلسي بزيارة مليلية يعيد فتح الملف من جديد في ظرف إقليمي حساس، يتزامن مع استعداد الملك الإسباني لزيارة المدينتين، وتكثيف المناورات العسكرية في محيطهما، وتصاعد الخطاب القومي العسكري في الداخل الإسباني. وهكذا يتبدى أن القضية لم تعد مجرد نزاع ثنائي، بل صارت تساق نحو تدويل عسكري يهدد ميزان القوى في المتوسط. ومن هنا، فإننا لا نقف عند سرد وقائع الزيارة، بل نسعى إلى تحليلها في ضوء مفهوم المروق السياسي: كيف تنتقل الدولة من خطاب الصداقة إلى فعل الاستفزاز، وكيف تحول المؤسسات الدولية من منابر للتعاون إلى أدوات لتكريس الاحتلال، وكيف ينتج الخطاب العسكري الإعلامي ثقافة تشرعن الظلم وتستبقيه. ثم يطرح السؤال الأكبر: ما مصير هذا المروق إذا استمر؟ وهل يمكن أن ينتج استقرارا، أم أنه لا يفضي إلا إلى مزيد من الانكشاف وانهيار الشرعية؟ أولا، الزيارة الأطلسية إلى مليلية: بين البروتوكول والشرعية المزعومة إن الزيارة التي أعلن عنها وفد من الجمعية البرلمانية للحلف الأطلسي إلى مدينة مليلية المحتلة ليست مجرد حركة بروتوكولية عابرة، وإنما فعل سياسي له دلالة في ميزان العلاقات الدولية. فالأصل أن مليلية أرض متنازع حولها بين المغرب وإسبانيا، بحكم التاريخ والجغرافيا والشرعية القانونية، فإذا دخلها وفد برلماني يمثل منظمة عسكرية دولية، فإن هذا لا يقرأ إلا باعتباره محاولة لإضفاء شرعية جديدة على احتلال قديم. وهكذا تتحدد القضية: هل تعتبر هذه الزيارة عملا تشاوريا عاديا، أم أنها خطوة نحو إدخال مليلية ضمن المظلة الأطلسية بصفة غير معلنة؟ ولكي نفهم طبيعة هذا الفعل، ينبغي أن نحلل دوافعه. فالصحف الإسبانية نفسها كشفت أن وراء الزيارة نوابا من الحزب الشعبي المحافظ وحزب فوكس القومي المتطرف، كثير منهم ضباط متقاعدون أو ذوو خلفيات عسكرية، يرون في المغرب عدوا استراتيجيا. هؤلاء سعوا إلى استدعاء البرلمان الأطلسي، وهو هيئة استشارية، لإظهار أن مسألة مليلية ليست شأنا إسبانيا داخليا، بل قضية أوروبية أطلسية. فإذا كان البرلمان الأطلسي لا يملك سلطة تنفيذية، فإنه يملك سلطة رمزية قوية، إذ يوجه النقاش داخل الحلف نحو اعتبار المدينةالمحتلة جزءا من الأمن الجماعي. وهذا التحول من المحلي إلى الدولي إنما هو برهان على نزعة مروق سياسي: لأن ما يفترض أن يحل بالحوار الثنائي يستدعى له غطاء عسكري متعدد الأطراف. ويزداد وضوح المروق إذا قارنا بين الخطاب الرسمي الإسباني وبين الفعل الذي يجري على الأرض. فالحكومة الاشتراكية في مدريد تعلن باستمرار أن علاقتها بالمغرب متميزة واستراتيجية، ومع ذلك لم تمنع هذه الزيارة، بل سمحت بها في ظرف حساس يتزامن مع الحديث عن زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، ومع تكثيف مناورات عسكرية في المدينتين. هذا التناقض بين خطاب الصداقة وواقع العسكرة يبرهن على أن إسبانيا تتحرك بمنطقين متوازيين: منطق دبلوماسي معلن يحرص على التوازن، ومنطق عسكري مضمر يسعى إلى تكريس السيادة بالقوة. والازدواجية في ذاتها صورة من صور المروق، لأنها تنقض الوفاء بالعهود وتقيم السياسة على التناقض لا على الثبات. ومن هنا نستطيع أن نقرر قاعدة عامة: إن كل محاولة لإدخال أراض محتلة في المظلة الأمنية لمنظمة عسكرية دولية هي مروق مضاعف، لأنها تضيف إلى فعل الاحتلال فعل التدويل غير المشروع. فالاحتلال في ذاته نقض لغاية الدولة السوية، أما تدويله فهو نقض لغاية القانون الدولي. وبالبرهان يظهر أن زيارة وفد برلماني أطلسي إلى مليلية ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل فعل سياسي استراتيجي يراد به تكريس وضع غير شرعي، وإلباسه ثوب الشرعية الجماعية. وهذا الفعل، مهما كان مموها بلغة الحوار الأمني، يظل شاهدا على أن المروق إذا ترك بلا ردع، توسع من الداخل إلى الخارج، ومن الوطني إلى الدولي. ثانيا، تحول النزاع من ثنائي إلى أطلسي: أثر الزيارة في ميزان القوى الإقليمي إن النظر في أثر هذه الزيارة على ميزان القوى الإقليمي يبين أن المسألة لا تختزل في كونها مبادرة برلمانية، بل هي خطوة استراتيجية تعيد ترتيب العلاقات في حوض المتوسط. فالمغرب لم يعد جارا ثانويا لإسبانيا، بل أصبح فاعلا محوريا في مجالات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي. فإذا أُدرجت مليلية المحتلة في أجندة الحلف الأطلسي، فذلك يعني عمليا اعتبارها جزءا من منظومة الدفاع الجماعي، في حين أنها موضع نزاع تاريخي لم يحسم بالحوار. وهذا الانزياح من الطابع الثنائي إلى الطابع الأطلسي لا ينتج إلا خللا في التوازن، لأنه يمنح إسبانيا ما لا يملك الحلف أن يمنحه: شرعية على احتلال. وقد كشفت الصحف الإسبانية أن الحكومة الاشتراكية وافقت على الزيارة على مضض، وهي تدرك حساسية الظرف، خصوصا مع اقتراب زيارة الملك فيليبي السادس لسبتة ومليلية. وهذا التردد في القرار يبرهن على أن مدريد واعية بخطورة الخطوة، لكنها عاجزة عن مواجهة ضغط التيارات القومية والعسكرية التي تدفع في اتجاه عسكرة الملف. وهنا يظهر القياس: فالدولة التي تعلن في خطابها أنها حريصة على العلاقة المتميزة مع المغرب، ثم تسمح بخطوات تستفزه، إنما تكشف تناقضا جوهريا بين الغاية المعلنة والوسيلة المتبعة، وهذا التناقض عينه صورة من صور المروق السياسي. أما المغرب، فقد اختار منذ خمسة عشر عاما أن يجمد مطالبه المباشرة بسبتة ومليلية، مفضلا التركيز على ملف الصحراء والشراكات الاقتصادية الكبرى. غير أن استدعاء الحلف الأطلسي إلى مليلية يعيد فتح الملف على نحو قد يفرض على الرباط مراجعة حساباتها. فإذا كان المروق يتجلى في سعي إسبانيا إلى تكريس واقع الاحتلال عبر المؤسسات الدولية، فإن الاستمرار في هذا النهج قد يجبر المغرب على رفع ورقة المطالبة مجددا، وإعادة الملف إلى الساحة الأممية. وبذلك يتحول فعل إسبانيا من خطوة تكتيكية إلى سبب لتصعيد استراتيجي يطال المنطقة كلها. ومن هذا كله نستخلص قاعدة عامة: إن إدخال المنظمات العسكرية الدولية في نزاعات سيادة غير محسومة لا يحقق استقرارا، بل يولد توترا دائما. فالحوار الثنائي هو السبيل الطبيعي لمعالجة الملفات التاريخية، أما التدويل العسكري فلا يثمر إلا مزيدا من العداوات. وبهذا يتضح أن زيارة وفد أطلسي إلى مليلية، بدلا من أن تعزز الثقة بين المغرب وإسبانيا، لا تفعل إلا أن تضعفها، وتحول العلاقة من شراكة محتملة إلى صراع مؤجل. وهكذا يغدو المروق الإسباني في مليلية لا خطرا محليا فقط، بل علة تهدد التوازن الإقليمي في مجمله. ثالثا، الخطاب العسكري الإعلامي الإسباني: شرعنة الاحتلال ومضاعفة المروق إن المروق لا يظهر في الأفعال السياسية والعسكرية وحدها، بل يتجسد أيضا في الخطاب الذي يسوغ هذه الأفعال ويمنحها غطاء أيديولوجيا. ففي السنوات الأخيرة، كثر في إسبانيا صدور كتب ومذكرات كتبها قادة عسكريون سابقون، يؤكدون فيها أن المغرب خصم استراتيجي، ويدعون إلى تعزيز الوجود العسكري في سبتة ومليلية. وهذا الخطاب، حين يتلاقى مع حملات إعلامية من طرف أحزاب قومية ويمينية، يتحول إلى ثقافة سياسية تغذي الرأي العام. فإذا استقرئ هذا المسار، ظهر أنه ليس مجرد نقاش داخلي، بل محاولة منهجية لإعادة تعريف الاحتلال على أنه ضرورة دفاعية ومسألة أمن قومي. وهنا يكمن المروق: قلب المفاهيم بحيث يصبح المعتدي في صورة المدافع، والضحية في صورة المهدد. وإذا قيس هذا الخطاب بالفعل العملي، وجد أن التلازم بينهما كامل. فحين يقال إن المغرب قد يهاجم، فإن هذه العبارة لا تصف واقعا قائما، بل تستعمل ذريعة لتبرير عسكرة المدينتين. وحين يروج لفكرة أن مليلية "أرض أوروبية" فإن ذلك لا يغير من حقيقتها التاريخية، لكنه يهيئ الرأي العام لاعتبار أي وجود عسكري فيها مشروعا. هذا التلاعب بالتصورات ينتج ما يمكن تسميته بالمروق المزدوج: فالفعل في ذاته غير مشروع، والخطاب الذي يشرعنه مضاعفة لهذا اللاشرعي. وهكذا يتحول الاحتلال من خرق للقانون إلى منظومة فكرية كاملة، تحاول أن تقنع الداخل والخارج بأنه ضرورة لا مفر منها. ويقابل هذا الخطاب خطاب آخر من الجانب المغربي، يتسم بقدر كبير من التعقل والتمسك بخيار الحوار. فقد عبر الأمير هشام العلوي مثلا عن أن سبتة ومليلية حقوق غير قابلة للتصرف للمغرب، لكن حل هذه المشكلة لا يكون بالحرب بل بالحوار مع إسبانيا والتشاور مع سكان المدينتين. وهذا الموقف يبرز الفرق الجوهري بين من يجعل العدل غايته، فيرى في الزمن أداة للحل السلمي، وبين من يجعل الغلبة غايته، فيرى في العسكرة ضمانة للسيادة. وإذا وضع الخطابان في ميزان البرهان، بان أن الأول يعكس منطق الدولة السوية، أما الثاني فيجسد منطق الدولة المارقة. ومن هنا نستخلص مسلمة عامة: إن الخطاب إذا انفصل عن الحقيقة، وصار غطاء للعدوان، فإنه يتحول إلى جزء من المروق لا يقل خطورة عن الفعل العسكري نفسه. فالدولة التي تشرعن الاحتلال بخطاب سياسي إعلامي هي دولة تضاعف خروجها عن غايتها الطبيعية، لأنها لا تكتفي بالظلم في الواقع، بل تسعى إلى جعله عقيدة راسخة. على هذا النحو، يتضح أن زيارة الوفد الأطلسي إلى مليلية ليست مجرد حركة سياسية، بل ثمرة لهذا الخطاب المارق الذي يحول الاحتلال إلى مسألة أمنية، ويجعل من السلم استثناء، ومن العسكرة قاعدة دائمة. رابعا، المصير الاستراتيجي للمروق: من عسكرة الثغور إلى انكشاف الشرعية إن النظر في مستقبل هذا المروق يبين أن الدولة التي تبني سلطانها على احتلال غير مشروع لا تستطيع أن تؤسس استقرارا دائما، بل تظل أسيرة توتر مستمر يستهلك مواردها ويضعف شرعيتها. فإسبانيا، حين تحاول أن تدخل مليلية ضمن المظلة الأطلسية عبر زيارات برلمانية وتغطيات إعلامية، إنما تعيد إنتاج نموذج استعماري تجاوزه التاريخ. فإذا كان الأصل أن الحلف الأطلسي منظمة دفاعية تحمي أراضي الدول الأعضاء المشروعة، فإن إقحامه في قضية استعمارية يفتح الباب أمام نزاع لا ينتهي، ويجعل الحلف نفسه شريكا في مروق سياسي يتعارض مع مقاصده المعلنة. والأخطر أن هذا المسار لا يقتصر أثره على العلاقة الثنائية بين المغرب وإسبانيا، بل يهدد التوازن المتوسطي بأسره. فإذا اكتسبت إسبانيا دعما أطلسيا ولو صوريا لموقفها، فإن المغرب قد يضطر إلى تدويل الملف على نحو أوسع، مستدعيا هيئات أممية وقارية لطرح القضية من جديد. وهذا التدويل المضاد يضاعف من دائرة التوتر، فيحول نزاعا محدودا إلى مواجهة متعددة الأطراف. وهنا يظهر القياس: فالفعل الذي يراد به تثبيت السيادة ينتج في الحقيقة عكس مقصوده، لأنه يستفز الجار ويفتح الباب أمام مسارات تصعيدية تضعف الجميع. ثم إن أوروبا، التي تبني صورتها على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، تعرض مصداقيتها للانهيار إذا غطت وضعا استعماريا واضحا. فالمروق الإسباني إذا لقي غطاء أطلسيا، صار مروقا أوروبيا جماعيا، يظهر أن الشعارات عن العدالة والشرعية ليست إلا قناعا يسقطه أول اختبار. وهذا التناقض يضعف قدرة أوروبا على التأثير في محيطها الجنوبي، ويجعلها في أعين الشعوب مجرد قوة مصلحية لا مرجعية قيمية لها. وهكذا يتحول المروق من أزمة محلية إلى أزمة حضارية، لأنه ينسف الفارق بين الخطاب والواقع، ويعري ازدواجية المعايير. ومن هذا كله نستنبط أن الاحتلال إذا ألبس ثوب الشرعية الدولية، فإنه لا يكتسب قوة بل يسرع مساره نحو الانكشاف والانهيار. فالمروق مهما طال أمده، لا يدوم لأنه يخالف الغاية الطبيعية للدولة وللقانون الدولي. والعدل وحده هو ما يؤسس دوام العمران. فإذا أصرت إسبانيا على إدخال مليلية في المظلة الأطلسية، فإنها تضيف إلى احتلالها القديم مروقا جديدا، وتجعل سقوط هذا البناء مسألة زمن لا أكثر. وعليه، يظهر أن الدولة التي تقيم وجودها على الغلبة لا تفعل إلا أن تكتب بيدها شهادة فنائها، مهما بدت قوتها في الحاضر. وبالتأسيس على ما سبق أن بسطناه، يظهر أن زيارة وفد برلماني أطلسي إلى مليلية ليست فعلا بروتوكوليا، بل صورة مركبة من صور المروق السياسي: فهي محاولة لإلباس الاحتلال ثوب الشرعية الجماعية، وتكريس واقع استعماري قديم بوسائل مؤسساتية جديدة. وقد بان بالبرهان أن هذه الخطوة تضاعف التناقض في السياسة الإسبانية بين خطاب الصداقة مع المغرب وواقع العسكرة الميداني، كما تهدد التوازن المتوسطي وتضعف مصداقية أوروبا في أعين جيرانها. ولئن كان المغرب قد اختار الصبر الاستراتيجي والتعويل على الحوار، فإن استدعاء الحلف الأطلسي إلى الثغر المحتل يفرض عليه إعادة النظر في هذا النهج، لأن المروق إذا ترك بلا ردع توسع من المحلي إلى الدولي. وهكذا تصبح الأزمة التي كان يمكن أن تحل بالمسار الثنائي مرشحة لأن تطرح في محافل متعددة، فتتحول إلى نزاع أشمل يضر بجميع الأطراف. ومن هنا ننتهي إلى تقرير قاعدة عامة تصلح أن تكون مبدأ كليا: إن الدولة التي تقيم وجودها على الاحتلال وتسوغ ذلك بالخطاب العسكري والإعلامي، ثم تطلب له غطاء من المنظمات الدولية، لا تزداد إلا بعدا عن غايتها الطبيعية. فالمروق قد يمنحها مظهرا من القوة، لكنه يزرع في باطنها بذور الفناء. أما العدل، فهو وحده الذي يضمن بقاء العمران واستمرار الشرعية. وعلى ذلك، فإن الزيارة الأطلسية إلى مليلية ليست إلا نذيرا يذكر بأن الاستعمار لا يعالج بالمؤسسات ولا بالقوة، بل بالحوار والعدل. وكل محاولة للالتفاف على هذه الحقيقة إنما تعجل بالانهيار، لأن ما بني على البغي لا يثبت، وما أُسس على العدل هو وحده الذي يدوم. -كاتب وأكاديمي مغربي