هناك أشياء كثيرة يتكفّل بها القدر دون أن يترك لنا أدنى مساحة للاختيار؛ أشياء تحدث لأن عليها أن تحدث، كأن تصادف شخصًا في طريقك أو تقف خلف آخر في متجر المواد الغذائية وأنت تنتظر دورك. أشخاص نلتقيهم مصادفة، يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا، لا يتركون أثرًا ولا يبقى لهم في الذاكرة ظلّ. لكن هناك أيضًا من يترك في النفس أثرًا لا يُمحى، ويظلُّ عالقًا في الذاكرة مهما مرّ الزمن. لم أكن أتخيل يومًا أنّ ذلك الشاب الأنيق، الواثق بنفسه حدّ المبالغة، والذي -ومن سوء حظي- وجدتُه قد حجز المقعد الملاصق لمقعدي في الطائرة، سيظل حاضرًا في ذاكرتي كل هذا العمر. وحتى الآن، رغم مرور ما يقارب عقدين من الزمن، لا أدري حقيقة ما إذا كنت قد أشفقتُ عليه... أم خشيتُ منه. مشاعري نحوه كانت وما تزال ضبابية، كأنها لا تطيق أن تستقر على معنى واحد. وضعتُ حقيبتي الصغيرة في الخزانة العلوية وهممتُ بالجلوس. ابتسمتُ له ابتسامة خفيفة على سبيل المجاملة، لكنه لم يكن حاضرًا معي؛ كان غارقًا في تمتمة غاضبة: "ألم يكن من اللائق أن يخصصوا مقاعد للدرجة الأولى؟" "كيف سأقضي ثلاث ساعات في هذه الدرجة الاقتصادية المقرفة؟" ثلاث ساعات فقط... هي الزمن الذي تستغرقه الطائرة بين طنجة وأمستردام، وقد كُتب عليّ أن أجاور هذا الشاب المزعج. حاولت كالعادة أن أغوص في كتابي، خصوصًا بعد أن هدأ وتوقّف عن التذمّر. لاحظتُ حينها أنه أنيق بشكل مبالغ فيه، يرتدي ملابس فاخرة وتفوح منه رائحة عطر فرنسي قوي. لم تمض دقائق حتى سمعت ما يشبه الشهقة الخافتة تأتي من جانبي. التفتُّ نحوه، فوجدته شاحبًا، جاحظ العينين، كأن صدمة ما شلّت جسده. قال بصوت مرتجف: "أظن... أظن أنّ هذه المشاهد مرت بي من قبل... لقد عشت هذه الرحلة... الأشخاص أنفسهم... الأحداث نفسها..." ثم انكسرت النظرة في عينيه وتحوّلت إلى بكاء صامت، وسمعته يتمتم: "الأسوأ قادم... لا محالة." لم أفهم شيئًا! كيف يمكن لإنسان أن يعيش رحلة قبل أن يعيشها؟ ماذا يعني بالضبط؟ وكيف يتحدث بثقة عن مستقبل لم يحدث بعد؟ كيف يمكنني أنا أن أستوعب ما لا يُستوعب؟ لا أدري إن كان يحدثني أم يحدث نفسه حين قال بصوت ترتجف فيه ذكرى قديمة: "كنت في سن صغيرة عندما سقطت من شرفة المنزل على أرض الحديقة. وبينما كنت في سيارة الإسعاف، عرفت أنني عشت اللحظة نفسها من قبل... كل شيء بعدها كان نسخة مطابقة لما رأيته في زمن مضى... الطبيبة نفسها... الغرفة نفسها... كأن نسخة سابقة منّي مرّت من هنا وخلّفت لي أثرًا لا أفهمه." سكت قليلًا، ثم تابع بنبرة تزداد ارتجافًا: "وفي سنوات الجامعة... كنا ننتظر نتائج الامتحان الأخير. فجأة أحسست أن الزمن يكرر نفسه. رأيت بعينيّ – قبل أن يحدث – أن أستاذ البيولوجيا سيخرج من الإدارة بعد قليل ليعتذر عن تأجيل النتائج إلى الغد... وحدث ما رأيته تمامًا." ثم رفع عينيه إليّ كمن يرجو تصديقًا أو خلاصًا، وقال: "اليوم... أشعر بالشيء نفسه. هذه اللحظة... هذه الرحلة... عشتها في حياة سابقة. لا أتذكر التفاصيل كاملة، لكنها مرتبطة بالنار... بالحريق... بالانفجار. ربما هي رسالة... ربما العقل يعرف أكثر مما يسمح به الوعي." كان صوته ينكسر مع كل كلمة، ثم قال وهو ينظر أمامه كأن النهاية مكتوبة على الجدار: "قمة العجز أن تعرف مصيرك... ولا تستطيع أن تفعل شيئًا. لا يمكنك أن تطلب من ربان الطائرة أن يتوقف في منتصف السماء لتنجو وحدك... وتترك الآخرين لمصيرهم. فقط عليك أن تنتظر." وصمت. وصمتي كان أثقل منه... لأن جزءًا مني بدأ يصدق... أو يخاف... أو يتهيأ لشيء لا أعرفه. كنتُ أنظر إليه وأنا أشعر أن الهواء داخل الطائرة صار أثقل، كأن الكلمات التي خرجت من فمه بدأت تُغيّر شيئًا في الجو من حولنا. لم أكن أؤمن بمثل هذه الحكايات، لكنني شعرت بشيء يشبه السحر يسري في أطرافي: هل هي عدوى الخوف؟ أم أن طريقته في الكلام كانت تحمل صدقًا جعلني أرتجف؟ رفع رأسه ببطء، التفت إليّ كما لو أنه يخرج من نوبة هلع قصيرة، ثم همس بصوت لا يكاد يُسمع: "سوف يحدث شيء مرعب...." وقبل أن أسأله عمّ يقصد تحديدًا، اهتزت الطائرة هزة خفيفة، تلك الهزّة التي لا يتوقف عليها أحد عادة، لكنها هذه المرة بدت كأنها جزء من الحكاية التي ينبئني بها. ابتسمت ابتسامة مرتبكة، فقط لأطمئنه... أو لأطمئن نفسي. نظرت حولي كمن يبحث عن دليل على أن الحياة ما تزال طبيعية. في الجهة اليمنى رأيت رجلًا يتفرج على فيلم في شاشته الصغيرة، والمرأة التي تجلس بجانبه تداعب طفلتها بحنان... كانوا هادئين جدًا، مطمئنين، كأنهم في بيتهم لا في طائرة تشق السماء. للحظة... تمنيت لو كنت مثلهم. أكبر نعمة أنعمها الله على الإنسان أنه لا يعلم الغيب. تخيلت للحظة لو كان الغيب مكشوفًا... يا له من رعب دائم! حياة كلها قلق من القادم الذي لا يمكن الفرار منه. الفرق بيني وبين تلك الأسرة وبين هذا الرجل الذي يجلس بجانبي أنني – بشكل ما – بدأت أتوهم أنني أعرف ما سيأتي! تبا... هل صرت مقتنعًا بكلام هذا الأبله؟ حاولت استرجاع هدوئي، كأنني أمسح من ذهني كل كلمة سمعتها، لكن صوته عاد يخترق أفكاري: "لم أكن أعتقد أن نهايتي ستكون على هذا النحو..." ثم انفجر في بكاء صامت، بكاء لم يكن فيه ضعفه فقط، بل كان فيه عتاب ثقيل، كأنه المتهم والقاضي والجلاد في آن واحد. قال بصوت متهدّج: "أي ذنوب كالجبال سترافقني؟ ألم يكن الأجدر بي أن أتوقف عن الفساد؟ منصبي الحساس... يجعل كل شيء متاحًا. كنت أعبث بالبيانات، أمنح رخص البناء لمن يدفع... وليس لمن يحترم قواعد السلامة. ولأنني كنت أخشى على سمعتي الباهرة... كنت أتلقى الرشاوي خارج البلاد، بعيدًا عن الأعين. ولأني لا أعرف الشبع... رتبت لقاء هذه الليلة مع سكرتيرة إحدى الشركات المستفيدة... تنتظرني في المطار. المباني التي قد تسقط فوق رؤوس الناس... بسبب توقيعي، بسبب تلاعب بسيط في ورقة... بالطريقة نفسها ستسقط الطائرة الآن. رحمتك يا رب..." كان يهمس بها كما لو أنه في اعتراف أخير، كأننا لسنا في طائرة، بل في غرفة مظلمة يواجه فيها نفسه ليفرّغ حمل سنوات من الخطيئة يبحث عن خلاص متأخر. وجدتني، بلا وعي، أتبعه في طريق الاعتراف نفسه. عاتبت نفسي بصمت: لماذا أخلفت موعدي مع زوجتي حين انشغلت عنها ولم أصحبها إلى نزهة نهاية الأسبوع؟ لماذا لم أشترِ لابنتي الصغيرة تلك الدمية التي توسلتني لأجلها؟ قلت لها: بعد السفر... وفي السفر لا يوجد "بعد" مضمون. من يضمن الزمن؟ من يضمن خطوة واحدة إلى الأمام؟ ربما هذا النوع من العتاب هو آخر ما يسبق الرحيل... ربما هو الطريقة التي يعلن بها القلب استسلامه الأخير. وبينما كنت غارقًا في هذا الطوفان من الأفكار، شعرت أن الطائرة بدأت تنحدر قليلًا... انحدارًا خفيفًا، لكنّه كافٍ ليوقظ الخوف مرة أخرى، ويعيد إليّ صوته المكسور: "إنها اللحظة..." كانت الطائرة تميل قليلًا ناحية اليسار، ثم تستقيم، ثم تميل مرة أخرى، لكن سرعان ما عاد صوت المحرّكات إلى وتيرته الطبيعية، كأن شيئًا لم يكن. تبادلتُ النظرات مع بعض الركّاب، فلم أرَ على وجوههم سوى اللامبالاة... وحده داخلي كان مضطربًا، مشحونًا بما سمعته من ذلك الرجل الجالس إلى جواري. مرت بضع دقائق... ثم أُعلنت المرحلة الأخيرة من الهبوط، وتهيّأت الطائرة لمصافحة الأرض. لا انفجار... لا دخان... لا نار... هبطت الطائرة بسلام تام، كأن كل الرعب الذي عاشه الرجل لم يكن سوى ظلالًا في عقله. التفتُّ إليه... كان قد استعاد ملامحه الأولى، تلك التي رأيتها حين صعدت الطائرة: الواثق، المغرور، المتعجرف. لكن هذه المرة كان هناك شيء آخر في عينيه... شيء يشبه العار. صار يشيح بوجهه كلما التقت عيناه بعينيّ، كأنني صرت مرآة يرى فيها كل قذاراته، أو ربما كان يخشى أن أذكّره بما قاله. بل ربما لم يحتمل أنه كشف نفسه أمام شخص عابر لم يكن ينوي يومًا أن يعرفه. كان ينظر إليّ باشمئزاز... كأن الخطايا التي روى بعضها قبل دقائق لم تكن تخصّه، بل تخص شخصًا آخر: الشخص الضعيف الذي ظهر داخل الطائرة، الشخص الذي حاول التخلص منه فور أن وطئت قدماه الأرض. في بهو المطار، رأيت فتاة أنيقة جدًا تقف قرب أحد الأعمدة الزجاجية، وكانت تلوّح له بابتسامة عريضة. لا أعرف كيف أدركت فورًا أنها السكرتيرة التي تحدّث عنها... ربما طريقة لباسها، أو طريقتها في النظر إليه، أو ربما لأن المشهد جاء مطابقًا تمامًا لكلماته الأخيرة في الطائرة. اقترب منها وهو يرسم على وجهه ابتسامة واسعة، لم تكن تشبه ذلك الوجه المرتجف الذي رأيته قبل قليل. عانقته برشاقة يعرفها العشّاق فقط. ثم توجها معًا نحو سيارة حمراء تنتظرهما عند الرصيف الخارجي. ركبا السيارة، أغلقت هي الباب بخفة، ثم انطلقت السيارة تعبر بوابة المطار الحديدية. من خلف الزجاج اللامع، رأيتهما يضحكان... ضحكة خالية من الذنب، من الخوف، من الندم. ضحكة كأن شيئًا لم يحدث، وكأنه لم يعترف قبل ساعات بأنه كان يمهّد لبناء قد يسقط فوق رؤوس الأبرياء... أو لليلة خيانة جديدة. وقفتُ أراقبهما يختفيان وسط الطريق، ثم اتجهت صوب محطة الحافلات. كان الأوتوبيس يتأخر كعادته، وحين جاء وصعدت، جلست قرب النافذة أتابع وجوه الناس الهادئة... انطلقت الحافلة، وكان كل شيء يسير بشكل عادي، حتى صادفنا ازدحامًا مفاجئًا في إحدى الطرق. توقفت الحافلة، وبدأ الركاب يمدون أعناقهم من النوافذ. لم نحتج لوقت طويل حتى نعرف السبب. رأينا انفجارًا هائلًا عند محطة البنزين المقابلة. كتلة نار ارتفعت، دخان كثيف، لهب يبتلع كل شيء، سيارات تتراجع مذعورة، وصراخ متقطّع يصلنا رغم المسافة. توقفت الحافلة تمامًا، وصعد أحد رجال الشرطة ليخبر السائق: "سيارة حمراء فقدت السيطرة... اصطدمت مباشرة بالخزانات الفرعية للمحطة. وقع انفجار كبير والحرائق ما زالت مستمرة..." "سيارة فقدت السيطرة واصطدمت بخزانات الوقود... الانفجارات ما زالت مستمرة. كانت سيارة حمراء!" الكلمة وحدها كانت كافية لتجمد الدم في عروقي. لم أرَ اللوحة، ولم أرَ الأشخاص، ولم أسمع أسماء... لكنني رأيت في ذهني – بوضوح غريب – ضحكتهما وهما يغادران المطار. ضحكة قصيرة العمر. ضحكة لم تعرف أنها كانت آخر ما يملكانه. شعرت حينها أن شيئًا ما كان أصدق من كل شيء... أن "الرجل" لم يكن مجنونًا تمامًا... وأن الغيب – حتى لو لم نره – يقترب دائمًا بطرق لا نفهمها. قد نصل بسلام إلى السماء... لكن القدر أحيانًا ينتظر صاحبه على الأرض. هولندا، ديسمبر 2025