في خطوة بدت أقرب إلى عملية جراحية دقيقة في الجسد السياسي الأميركي، أعلنت شركة تيك توك عن تأسيس كيان مشترك تكون الغالبية فيه لمستثمرين أميركيين، لتدير عبره أعمالها داخل الولاياتالمتحدة. هذا الإعلان ليس تفصيلاً إدارياً ولا تعديلاً تقنياً، بل هو استجابة مباشرة لقانون فُرض تحت ضغط أمني-سيادي، يفصح عن عمق القلق الأميركي من التكنولوجيا ذات المنشأ الصيني. القرار جاء بعد شهور من التهديدات بالحظر، وصراع خفي بين مراكز النفوذ في واشنطن، بعضها ينظر إلى تيك توك بوصفه أداة ناعمة للهيمنة الصينية، والبعض الآخر يراها فرصة اقتصادية لا يمكن التفريط بها. التحوّل القانوني، الذي أُقر في عهد الرئيس جو بايدن، فرض على شركة بايت دانس الصينية أن تتنازل عن سيطرتها على عمليات تيك توك داخل أكبر سوق لها عالميًا. بحسب الاتفاق، ستحتفظ بايت دانس بحصة لا تتجاوز 19.9%، ما يعني خروجها من دائرة التحكم المباشر، وفقاً للحدود التي رسمها القانون الأميركي. أما السيطرة الفعلية فذهبت إلى تحالف من المستثمرين الأميركيين، من بينهم شركة أوراكل، التي ستتولى استضافة بيانات المستخدمين عبر خوادمها السحابية، مع تعهّدات بمراقبة أمنية مستقلة وضمانات في ما يخص المحتوى. دلالات الخطوة تتجاوز حدود الأعمال. أولاً، يكرّس الإعلان نوعاً جديداً من إدارة التطبيقات العابرة للحدود، حيث لا يعود كافياً أن تمتثل الشركات للقوانين المحلية، بل يُطلب منها أيضاً "نزع الجنسية الرقمية" عن خدماتها. ما حدث مع تيك توك قد يتحول إلى سابقة تنظّم علاقة الدول الكبرى مع شركات التقنية العالمية، وتحديدًا تلك التي تنتمي إلى بيئات سياسية تعتبرها واشنطن خصماً استراتيجياً، كما هو الحال مع بكين. ثانياً، يكشف الاتفاق عن توازن دقيق بين السيادة الرقمية والواقعية الاقتصادية. فحظر تيك توك كان سيثير جدلاً واسعاً في الداخل الأميركي، حيث يتمتع التطبيق بشعبية هائلة لدى أكثر من 200 مليون مستخدم. كما أن أي خطوة متطرفة كانت ستقوّض سردية "الانفتاح" التي تروّج لها الولاياتالمتحدة في وجه الصين. من الناحية السياسية، لاقى الاتفاق ترحيباً مفاجئاً من الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي نسب الفضل لنفسه، رغم أن القانون أُقر في عهد خلفه. لكن اللافت في موقف ترامب هو شكره الصريح للرئيس الصيني شي جينبينغ، في ما يشبه رسالة مزدوجة إلى قاعدة انتخابية داخلية من جهة، وللدوائر الصينية المتنفذة من جهة أخرى. يمكن اعتبار ذلك جزءاً من حملة توازنات انتخابية مبكرة، أو محاولة لإعادة التموضع في ملف لطالما استخدمه لمهاجمة خصومه. اقتصاديًا، تبرز أيضاً مشاركة صندوق إماراتي في الترتيب الجديد (MGX)، ما يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لدور رؤوس الأموال الخليجية في ترسيم حدود النفوذ داخل الساحة التكنولوجية الأميركية، من خلال استثمارات مؤثرة في قطاعات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. في المحصلة، استطاعت تيك توك أن تتفادى "إعداماً رقمياً" كان سيشكل سابقة مقلقة في العلاقة بين الدول والتطبيقات العابرة للحدود. لكن الثمن المدفوع مقابل البقاء داخل السوق الأميركية لم يكن ضئيلاً. لقد تخلّت الشركة، ولو شكليًا، عن سيادتها على بيانات مستخدميها الأميركيين، وفتحت الباب أمام رقابة لا سابقة لها، وضعت نهاية لفكرة أن "البيانات تتبع الشركة لا الدولة". المفارقة أن هذه الخطوة، وإن أنقذت تيك توك من الحظر، قد تفتح الباب أمام تشريعات مماثلة تطال شركات أخرى، في مقدمتها تلك التي تنحدر من بيئات تقنية غير غربية. لم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت التطبيقات تنقل البيانات إلى الخارج، بل: من يحق له امتلاك مفاتيح الأبواب الرقمية لمواطنيه؟