تنافس يمزّق الدبلوماسية الأفريقية بين الأرثوذكسية الاستراتيجية والصفقات الترامبية منذ تعيينه في الأول من أبريل 2025 مستشارًا خاصًا للرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا، فرض مسعد بولس نفسه كأحد أبرز – وأكثر الشخصيات إثارة للجدل – في السياسة الأمريكيةالجديدة تجاه القارة الإفريقية. جولته الأخيرة في شمال إفريقيا، التي اختتمها بزيارة إلى الجزائر متجنبًا بعناية المرور عبر الرباط، سلطت الضوء على توتر داخلي داخل الجهاز الدبلوماسي الترامبي، حيث تتقاطع رؤيتان دبلوماسيتان متنافستان يجسدهما من جهة بولس، ومن الجهة الأخرى ستيف ويتكوف المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط. هذه المنافسة تتجاوز الأشخاص لتجسد صراعًا بين النهج الجيوسياسي التقليدي المتمسك بالتحالفات التاريخية والدبلوماسية الصفقاتية الأكثر مرونة والمعتمدة على الشبكات الخاصة ومنطق "الصفقة". الصحراء المغربية: صراع إقليمي يتحول إلى اختبار للاتساق الإستراتيجي أصبح ملف الصحراء المغربية، الواقع في صميم المواجهة بين المغرب والجزائر، مقياسًا لتماسك – أو لتفكك – السياسة الأمريكية في المغرب العربي. ففي أكتوبر 2025، شكل القرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن نقلة في مقاربة الأممالمتحدة للصراع، إذ أشار صراحة إلى خطة الحكم الذاتي المغربية لعام 2007 كأساس "واقعي وذي مصداقية" لحل سياسي، مع تمديد ولاية بعثة الأممالمتحدة (مينورسو) حتى عام 2026. ويتكوف يتبنى بوضوح هذا الإطار، إذ يظهر بوصفه المحاور المفضل للرباط، التي ترى في القرار الجديد تعزيزًا لتقاطع الموقفين الأمريكي والأممي دعمًا لخيار الحكم الذاتي. استراتيجيته واضحة: تثبيت الجبهة الغربية للعالم العربي عبر تقوية محور المغرب–الولاياتالمتحدة–دول الخليج، انسجامًا مع الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء عام 2020. أما مسعد بولس، فيضفي بعدًا إضافيًا من التعقيد؛ إذ من خلال حواره الوثيق مع الرئاسة الجزائرية وجبهة البوليساريو، يوحي بوجود هامش تفاوضي قابل للتفعيل ضمن هذه البنية، ما يربك وضوح الرسالة الأمريكية. هذا التباين بين قناة داعمة للحكم الذاتي وأخرى أكثر مرونة يعكس ما يراه الفاعلون الإقليميون غموضًا إستراتيجيًا: إذ يعتبره المغرب إضعافًا للضمانة السياسية الأمريكية، بينما تراه الجزائر فرصة لإعادة التوازن في ميزان القوى لصالحها. أسلوبان مختلفان ورؤيتان متباينتان للقوة الأمريكية ستيف ويتكوف، رجل الأعمال الثري الذي تحول إلى مبعوث خاص للشرق الأوسط، برز ك"صانع حلول مؤقتة" في البيت الأبيض، وشارك في ملفات معقدة مثل غزة والحرب الروسية الأوكرانية. بحكم قربه القديم من الرئيس، يعتمد مقاربة مؤسساتية تركز على الدول وتعزيز هياكل الأمن القائمة: دعم الشركاء الموثوقين، اعتماد القنوات الرسمية، وربط ملفات الأمن والطاقة وإدارة الأزمات ضمن رؤية متماسكة. قدرته على التحرك بين موسكو وتل أبيب والخليج تخدم إستراتيجية كبرى هدفها الحفاظ على النفوذ الأمريكي في قلب التوازنات الأوراسية والشرق أوسطية. في المقابل، يجسد مسعد بولس، رجل الأعمال اللبناني الأمريكي ذو الجذور الإفريقية الغربية، مقاربة مختلفة تمامًا. مستفيدًا من علاقاته العائلية القريبة من ترامب، يرفع شعار التحول من "المعونة إلى التجارة"، ويركز في استراتيجيته الإفريقية على ثلاثية السلام، الازدهار، الشراكة. ترتكز منهجيته على دبلوماسية الشبكات، القائمة على المصالح الاقتصادية (الطاقة، البنية التحتية، العقود الكبرى) وعلى صيغ تفاوض مخصصة كما في ليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان. هذا الاختلاف في الأسلوب يعكس تباينًا أعمق في النظرة إلى القوة الأمريكية: فويتكوف يفكر بمنطق تراتبية المسارح الإستراتيجية واستمرارية التحالفات، بينما يرى بولس في إفريقيا ساحة مرونة قصوى، حيث يمكن للتكتيك الشخصي والارتجال أن يعوّضا غياب رؤية موحدة. ليبيا، السودان، منطقة البحيرات الكبرى: إفريقيا كمختبر ل"دبلوماسية الصفقات" في ليبيا، يحوّل مسعد بولس مسار إعادة التشكيل المؤسسي إلى ساحة اختبار، ساعيًا إلى حوارات معمقة مع الفاعلين في الشرق والغرب، موازية للمسارات الأممية، مشددًا على ضرورة ربط الاستقرار بالاستثمارات الطاقوية الكبرى. وقد شكل إعلان عقود ضخمة مع شركات نفطية غربية، خصوصًا فرنسية وأمريكية، دليلًا على دبلوماسية تجمع بين السعي للسلام وضمان النفوذ الاقتصادي في بلد محوري للمتوسط ومنطقة الساحل. وفي السودان ومنطقة البحيرات الكبرى، يتبنى بولس إستراتيجية انخراط متزامن مع العواصم الإقليمية (القاهرة، كيغالي، كينشاسا) ومع أطراف النزاعات، واعدًا بانخراط أمريكي أكبر في ملفات وقف إطلاق النار والترتيبات السياسية. رسميًا، يقدَّم هذا التوجه كاستجابة ل"حالة الطوارئ الإنسانية" وكبديل للنفوذ المتصاعد لقوى غير غربية، على رأسها روسيا والصين. غير أن غياب نتائج ملموسة، إلى جانب مبادرات تعتبر غير مدروسة – مثل سوء إدارة بعض مسارات الحوار السودانية – يغذي الانطباع بوجود دبلوماسية وهمية: وعود كثيرة، إشارات انفتاح مكثفة، لكن دون ترجمة ذلك إلى بنى سياسية مستقرة. دبلوماسية مجزأة في مواجهة المنافسة الروسية–الصينية في الخلفية، تدور المنافسة بين نهجي ويتكوف وبولس ضمن سياق تصاعد المنافسة مع موسكو وبكين في القارة الإفريقية. وتقدّم إدارة ترامب الثانية تعيين بولس كجزء من محور إفريقي يهدف إلى كبح هاتين القوتين من خلال الجمع بين الصفقات التجارية، والدعم الأمني الانتقائي، وتقوية العلاقات الثنائية مع الأنظمة الرئيسية. ومع ذلك، فإن غياب خط سياسي موحد في ملفات محورية – مثل الصحراء، والأمن في الساحل، وإعادة بناء ليبيا – يضعف وضوح الموقف الأمريكي. ففي حين تمضي روسيا والصين برسائل بسيطة (دعم أمني مباشر، استثمارات ضخمة، مبدأ عدم التدخل)، يرى الشركاء الأفارقة مشهدًا أمريكيًا متعدد الأصوات: ويتكوف، بولس، ثم القنوات التقليدية لوزارة الخارجية والبنتاغون. في هذا السياق، تبدو المنافسة بين ويتكوف وبولس أقل صراعًا شخصيًا وأكثر تعبيرًا عن دبلوماسية مفككة، حيث يفوض البيت الأبيض مبعوثين سياسيين لتقديم حلول مرتجلة للأزمات المعقدة، دون ربطها دائمًا برؤية شاملة لمكانة إفريقيا في النظام الدولي. إلى أي مسار تتجه سياسة ترامب الإفريقية الثانية؟ على المدى القصير، يتيح توازي النهجين للولايات المتحدة اختبار عدة خيارات: مقاربة كلاسيكية ترتكز إلى القانون الدولي والتحالفات التاريخية، وأخرى أكثر انتهازية تراهن على المشاريع الاقتصادية الضخمة والشبكات الخاصة. غير أن الأمد المتوسط يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ستتعامل واشنطن مع إفريقيا باعتبارها ركنًا أساسيًا في استراتيجيتها العالمية، أم كساحة تجريب دبلوماسي ثانوي؟ فإذا سادت رؤية ويتكوف، يُتوقع أن تتركز السياسة الأمريكية حول عدد محدود من "الشركاء المحوريين" (المغرب، مصر، وبعض دول الخليج المتدخلة في الشأن الإفريقي)، في إطار استراتيجيات احتواء الخصوم وتأمين مسارات الطاقة. أما إذا بقيت مقاربة بولس هي المهيمنة في الملفات القارية، فستظل إفريقيا مختبرًا لصناعة الصفقات، حيث تتحول كل أزمة إلى مسار تفاوضي مخصص يجمع بين وعود السلام والعقود الاقتصادية والترتيبات السياسية المؤقتة. بين هذين الأفقين تتحدد مصداقية "السلام على الطريقة الترامبية": سلام يقوم على الصفقات، أم سلام مؤسس على رؤية إستراتيجية طويلة المدى. وحتى الآن، يترك التنافس الخفي بين ستيف ويتكوف ومسعد بولس انطباعًا مربكًا: قوة أمريكية مترددة بين الرؤية والارتجال في تعاملها مع القارة الإفريقية.