بينما كانت الدبابات الإسرائيلية تقصف أحياء في غزة وخان يونس، وتُسقط الغارات الجوية قتلى جددًا، عاد شبح الحرب ليخيّم على هدنة وُصفت منذ البداية بالهشة. فخلال أيام قليلة، قُتل ما لا يقل عن 21 فلسطينيًا، بينهم نساء وأطفال، في ضربات اعتبرتها السلطات الصحية في غزة استمرارًا لسلسلة خروقات منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر، فيما تقول إسرائيل إن عملياتها جاءت ردًا على إطلاق نار استهدف جنودها. المشهد الميداني لم يقتصر على أرقام الضحايا. ففي خان يونس، قُتل مسعف أثناء محاولته إسعاف الجرحى بعد ضربة أولى، قبل أن تطاله غارة ثانية في الموقع نفسه، بينما تمزقت خيام نازحين في منطقة المواصي، التي يُفترض أنها ملاذ آمن للمدنيين. وعلى وقع القصف، توقفت أيضًا عمليات إجلاء المرضى عبر معبر رفح بعد يومين فقط من إعادة فتحه جزئيًا، ما أعاد آلاف المرضى إلى دائرة الانتظار واليأس.
هذا التوقف المفاجئ كشف مرة أخرى هشاشة التفاهمات المرتبطة بالهدنة. فبينما أكدت إسرائيل أن المعبر لا يزال "مفتوحًا" بانتظار تنسيق مع منظمة الصحة العالمية، قال مرضى ومسعفون إنهم أُبلغوا بإلغاء السفر، في وقت تتبادل فيه الأطراف الاتهامات حول المسؤولية. وهكذا، تحوّل معبر رفح، الذي مثّل بارقة أمل نادرة لسكان غزة، إلى رمز جديد للقيود وعدم اليقين. لكن خلف الضربات والمعابر، تتكشف مأساة أعمق وأطول زمنًا: أزمة المفقودين. فقد نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية صورة قاتمة لعائلات غزية تعيش منذ أكثر من عامين على وقع سؤال واحد بلا جواب: هل أقاربهم أحياء أم قضوا تحت القصف أو في أماكن احتجاز مجهولة؟ عائلة أبو ماضي واحدة من آلاف العائلات التي فقدت أثر أبنائها. ملك ويوسف، شابان عادا إلى منزل العائلة لجلب كتب ومعطف طبي، قبل أن ينقطع الاتصال بهما مع اقتراب الدبابات. أيام لاحقة، لم تجد فرق الإنقاذ سوى بقايا عظام محترقة، فيما بقي مصير يوسف مجهولًا، بين احتمال الدفن تحت الأنقاض أو النقل إلى جهة غير معروفة. تُشير تقديرات محلية ودولية إلى أن نحو 8500 شخص ما زالوا في عداد المفقودين في غزة، بعضهم تحت ركام يُقدّر ب61 مليون طن، وبعضهم الآخر يُعتقد أنهم في أماكن احتجاز. وفي ظل منع دخول الصحافة الأجنبية وصعوبة وصول فرق الإنقاذ، تتعثر عمليات التوثيق، فيما تعجز اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن الوصول إلى السجون أو القوائم الرسمية، بحسب ما تؤكده منظمات إنسانية. الهدنة التي دخلت مرحلة ثانية مطلع العام، برعاية أميركية، كان يُفترض أن تمهّد لبحث مستقبل غزة وإعادة إعمارها. غير أن القضايا الجوهرية، من انسحاب القوات الإسرائيلية إلى نزع سلاح حماس، ما تزال معلّقة، فيما تستمر أعمال العنف شبه اليومية. وبينما تُطرح على الطاولة الدولية تصورات عن "غزة ما بعد الحرب"، تصطدم هذه الخطط بواقع مغاير: أرض مدمّرة، معابر متقلبة، وعائلات تعتبر القطاع مقبرة مفتوحة تبحث فيها عن أحبائها. في هذا السياق، تبدو الهدنة، بالنسبة لكثير من الغزيين، مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، لا يضع حدًا للموت ولا يُنهي عذاب الانتظار. فبين القصف الذي يتجدد، والمعابر التي تُغلق، وملفات المفقودين التي تتراكم، تبقى غزة عالقة بين حرب لم تنتهِ وسلام لم يولد بعد.