ورقة ضغط أم انتحار استراتيجي؟ يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، ويعبره سنوياً أكثر من 23% من التجارة العالمية، بما في ذلك حوالي 6 إلى7 ملايين برميل من النفط يومياً. في ظل التصعيد العسكري الأخير بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، والذي بلغ ذروته باغتيال المرشد الأعلى الإيراني وقصف مواقع إيرانية في 28 فبراير 2026، برز تهديد إيران بإغلاق المضيق كأداة ضغط استراتيجية. هذا المقال يحلل السيناريو المحتمل لتنفيذ هذا التهديد من منظور قانوني دولي، ويستعرض الآثار الاقتصادية والسياسية والأمنية المترتبة عليه. 1. تحليل السيناريو من منظور القانون الدولي أ. الطبيعة القانونية لمضيق باب المندب: يخضع مضيق باب المندب لنظام (المرور العابر) وفقاً للقانون الدولي للبحار، وتحديداً اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تنص مادتها 38 على أن حق المرور العابر لا يمكن تعليقه أو إعاقته في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة وجزء آخر من أعالي البحار أو منطقة اقتصادية خالصة. بناءً على ذلك، فإن أي محاولة لإغلاق المضيق تمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي؛ ب. موقف مجلس الأمن الدولي: في 11 مارس 2026، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2817 بأغلبية 13 صوتاً وامتناع الصينوروسيا، والذي أدان بأشد العبارات "أي أعمال أو تهديدات من قبل إيران تهدف إلى إغلاق أو عرقلة الملاحة الدولية في مضيق هرمز أو تهديد الأمن البحري في باب المندب". القرار، الذي حظي برعاية 135 دولة عضواً، وصف هذه الأعمال بأنها "تشكل خرقاً للقانون الدولي وتهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين"؛ ج. الأساس القانوني للرد العسكري: أكد القرار 2817 على "حق الدول الأعضاء، وفقاً للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها ضد الهجمات والاستفزازات"، وهي إشارة واضحة إلى أحقية الدول المتضررة في استخدام القوة العسكرية لحماية سفنها التجارية والعسكرية. هذا البند يستند إلى حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأممالمتحدة؛ د. الموقف الإيراني الرسمي: تتمسك إيران رسمياً بموقف قانوني مغاير، حيث صرح مندوبها الدائم لدى الأممالمتحدة في مايو 2025 بأن بلاده "تساهم منذ فترة طويلة في سلامة واستقرار مضيق هرمز، وتلعب قواتها البحرية دوراً رئيسياً في تأمين الممرات الاستراتيجية، بما في ذلك مضيق باب المندب". كما رفضت الاتهامات بأنها تنتهك حظر الأسلحة المفروض على اليمن، معتبرة أن "جذور عدم الاستقرار في البحر الأحمر تنبع من جرائم إسرائيل المستمرة في غزة". 2. كيف يمكن تنفيذ الإغلاق؟ تنفيذ إيران تهديدها بإغلاق مضيق باب المندب لا يعني بالضرورة فرض حصار بحري مباشر، بل قد يتخذ أشكالاً متعددة: أ. التهديد عبر الحوثيين: تعتمد إيران بشكل أساسي على وكلائها في المنطقة، لا سيما حركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، لتنفيذ عمليات استهداف للسفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد أعلن الحوثيون استعدادهم لاستئناف العمليات ضد السفن المرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية؛ ب. التصعيد المتدرج: يتوقع البعض أن يبدأ الإغلاق بعمليات محدودة تستهدف سفناً محددة، ثم يتصاعد ليصل إلى تعريض الملاحة الدولية للخطر بشكل منهجي، مما يدفع شركات الشحن لتجنب المضيق طواعية خوفاً على سلامة سفنها وطواقمها؛ ج. التنسيق مع العمليات في هرمز: تشير التقارير إلى أن إيران نفذت بالفعل إجراءات "تعليق الملاحة التجارية" في مضيق هرمز في 28 فبراير 2026 عبر بث تحذيرات ملاحية للسفن، مما خلق حالة من عدم اليقين التشغيلي. ويمكن تكرار السيناريو نفسه في باب المندب. 3. الآثار الاقتصادية المترتبة على الإغلاق أ. تأثيرات فورية على أسواق الطاقة: حيث سيؤدي إغلاق باب المندب إلى منع وصول ناقلات النفط من الخليج العربي إلى قناة السويس، مما يعني عملياً عزل أسواق أوروبا وأميركا الشمالية عن إمدادات النفط الخليجية. تشير التقديرات إلى أن أسعار النفط قد تقفز بنسبة 30 إلى 50% خلال أيام من الإغلاق؛ ب. اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال: فقطر، التي تصدر معظم إنتاجها من الغاز المسال عبر هذا المضيق، ستجد صعوبة بالغة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية؛ ج. تعطل سلاسل التوريد العالمية: إغلاق باب المندب يعني عملياً إغلاق الطريق البحري الأسرع بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. البديل الوحيد هو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، مما يضيف 10 إلى 14 يوماً لرحلات الشحن، ويزيد تكاليف الوقود وأقساط التأمين بشكل كبير؛ د. تكاليف التأمين والشحن: تاريخياً، أدت الهجمات على السفن في البحر الأحمر خلال 2023-2024 إلى قفزة هائلة في أقساط التأمين على المخاطر الحربية. وتكرار هذا السيناريو سيرفع تكاليف الشحن بنسبة قد تتجاوز 200%، مما ينعكس على أسعار السلع الاستهلاكية في أوروبا وآسيا؛ ه. الآثار على دول القرن الإفريقي: الدول، مثل جيبوتي وإريتريا والصومال، تعتمد بشكل كبير على عائدات الموانئ والخدمات اللوجستية المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر. كما أن إثيوبيا، الدولة الحبيسة (لا تطل على البحر) التي يعتمد اقتصادها على ميناء جيبوتي، ستواجه تضخماً مستورداً وزيادة في تكاليف الواردات والصادرات. 4. الآثار السياسية والأمنية من المتوقع أن ينتج عن تنفيذ إغلاق باب المندب جملة من السيناريوهات الأمنية والسياسية، لعل أهمها: أ. التدويل العسكري للبحر الأحمر: وذلك بتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة على غرار التحالف الذي شُكل في 2019 لحماية الملاحة في الخليج العربي، ومن المحتمل أن يتدخل الأسطول الخامس الأميركي والقوات الأوروبية (عمليات ASPIDES) لتأمين حركة السفن التجارية، وقد يتطور الأمر إلى مرافقة عسكرية للسفن عبر المضيق. وقد يستهدف الحوثيون القواعد العسكرية الأميركية والفرنسية في جيبوتي، مثل قاعدة (Camp Lemonnier)، مما قد يوسع رقعة الصراع ويدفع فرنسا للتدخل المباشر؛ ب. اتساع رقعة الصراع إلى القرن الإفريقي: تحذر دراسة لمعهد الشؤون الخارجية الإثيوبي من أن المواجهة الإيرانية الإسرائيلية قد تنتقل إلى القرن الإفريقي، خاصة مع الاعتراف الإسرائيلي المحتمل بِ Somaliland، وهو ما تعتبره إيران تهديداً مباشراً لأمنها القومي يستدعي الرد. وهذا قد يحوّل المنطقة إلى ساحة جديدة للحرب بالوكالة؛ ج. الموقف الخليجي: دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة السعودية والإمارات، ستكون الأكثر تضرراً من إغلاق باب المندب، نظراً لاعتماد صادراتها النفطية على هذا الممر. والموقف الخليجي الرسمي تجلّى في تقديم البحرين لمشروع القرار الذي أدان بشدة التهديدات الإيرانية. لكن السعودية، التي تتوسط في اليمن، قد تواجه ضغوطاً مضاعفة لتهدئة الوضع؛ د. الموقف الروسي الصيني: امتناع روسياوالصين عن التصويت لصالح القرار 2817 يعكس حسابات معقدة. موسكو وبكين لديهما مصالح متزايدة في المنطقة، وقاعدتهما العسكرية في جيبوتي تجعلهما حريصتين على استقرار البحر الأحمر. لكن علاقتهما المتطورة مع إيران ضمن منظمة شنغهاي للتعاون تقيد قدرتهما على إدانتها بشدة. 5. الآثار القانونية المترتبة على إيران تنفيذ تهديد إغلاق باب المندب سيعرّض إيران لتبعات قانونية وسياسية كبيرة: أ. مسؤولية دولية: ستتحمل إيران المسؤولية الدولية عن الأضرار التي تلحق بالسفن التجارية والدول المالكة لها، مع إمكانية مقاضاتها أمام محكمة العدل الدولية؛ ب. عقوبات إضافية: قد يدفع الإغلاق مجلس الأمن لفرض عقوبات مشددة على إيران، خاصة في ظل الدعم الدولي الواسع الذي حظي به القرار 2817؛ ج. عزلة دبلوماسية: كما علق مستشار الرئاسة الإماراتية (أنور قرقاش)، فإن التصعيد الإيراني سيزيد من عزلتها الدولية. الخلاصة: هل الإغلاق ورقة رابحة أم انتحار استراتيجي؟ من منظور القانون الدولي، يمثل إغلاق باب المندب انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي ويشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، مما يبرر الرد العسكري الدولي لحماية حرية الملاحة. القرار 2817 وفّر الغطاء القانوني لمثل هذا الرد. ومن الناحية العملية، إغلاق المضيق سلاح ذو حدين: فهو يوجه ضربة قاسية للاقتصاد العالمي، لكنه في الوقت نفسه يضرب مصالح الحلفاء المفترضين لإيران، مثل الصين والهند، ويعزز العزلة الدولية ضدها. كما أنه يشرع التدخل العسكري الدولي المباشر في البحر الأحمر، وقد يحول القرن الإفريقي إلى ساحة صراع جديدة. والمرجح أن إيران ستستخدم هذا التهديد كورقة ضغط تفاوضية أكثر من كونها خطوة فعلية. لكن في ظل التصعيد العسكري الحالي، تبقى جميع الاحتمالات واردة، والمجتمع الدولي مطالب بالتحرك السريع لاحتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى كارثة اقتصادية وإنسانية تطال الجميع. -دكتوراه قانون دولي عام وعلاقات دولية