الدرهم يرتفع بنسبة 0,18 في المائة مقابل الأورو    كلية العلوم والتقنيات بالحسيمة تحتضن أول مؤتمر دولي حول الطاقات المتجددة والبيئة    مؤسسات فلسطينية في اليوم العالمي لحرية الصحافة: نشهد أكثر مرحلة دموية بتاريخ الصحافة    الإمارات وعبث النظام الجزائري: من يصنع القرار ومن يختبئ خلف الشعارات؟    تير شتيغن يعود لحراسة مرمى برشلونة بعد غياب 7 أشهر بسبب الإصابة    دار الطالب بأولاد حمدان تحتضن بطولة مؤسسات الرعاية الاجتماعية    إحباط عملية تهريب دولي وحجز أزيد من 4 أطنان من الشيرا    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    الأزمي: لم تحترم إرادة الشعب في 2021 وحكومة أخنوش تدعم الكبار وتحتقر "الصغار"    تسريب صوتي منسوب لولد الرشيد: منذ أن وجدت الانتخابات ونحن نستخدم المال العام (صوت)    إسرائيل تعيد رسم خطوط الاشتباك في سوريا .. ومخاوف من تصعيد مقصود    تونس: محكمة الإرهاب تصدر حكما بالسجن 34 سنة بحق رئيس الحكومة الأسبق علي العريض    "حزب الأحرار" يعقد لقاءات جهوية    الملك محمد السادس يبارك عيد بولندا    الإقبال على ماراثون "لندن 2026" يعد بمنافسة مليونية    العصبة تفرج عن برنامج الجولة ما قبل الأخيرة من البطولة الاحترافبة وسط صراع محتدم على البقاء    كازاخستان تستأنف تصدير القمح إلى المغرب لأول مرة منذ عام 2008    بيزيد يسائل كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري حول وضعية مهني قوارب الصيد التقليدي بالجديدة    منحة مالية للاعبي الجيش الملكي مقابل الفوز على الوداد    يونس مجاهد يكتب: حرية الصحافة المزعومة    الداخلة-وادي الذهب: البواري يتفقد مدى تقدم مشاريع كبرى للتنمية الفلاحية والبحرية    الكركارات : إحباط تهريب طنين من الشيرا نحو إفريقيا    أصيلة تسعى إلى الانضمام لشبكة المدن المبدعة لليونسكو    "الأحرار" يطلق جولة تواصلية جديدة ويشيد بالحوار الاجتماعي وبمكتسبات الشغيلة    الكوكب يسعى لوقف نزيف النقاط أمام "الكاك"    اللحوم المستوردة في المغرب : هل تنجح المنافسة الأجنبية في خفض الأسعار؟    المغرب يطلق مشروعا كبيرا مع الولايات المتحدة لتصنيع مقاتلات F-16    "كان" الشباب: المنتخب المغربي ينهي تحضيراته استعدادا لمواجهة نيجيريا وسط شكوك حول مشاركة الزبيري وأيت بودلال    استقدمها من علبة ليلية بأكادير.. توقيف شخص اعتدى على فتاة جنسيا باستعمال الضرب والجرح بسكين    فريق طبي مغربي يجري أول عملية استئصال للبروستاتا بالروبوت عن بعد بمسافة تجاوزت 1100 كلم    تنظيم يوم وطني لخدمات الأرصاد الجوية والمناخية الاثنين المقبل بالرباط    "هِمَمْ": أداء الحكومة لرواتب الصحفيين العاملين في المؤسسات الخاصة أدى إلى تدجينها    كبرى المرافئ الأميركية تعاني من حرب ترامب التجارية    غوارديولا: سآخذ قسطًا من الراحة بعد نهاية عقدي مع مانشستر سيتي    كيوسك السبت | الحكومة تكشف بالأرقام تفاصيل دعم صغار الفلاحين و"الكسابة"    ألمانيا تهتز على وقع حادث دموي في شتوتغارت.. سيارة تدهس حشداً وتصيب 8 أشخاص    الموت يغيّب المنتج المصري وليد مصطفى    قصف منزل يخلف 11 قتيلا في غزة    زيارة صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء لجامعة غالوديت تعزز "العلاقات الممتازة" بين الولايات المتحدة والمغرب (الميداوي)    توقيع اتفاقية إطار بشأن الشراكة والتعاون من أجل تطوير الحكومة الإلكترونية وتعميم استخدام ميزات الهوية الرقمية    حين تصبح الحياة لغزاً والموت خلاصاً… "ياقوت" تكشف أسراراً دفينة فيلم جديد للمخرج المصطفى بنوقاص    أشغال تجهيز وتهيئة محطة تحلية مياه البحر بالداخلة تبلغ نسبة 60 بالمائة    الفنان محمد الشوبي في ذمة الله    الصحة العالمية تحذر من تراجع التمويل الصحي عالميا    "إغلاق أخضر" في بورصة البيضاء    دراسة: هذه الأطعمة تزيد خطر الوفاة المبكرة    دراسة: مادة كيمياوية تُستخدم في صناعة البلاستيك قتلت 365 ألف شخص حول العالم    كلية الآداب بالجديدة وطلبتها يكرمون الدكتورة لطيفة الأزرق    "موازين" يعلن جديد الدورة العشرين    خُوسّيه سَارَامَاغُو.. من عاملٍ فى مصنعٍ للأقفال إلى جائزة نوبل    وفاة الممثل المغربي محمد الشوبي    القهوة تساعد كبار السن في الحفاظ على قوة عضلاتهم (دراسة)    حقن العين بجزيئات الذهب النانوية قد ينقذ الملايين من فقدان البصر    التدين المزيف: حين يتحول الإيمان إلى سلعة    مصل يقتل ب40 طعنة على يد آخر قبيل صلاة الجمعة بفرنسا    كردية أشجع من دول عربية 3من3    وداعًا الأستاذ محمد الأشرافي إلى الأبد    قصة الخطاب القرآني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلمانية و الإسلاموفوبيا بالمغرب
نشر في هسبريس يوم 17 - 08 - 2008

أودُّ من خلال هذا المقال محاولة تقديم إجابة موضحة عن تساؤل : هل في المغرب دعاة إلى العلمانية أم دعاة الاسلاموفوبيا ؟ بمعنى آخر هل هناك من يدعو و يدافع و يرسخ للإسلاموفوبيا تحت غطاء العلمانية والحداثة أم العكس؟ ""
بداية لابد من حصر الفرق بين مفهومي العلمانية الاسلاموفوبيا و محاولة إيجاد خيط رقيق يربط بينهما، إذ أن مثلا في أوربا الذين يقودون و يتناولون " التخوف من الإسلام " أي الاسلاموفوبيا بشكل مفرط وعنصري هم العلمانيون الاستئصاليون. على العلم أن مسألة العلمانية ظهرت في أوربا على أشدها في الفترات الأخيرة من مرحلة " السمو الروحي " ( كما سماها المفكر الجزائري مالك بن نبي) حين كانت السيادة الحضارية للعقيدة المسيحية ، وبداية مرحلة التوسع العقلي مع ديكارت و التوسع في البلاد مع كريستوف كولومب .. و صارت لها من التثبت و الترسخ في العصر الحالي إلى ما وصلت إليه حسب ما تعلن عليه دول هاته القارة العجوز - بالرغم من أن هناك نقاش موسع و حقيقي يثبت أن بعض دول أوربا المتقدمة و الولايات المتحدة الأمريكية الآن و التي تدعي علمانيتها هي في اللُّبّ مسيحية إنجيلية كاثوليكية أو ارتودوكسية - ( شاهد المحاضرة المسجلة التي ألقاها ذ.أبو زيد المقرئ الإدريسي في موضوع : " هل أمريكا دولة علمانية؟ ").
و أيضا فمسألة الاسلاموفوبيا استعملت لأول مرة ككلمة عام 1925 في بيان يتحدث عن هَوَس مفرط في الاسلاموفوبيا في فرنسا (ذ.هيتم المناع مجلة الفرقان العدد 59).
ونعود إلى تحديد المفاهيم ، فالعلمانية تعني كما هو معلوم عند عامة الأفراد فصل الدين عن الدولة ،ويعرفها ذ.محمد شاكر الشريف في كتابه ( العلمانية و ثمارها الخبيثة - ص 8) على أنها : " مذهب يرمي إلى عزل الدين عن التأثير في الدنيا ، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الأخلاقية و القانونية و غيرها بعيدا عن أوامر الدين و نواهيه " . بمعنى أن تبقى ممارسة الشعائر الدينية مسألة شخصية منحصرة في أداء الصلوات فرادى أو جماعات في المسجد وصيام رمضان لمن أراد و الحج في بيت الله الحرام لمن استطاع و لمن أراد و ربما أداء الزكاة... أما الشؤون السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الفنية و العسكرية تبقى منفصلة عن تأثير الدين فيها من قريب أو بعيد. وهكذا فدعاة العلمانية إنما يدعون إلى جعل الدين ( و هنا الحديث عندنا هو عن الإسلام) مجرد تلك الشعائر و الأركان التي بني عليها من التلفظ بالشهادتين و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و حج بيت الله الحرام و صيام رمضان، أما قيم الإسلام و أخلاقه و مبادئه و غاياته و شرائعه التي ترتبط بحياة الإنسان فهي ممنوعة و لا يجوز خلطها و مزجها بالحياة العامة للفرد و المجتمع و الدولة و الأمة .
أما مصطلح الاسلاموفوبيا – بالرغم من كونه مصطلحا معاصرا لم يبرز إلا في العصر الحديث كما أشرت إلى ذلك آنفا و تكاثر تناوله بشدة في الأعوام الماضية خصوصا بعد أحداث 11 شتنبر 2001 – فمفهومه مرتبط منذ العهود الأولى للرسالة المحمدية باعتبار السياسة التضييقية التي كان يمارسها كفار قريش وحلفاؤهم من التعتيم و تخويف حواشيهم من الإسلام و اعتناقه حيث كان ابرز ملامح هذا التعتيم هو نعت الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم بالكاهن و المجنون و الشاعر و السفيه .. ، و مصطلح الاسلاموفوبيا يحمل في ثناياه التخويف من الإسلام و الترهيب منه و جعل هذا الدين في صورة مشوهة و مشبوهة الحقائق قصد تنفير الناس منه.
و لا بد إلى الإشارة هنا أن مفهوم " الاسلاموفوبيا " هو مصطلح واسع المعالم و الصلاحية ، و يمكن أن نسرد هنا إحدى المحاولات الجدية للتعريف بالاسلاموفوبيا و التي حددته منظمة the Runnymede Trust غير الحكومية عام 1997 بالاستناد على 8 معايير هي كالتالي :
1. اعتبار الإسلام جسما أحاديا جامدا قلما يتأثر بالتغيير.
2. اعتبار الإسلام متميزا و "آخرا" ليس له قيم مشتركة مع الثقافات الأخرى و هو لا يتأثر بها أو يؤثر فيها.
3. اعتبار الإسلام دونيا بالنسبة للغرب.. بربريا و غير عقلاني ، بدائيا و جنسي النزعة.
4. اعتبار الإسلام عنيفا و عدوانيا و مصدر خطر مفطورا على الإرهاب و الصدام بين الحضارات.
5. اعتبار الإسلام إيديولوجية سياسية لتحقيق مصالح سياسية و عسكرية.
6. الرفض التام لأي نقد يقدم من طرف إسلامي للغرب.
7. استعمال العداء اتجاه الإسلام لتبرير ممارسات تمييزية اتجاه المسلمين و إبعادهم عن المجتمع المهيمن.
8. اعتبار العداء اتجاه المسلمين عاديا و طبيعيا (عن مجلة الفرقان العدد 59)
و لا شك أن المتتبع للأحداث العالمية خصوصا في أوربا و أمريكا يتبين له كيف أن وسائل الإعلام الغربية تلعب دورا مريبا في جعل الإسلام كالسرطان المرعب الذي ينخر جسد المجتمع الغربي ، و كالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في أي لحظة ( و ما فيلم " فتنة " عنا ببعيد و الذي صور فيه مخرجه المسلمين كمجرمين و قتلة الأرواح و أبناء المسلمين كمشاريع مستقبلية لانتحاريين و يركز فيه بدقة على ارتباط الدين الإسلامي بالكراهية والبغض و العنف و الإرهاب) ، خصوصا بعد تزايد عدد المهاجرين المسلمين و العرب نحو القارتين الأوربية و الأمريكية، و ارتفاع معدل الخصوبة و الولادات في صفوف المهاجرين الأوائل من المسلمين من الجيل الأول ( عقد السبعين و الثمانين)، و كذا تصاعد وتيرة انتماء و اعتناق لعدد كبير من سكان القارتين للإسلام.
انطلاقا مما سبق توضيحه بإشارة إلى مفهومي العلمانية و الاسلاموفوبيا، يتضح لنا أن كليهما مختلف شيئا ما على مستوى الوسائل و الغاية، لكن ثمة ترابط على مستوى المستهدف و هو الدين أي الإسلام في محل حديثنا.
إلا أن في المغرب نجد غير ذلك ; حيث نجد مجموعة من التوجهات التي تدّعي علمانيتها و حداثيتها و تدعو إليهما إن على مستوى منابرها الإعلامية أو الثقافية و الفكرية - و التي سُخِّرت لها أكثر من غيرها - أو حتى على مستوى ممارستها الميدانية، نجد أنها حقيقة و جوهرا تدعو إلى نمط " التخويف من الإسلام" من تحت حجاب و ستار الدعوة إلى العلمانية و الحداثة.
و حتى نبسط أولا واقع المغرب، فهذا البلد يصرح دستوره في الفصل السادس أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة. و يمكن أن يبرز هذا التصريح في شخص الملك الذي يلقب بأمير المؤمنين و هو لقب ارتبط بالخلافة الإسلامية الراشدة في العهود الأولى لها، وكذلك في بعض مؤسسات الدولة حيث نجد وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية و الرابطة المحمدية لعلماء المغرب ، و كذا توفر عدد كبير من المساجد على تراب الوطن و مشاريع إصلاحية و تنموية لتوسعة و بناء مساجد أخرى ، وأيضا على مستوى المناهج الدراسية فهناك مواد تدرس ( بالرغم من ندرتها قلبا و قالبا) خاصة بالتربية الإسلامية و مسالك متخصصة في الشريعة في الجامعات المغربية بل و معاهد و مدارس متخصصة في الشريعة بالإضافة إلى المجالس العلمية المحلية ..
هذه الصور كلها ثابتة في المشهد الديني الرسمي للمغرب، و رغم ذلك فالتشريع الإسلامي لا يكاد يجد له موطئا في المؤسسات الرسمية للدولة ( حتى الإسلامية منها و التي ذكرناها سابقا)، فالعلمانية قائمة بذاتها في المغرب بشكل من الأشكال و بجزء من الأجزاء، و الذي يزيد في غرسها و تثبيتها و تثبيت مفارقة إسلامية الدولة دستوريا و علمانيتها واقعا هم دعاتها الذين يكشرون لها عن أنيابهم تارة و يطبلون و يزمرون لها تارة أخرى ; كمثل الحرباء و هي تتقلب من لون لآخر : جوهرها واحد و ألوانها متعددة.
و إذا كان الترهيب و التخويف من الإسلام ساري الخُطى في الغرب فهو كذلك ساري التخطيط و التفعيل عندنا هنا، لكن بدعوى العلمانية و الحداثة و بوسائل تكاد تكون مكشوفة لكنها مرغوبة و مطلوبة و ميسرة بل و مُسيرة من طرف الدولة و المخزن الذي يراها سلاحا فعالا لمواجهة الإسلاميين بالمغرب، و الذين للإشارة فقط يحملون في مشاريعهم مسألة التغيير انطلاقا من شريعة الإسلام ( بطبيعة الحال لا يمكن الخلط بين كل التوجهات فالمعنى عندي هنا منصب نحو التوجهات الإسلامية المعتدلة بالمغرب(
يمكن أن استحضر معكم هنا حادثة "جريدة التجديد المغربية " أثناء تغطيتها لكارثة التسونامي بإحدى الدول الآسيوية قبل ثلاث سنوات، حيث عبّرت الجريدة ( و هي لسان حال حركة التوحيد و الإصلاح المغربية) أثنائها عن كون هذا الزلزال البحري العنيف و الذي خلف خسائر عظيمة بشرية و مادية هو عقاب من الله تعالى و نذير لمن تجرأ على إشاعة الفاحشة في المسلمين و نشر المنكر و الرذيلة بين الخلق، إلا أن أقلاما سوداء و منابر حاقدة بلهاء كشّرت عن أنيابها و حقدها، و صرحت في جرائدها ( خصوصا جريدة " الأحداث المغربية" العلمانية) و بمساندة من قناة 2M المغربية الرسمية على شاشة أخبارها على كون "التجديد" وأهله ( بالإشارة إلى حركة التوحيد و الصلاح و حزب العدالة و التنمية) من دعاة الإرهاب و يجب توقيفهم و محاكمتهم .. إلا أن الوقفة التاريخية لأنصار "التجديد" بساحة الشهداء بالعاصمة الرباط أبانت عن انتصار و انحياز الشعب لخيار إسلامية الحياة المجتمعية للوطن لا لعلمانيته..
زِدْ عل ذلك مثال الدعوة إلى حل حزب العدالة و التنمية الإسلامي المغربي جراء أحداث 16 ماي 2003 الدموية بالدار البيضاء بدعوى مسؤولية الحزب المعنوية و في بعض الأحيان المادية في هذه الأحداث ، وما عقبها من اعتقالات لأزيد من 3000 مغربي بتهمة الإرهاب (لا يزال حوالي 2500 منهم قابعون في السجون التي تعرف في الآونة الأخيرة سلسة من الاحتجاجات و الإضراب عن الطعام لمن يسموا أنفسهم " معتقلو الرأي و العقيدة "، و سجلت فرار 9 منهم مؤخرا في اكبر عملية فرار جماعية منظمة من السجن بالقنيطرة) ، دون أن نغفل التعتيم الإعلامي وقتها عن خلفيات هذه الاعتقالات و التحريات و صلاحية التهم الموجهة في حق أولئك، هذا مع تماهي الدولة في انتهاج المقاربة الأمنية كآلية واحدة و وحيدة لحل إشكالية المواجهة المسلحة مع الدولة و تحت غطاء الجهاد من طرف بعض التكفيريين.
و نستحضر أيضا دعوى بعض الأطراف من هؤلاء الحر بائيين إلى حذف مجموعة من الآيات في المناهج الدراسية الداعية إلى الجهاد ضد المحتلين و المستعمرين أو التي تتحدث عن العقيدة الضالة لليهود و النصارى باعتبار أن هذه الآيات دعوات صريحة إلى الإرهاب و العنف و الكراهية ، حتى أنهم طالبوا حتى بتغيير الصور التي تبرز المرأة بحجابها أو الرجل بلحيته من هذه المناهج .. ولا شك هذه الأصوات لقيت آذانا صاغية من بني جلدتهم..
هذا دون نسيان ما يُبثّ على شاشة التلفاز و السينما من أفلام سواء أكانت مستوردة أو محلية الإخراج و التمثيل و الإنتاج، و التي تعبر و ترسخ لنمط الاسلاموفوبيا ( فيلم " ماروك " مثلا). و أشير هنا إلى القناة الثانية 2M التي تعتبر فرانكفونية و ابنة مدللة للسلطة المغربية و وعاء يحتضن كل ما يمكن تسوقه من زبالة الإعلام العالمي و الغربي.. حيث عبرت غير ما مرة عن خطها التحريري – الذي تقوده سميرة سيطايل – العلماني الاستئصالي و التصعيدي ليس فقط ضد الإسلاميين و لكن أيضا ضد كل القيم الإسلامية و الإنسانية النبيلة من الحياء و العفة و الكرامة و الإنسانية.. وذلك عبر المسلسلات المدبلجة و السهرات الراقصة و التي عودتنا أن تبثها في الوقت الذي تقف فيه كل وسائل الإعلام المحترمة وقفة تضامنية مع الأحداث المحلية أو المجازر الصهيونية في فلسطين و غيرها، أو عن طريق البرامج و التغطيات ، و لعل آخر ما بُثّ برنامج يدعى " تحقيق" شَنّت من خلاله القناة حربًا على الحجاب و المحجبات ..
و لاشك أن هذه الدعوات المغرضة الاسلاموفوبية ببلدنا ألقت بظلالها على الواقع، حيث تجد المضايقات تلامس أبناء الدعوة و المنتمين إلى إحدى الجمعيات و الجماعات الإسلامية المعروفة باعتدالها من طرف السلطة ( سواء في المؤسسات أو الجامعات أو في الشارع )، بل حتى من أفراد المجتمع من غير قصد، حيث صارت في بعض الأوقات – خصوصا في مرحلة بعد أحداث 16 ماي 2003 – النظرات المتوجسة تعلو كل من قد يرى امرأة ترتدي الخمار و النقاب أو شابا يرتدي قميصا و ينمي شعيرات على وجهه وذلك ارتباطا بالصورة التي رسمها الإعلام المغربي الرسمي آنذاك من أن كل شخص ملتحي و يحمل حقيبة على ظهره (sac à dos) فهو مشتبه به في إمكانية كونه إرهابيا يحمل حزاما ناسفا أو متفجرات داخل حقيبته.
و يمكن استحضار هنا من واجهة إعلامية كل من جريدة " الأحداث المغربية " و مجلة " نيشان" و التي تتبنى في خطها التحرير التعتيم على الإسلاميين إما في أشخاصهم أو مؤسسات عملهم و محاولة تشويه آلياتها خصوصا حزب العدالة و التنمية و حركة التوحيد و الإصلاح باعتبار نفوذ الأول في الساحة السياسية ( المعارضة الأولى في البرلمان) و انتشار الثانية في المجتمع ) العمل الدعوي و الاجتماعي عن طريق الجمعيات و المنتديات)
هذا و قد ارتفعت مؤخرا وتيرة التضييق على الإسلاميين و العمل الإسلامي بالمغرب : فإذا كان حزب العدالة و التنمية قد منعت مجموعة من أنشطته التواصلية مؤخرا في بعض المدن، و منع عدد من أعضائه من الترشح في عدد من الدوائر الانتخابية في المحطتين الانتخابيتين التشريعيتين السابقتين 2002 و 2007 إما بالمنع و التدخل المباشر لوزارة الداخلية أو التغاضي من طرف الوزارة عن الخروقات المتعلقة باستعمال المال الحرام ( الرشوة و الزبونية) في كسب أصوات الناخبين من طرف المنافسين في نفس الدوائر التي يترشح فيها أعضاء الحزب أو بالتلاعب بالنتائج النهائية رغم الشكاوى القضائية المقدمة لدى المسؤولين .. فأن قضية ما يسمى " خلية بلعيرج " كانت بمثابة "الجوكر" الذي لعبت به الدولة و حلّت من خلاله حزبي البديل الحضاري و الأمة الإسلاميين و اعتقال أبرز قيادييهما، بالرغم من المطالبة المتكررة لهيئات حقوقية و سياسية و دعوتها الدولة و الحكومة إلى استعمال القانون و اتباع ما ينص عليه قانون الأحزاب و المقررات القضائية المتعلقة بحادثة هذا الملف الذي اتهم و توبع فيه الحزبان و قيادييهما بانتمائهم إلى خلية "إرهابية" و حيازة أسلحة نارية .. هذا الملف الذي عرف تجاوزات قانونية و قضائية خطيرة أثبتت بالملموس عدم استقلالية القضاء المغربي من جهة واستمرار الدولة في التعامل مع الإسلاميين بمقاربة أمنية تضييقية و غير قانونية من جهة أخرى.
هذه هي بعض المظاهر و الصور التي يحاول الحربائيون بالمغرب بثها في المجتمع المغربي باسم العلمانية و الحداثة و بدعم معنوي و حتى مادي من طرف المخزن .. و يمكن القول هنا أنه إذا كان الغرب منذ أحداث 11 شتنبر 2001 حاول صراحة مواجهة و معاداة الإسلام و التضييق على الإسلاميين عبر برامج و خطط إستراتيجية عسكرية و إعلامية ، فان دعاة العلمانية و الحداثة سواء من داخل السلطة أو الموالين لها عندنا قد بلوروا هذه البرامج و الخطط بطرق ملتوية و متشعبة و ممكيجة قصد تصويب الضربة إلى الإسلاميين و رجال و شباب النهضة و التغيير و الدعوة خاصة، و إلى هذا الشعب المسلم المؤمن عامة .
إلا انه مما قد لا يخطر على بال هؤلاء البلهاء أن الشعب المغربي بشبابه و شيبه و رجاله و نسائه يرتقون سُلّم الالتزام و الرجوع إلى الدين الإسلامي بقيمه و مبادئه و أركانه و فرائضه ، و هو نفس السلم الذي لازالت أفواج من المسلمين بل و غير المسلمين في العالم يرتادونه خصوصا خصوصا من نفس الحدث الذي تعالت معه صيحات الاسلاموفوبيا و هو 11 شتنبر 2001 ، هذا من جهة ، أما من جهة أخرى فإن شباب الدعوة و النهضة و التغيير و رجال العلم و الفكر بهذا البلد مستمرون في بناء صرح التغيير و التنمية و الوعي و التصدي لأمثال تلك المخططات الداخلية و الخارجية..
فهي و إن كانت اسلاموفوبيا بصورة علمانية فالأمران أمر واحد ، أو كانت اسلاموفوبيا كآلية من آليات العلمانية و الحداثة فكل الطرق تؤدي إلى روما و الغاية عندهم تبرر الوسيلة...
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.