غياب أخنوش عن اجتماع العمل الملكي يكرس واقع تصريف الأعمال    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    أسلاك كهربائية متساقطة تتسبب في نفوق عجلين بدوار الشاوية بأمزفرون    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    تعليق حركة الملاحة البحرية بين الجزيرة الخضراء وطريفة وطنجة    مجلس الحسابات يكشف تقاعس 14 حزبا سياسيا عن إرجاع الدعم العمومي    كأس أمم إفريقيا (المغرب 2025) تحطم أرقاما قياسية جديدة وتحقق 6 مليارات مشاهدة    أكاديمية المملكة تُعيد قراءة "مؤتمر البيضاء" في مسار التحرر الإفريقي    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    رياح عاصفية تتسبب في انقلاب شاحنة بإقليم الحسيمة    صعقة كهربائية تنهي حياة شاب ببرشيد    المجلس الوطني..    العصبة الاحترافية تقرر تغيير توقيت مباراة اتحاد طنجة والكوكب المراكشي    بورصة البيضاء تنهي التداولات بارتفاع    "العدالة والتنمية" يطلب رأي مجلس المنافسة حول قطاع الأدوية والصفقات الاستثنائية لوزارة الصحة    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    تدخل ميداني سريع لجماعة مرتيل عقب سقوط أشجارا إثر رياح قوية    تجديد الترحيب بالمغرب كعضو مؤسس في مجلس السلام... إشارات سياسية تؤكد مركزية المملكة في معادلات الاستقرار الدولي    المهدي بنسعيد يلجأ إلى القضاء بعد حملة اتهامات وصفها بالكاذبة والمغرضة    المغرب يرتقي إلى المراتب الثلاث الأولى بين الدول المستفيدة من التأشيرات الفرنسية في 2025    صناعة الأبطال والرياضة المدرسية.. رؤية الحكومة لضمان الاستدامة الرياضية ببلادنا    مقاييس الأمطار المسجلة بالمملكة خلال ال24 ساعة الماضية    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    نشرة إنذارية.. أمطار قوية ورياح عاصفية الأربعاء والخميس بعدد من مناطق المملكة    محمد شوكي مرشحا لخلافة أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار    حزب التقدم والاشتراكية يدعو إلى مقاربة شمولية لمونديال 2030 وينبّه إلى الفوارق المجالية    الصين تسجّل 697 مليون عملية دخول وخروج خلال 2025    تحسّن المؤشرات المالية.. وأسئلة معلّقة حول الأثر الاجتماعي    المالكي يرفض "التدخل السافر" في الشؤون العراقية بعد معارضة ترامب ترشيحه لرئاسة الوزراء    إفريقيا تترقب قرارات "نهائي الكان" .. وأدلة دامغة تقوي مواقف المغرب    أشرف حكيمي يعود إلى باريس سان جيرمان لمواجهة نيوكاسل في دوري الأبطال        الاتحاد الإفريقي في ورطة ويبحث عن "مُنقذ" لتنظيم نسخة 2028    البطل عمر حموليلي يشرّف العرائش ويتألق في بطولة كتالونيا بإسبانيا    المغرب أكبر من هزيمة... والإنجازات أصدق من الضجيج    لأول مرة السيارات الكهربائية تتجاوز مبيعات البنزين    الجبهة المغربية لدعم فلسطين تعلن انخراطها في يوم عالمي للنضال من أجل الأسرى الفلسطينيين        الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط    توقعات أحوال الطقس لليوم الأربعاء    ترامب: دولة كوبا "على حافة الانهيار"    الذهب يواصل ارتفاعه الكبير متجاوزا 5200 دولار للمرة الأولى        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    فرنسا.. الباحثة المغربية نبيلة بوعطية تحصل على جائزة أنسيرم عن أبحاثها في علم الوراثة    تافراوت تطلق أول "فرقة دراجين" لحفظ الصحة بالمغرب: استثمار في الوقاية ورقمنة للعمل الميداني    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدعْوَةُ إِلَى الْحُرِيةِ الْجِنْسِيةِ دَعْوَةٌ إِلَى نَجَاسَةِ الْحُرِيةِ ...
نشر في لكم يوم 16 - 07 - 2012

إذَا كَانَ الإيمانُ أَسَاسَ الْعُمْرَانِ، وَمَصْدَرَ سَعَادَةِ الإِنْسَانِ، فَإِن الْفَوَاحِشََ مِنْ نَواقِضِ كَمَالِ الإيمَانِ، وَمِنْ سِمَاتِ الْبُؤْسِ وَالْخُسْرَانِ، وَفَسَادِ الْعُمْرَانِ، لِكَوْنِهَا مِنْ الذنُوبِ التي يَشْتَد قُبْحُهَا، وَالأَفْعَالِ القَبِيحَةِ الْمُفْرِطَةِ الْقُبْحِ، كَمَا يَقُولُ أَهْلُ اللغَةِ.
وَلَفْظُ الْفَاحِشَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْل فَحُشَ، تَقُولُ فَحُشَ الشيْءُ فُحْشاً مِثْلُ قَبُحَ قُبْحاً، وَزْناً وَمَعْنىً، وَكُل شَيْءٍ جَاوَزَ الْحَد فَهُوَ فَاحِش، وَأَفْحَشَ الرجُلُ إذَا أَتَى بِالْفُحْشِ، وَهُوَ الْقَوْلُ السيئُ، وَرَمَاهُ بِالْفَاحِشَةِ وَجَمْعُهَا فَوَاحِشُ ...
وَالْفَاحِشَةُ اِسْمٌ جَامِعٌ للرذَائِلِ وَالصفَاتِ الْقَبِيحَةِ، وَإِنْ شَاعَ اطْلاَقُهُ عَلَى الزنَا تَحْدِيداً، بِاعْتِبارِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
أَما الْحُريةُ فَهِيَ نَقِيضُ الْعُبُودِيةِ، وَشَخْصٌ حُر أَيْ كَرِيمٌ، وَالحُر مِنْ كُل شَيْءٍ أَحْسَنُهُ وَأَطْيَبُهُ وَأَعْتَقُهُ، وَمِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ أَحْسَنُهُ.
سَتَظَل الْحُريةُ قِيمَةًً إِنْسَانِيةً سَامِيةٍ لاَ تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ بِدُونِهَا، فَقَدْ حَرِصَتِ الشرِيعَةُ الإِسْلاَمِيةُ عَلَى ضَمَانِهَا وصيانتها وَأَحَاطَتْهَا بِجُمْلَةٍ مِنَ الضوَابِطِ والْقِيمِ الْعُلْيَا بِوَصْفِهَا حَقاً مِنَ الْحُقُوقِ الأَسَاسِيةِ وَالطبِيعِيةِ.
وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ فَإِن الربْطَ بَيْنَ الْحُريةِ وَالدعْوَةِ إِلَى الْفَاحِشَةِ، أَوْ تَنْجِيسَ الْحُريةِ عَلَى الأَصَح قَدْ يَبْدُو أَمْراً غَرِيباً مَعْنىً وَمَبْنىً. بَلْ هُوَ مُؤْذِنٌ بِخَرَابِ الْعُمْرَانِ.
لَقَدْ تَحَدثَ القُرْآنُ الكريمُ فِي أََكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ عَنِ الفَاحِشَةِ وَالْفَحْشَاءِ كَسُلُوكٍ مَشِينٍ، وَنَزْعَةٍ هِيَ إِلََى الْحَيَوَانيةِ أَقْرَبُ، مُحَذراً فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مِنْ عَوَاقِبِهَا الْوَخِيمَةِ، وَآثَارِهَا السلبيةِ عَلَى مُسْتَقْبَلِ البشرية جَمْعَاءَ.
إن الناظِرَ فِي كِتَابِ اللهِ عَز وَجَل يُدْرِكُ بِجَلاَءٍ خُطُورَةَ الْفَاحِشَةِ عَلَى مَنْظُومَةِ القيم الساميةِ التي هِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الإسْلاَم وَخِصَالِهِ الْحَمِيدَةِ، وَدَعْوَتِهِ الْكَرِيمَةِ، فِي بَقَاءِ النوْع البَشَري وَنَقَائِهِ كَمَقْصِدٍ شَرْعي عَظِيمٍ.
لَقَدْ جَرمَتِ الشريعةُ الإسْلاَمِيةُ الفَوَاحشَ مَهْمَا كَانَ لَوْنُهَا وَحَجْمُهَا، وَاعْتَبَرَتْهَا فِي مَرْتَبَةٍ لاَ تَقِل خُطُورَةً عَنِ الإشْرَاكِ بِاللهِ وَالظلْمِ وَالافْتِرَاءِ عَلَى الْحَق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ... قَالَ تَعَالَى:" قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الأنعام: 151] وَقَوْلُهُ عَز وَجَل:" قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" [الأعراف: 33]
وَقَدْ نَبهَ كِتَابُ اللهِ أَيْضاً عَلَى خُطُورَةِ الْفَاحِشَةِ، وَحَذرَ مِنْهَا وَمِنْ عَوَاقِبِهَا الْوَخِيمَةِ عَلَى الْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الإنْسَانِي بِصَفَةٍ عَامةٍ، فِي وَقْتٍ أَصْبَحَ الْعَالَمُ فِيهِ عِبَارَةً عَنْ تَجَمعٍ كَوْنِي صَغِيرٍ يَسْهُلُ مَعَهُ إشَاعُةُ الْفَاحِشَةِ بِاعْتِمَادِ مُخْتَلِفِ وَسَائِلِ الاِتصَالِ الْحَدِيثَةِ.
إن إشَاعَةَ الفَاحِشَةِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الإسْلاَمِيةِ تَحْتَ غِطَاءِ الْحُريةِ الْفَرْدِيةِ أَوْ تَحْتَ أَي اِسْمٍ مِنَ الأَسْمَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ إِيذَانٌ بِخَرَابِ الْعُمْرَانِ، وَذَهَابِ الإِيمَانِ. وَهَذِهِ دَعْوَى، لاَبُد مِنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ بُرْهَان أَجَل مِنْ البُرْهَانِ الْقُرْآنِي، الذِي بَينَ بِشَكْلٍ وَاضٍحٍ سَلَبِياتِ الْفَوَاحِشِ وَمَفَاسِدَهَا فِي الدنْيَا وَالآخِرَةِ.
لَقَدَ وَضَعَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أُسُسَ القانُونِ الْجِنَائِي الإنْسَانِي بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ، مِنْ أَجْلِ ضَمَانِ سُبُلِ الْعَيْشِ فِي أَمْنٍ وَسَلاَمٍ، دَاخِلَ الْمُجْتَمَعَاتِ الإِسْلاَمِيةِ، فَكَانَ القصصُ وَالْحُدُودُ كَوَسَائِلَ جَزْرِيةٍ لِلُحِفاظِ عَلَى النوْعِ الإنْسَانِي" فَمَنْ حَرَمَ إِنْسَاناً حَق الْحَيَاةِ حُرِمَ الْحَيَاةُ، وَمَنْ حَرَمَ إِنْسَاناً حَق الْكَرَامَةِ بِأَنْ اعْتَدَى عَلَى عِرْضِ غَيْرِهِ عُوقِبَ عُقُوبَةَ الزنَى، وَمَنِ اتهَمَ إنْسَاناً فِي شَرَفِهِ وَعِرْضهِ عُوقِبَ عُقًوبَةَ الْقَذْفِ، وَمَنِ اعْتَدَى عَلَى حَق إنْسَانٍ فِي التمَلكِ عُوقِبَ عُقُوبَةَ السرِقَةِ، وَمنِ اعْتَدَى علَى عَقْلِهِ وَهُوَ وَسِيلَةُ الْعِلْمِ عُوقِبَ عُقُوبَةَ السكْرِ، وَمَنِ اعْتَدَى عَلَى حَق الناسِ فِي حُريتِهِمْ فِي أوْطَانِهِمْ وَطُمَأنِينتهِمْ وَكَرَامَتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَطَعَ الطرُقَاتِ وَأَخَافَ الناسَ عُوقُبَ عُقُوبَةَ الْمُحَارِبِينَ الخَارِجِينَ عَلَى النظَامِ ... " (1)
الدعْوَةُ إلَى إشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ أُسْلُوبُ الْمُنَافِقِينَ:
وَذَلِكَ مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [النور: 19]
وَهَذَا الْخِطَابُ مُوجهٌ أَسَاساً إِلَى الْمُنَافِقِينَ، لأَن أَهْلَ النفَاقِ هُمُ الذينَ أَحَبوا أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَإِلا فَأَهْلُ الإِسْلاَمِ لاَ يُحِبونَ ذَلِكَ." (2)
لَقَدْ تَوعدَ الْحَق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الآيةِ الْكًرِيمَةِ كُل مَنْ يَعْمَلُ أَوْ يَسْعَى بِأَي وَسِيلَةٍ كَانْتْ لإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ إِن مُجَردَ مَحَبةِ ذَلِكَ يُعَد جُرْماً يَتَرَتبُ عَلَيْهِ عِقَابٌ فِي الدنْيَا وَالآخِرَةِ. لِأَن مَحَبةَ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ يَدُل عَلَى خُبْثِ النيةِ نَحْوَ الْمُؤْمِنِينَ. وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَن الْمُؤْمِنَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لاَ يُحِب لإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِلا مَا يُحِب لِنَفْسِهِ، وَلاَ يُوجَدُ فِي أُمةِ الإِسْلاَمِ مَنْ يَرْضَى لِنَفْسِهِ الرذَائِلَ حَتَى يَرْضَى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَدْ ذُيلتِ الآيةُ الكريمةُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى " وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ يَعْلَمُ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ، فَيَعِظُكُمْ لِتَجْتَنِبُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فتَحْسِبُونَ التحَدُثَ بِذَلِكَ لاَ يَترَتبُ عَلَيْهِ ضُر.(3)
الدعْوَةُ إِلَى الْفَاحِشَةِ أُسْلُوبٌ شَيْطَانِي خَبِيثٌ:
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ لاَ تَخْفَى عَلَى الناظِرِ فِي كِتَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَقَدْ رَبَطَ كِتَابُ اللهِ بَيْنَ وُعُودِ الشيْطَانِ الْخَبِيثَةِ وَوُعًودِ الْحَق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُفْضِيةِ إِلَى سَعَادَةِ الدنْيَا وَالآخِرَةِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْحَق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [سورة البقرة: 268] وَقَوْلُهُ عَز اسْمُهُ عَنِ الشيْطَانِ الرجِيمِ أَيْضاً: "إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" [سورة البقرة: 169] وقوله كذلك:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [سورة النور: 21]
إِن الدعْوَةَ إِلَى إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الإِسْلاَمِيةِ الْمُتَشَبعَةِ بِالْقَيمِ الدينِيةِ الإيمَانيةِ الراسِخَةِ فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ أُسْلُوباً خَبِيثاً، وَسُلُوكاً ظَلاَمياً فَهُوَ مُؤذِنٌ بِهَدْمِ نِظَامِ الأُسْرَةِ كَخُطْوَةٍ أُولَى تَمْهِيداً لِخَرَابِ الْعُمْرَانِي البَشَرِي كَكُل.
قَدْ يُوجَدُ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا الإِِسْلاَمِيةِ الْيَوْمَ مَنْ يَنْزَعُ إِلَى الشر بِسَبَبِ فَسَادِ طَبِيعَتِهِ، كَمَا قَدْ يَلْجَأُ بَعْضُ الْحَداَثيينَ الْحَدَثَ الأَصْغر إِلَى تَوْظِيفِ مُصْطَلَحِ الْحُريةِ تَوْظِيفاً مُغْرِضاً وَسٍيئاً فِي سَبيلِ الدعْوَةِ إلَى الْفَاحِشَةِ وَإِشَاعَتِهَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ ثَم التطْبِيعُ مَعَ الرذَائِلِ، غَيْرَ مُبَالِينَ بِقَنَاعَاتِ الأُمةِ وَنُزُوعِهَا الْفِطْري وَحُريتِهَا الْجَمَاعيةِ، وَقَنَاعَتِهَا الإِيمَانِيةِ. وَقَدْ تَصَدى الشرَفَاءُ مِنْ أَبْنَاءِ هَذِهِ الأُمةِ، الأوْفَيَاءُ لِمَبَادئِ الدينِ الإسْلاَمِي الْحَنِيفِ، لِهَؤُلاَءِ الْحَدَاثيينَ يَفْضَحُونَهُمْ عَلَى رُؤُوسِ الأشْهَادِ، وَمَعَهُمْ كِتَابُ الله، وَسُنةِ رَسُولِ الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، وَدَعَوَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بالقيمِ الإسْلاَمِيةِ السمْحَةِ"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [محمد: 7]
* الدكتور عبد القادر بطار أستاذ العقيدة والمذاهب الكلامية بجامعة محمد الأول بوجدة.
الهوامش:
(1) التكافل الاجتماعي في الإسلام، الدكتور مصطفى السباعي، الصفحة 259 دار ابن حزم، بيروت لبنان 2010.
(2) تأويلات أهل السنة، تفسير الإمام أبي منصور الماتريدي7/533 تحقيق الدكتور مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 2005.
(3) التحرير والتنوير، للشيخ الإمام الطاهر بن عاشور، 9/185 دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.