************** منذ زلزال الحسيمة ثم زلزال الحوز اكتسبت الدولة سيادتها في تدبير مآسيها، يسندها شعب غيور على هاته السيادة، وعلينا أن ندخل، بشكل نهائي وقطعي، بند الكارثة المناخية في أفقنا الوطني وسياستنا الوطنية… فالطبيعة، بدورها، امتحان سيادي. ************** نعيش فصلا غير مسبوق من حياتنا الجماعية، أمطار كانت في غيب السماء، وفيضانات لم تحصل منذ عشرات السنين بهاته القوة… لم يسبق لنا أن تابعنا بالربط الحي إجلاء ما يفوق 50 ألف من أهلنا في القصر الكبير، وبدرجة أقل في المناطق المجاورة في الغرب والشمال… في قلب السيول وغضب الطبيعة نقابل وضعا استثنائيا من التساقطات… تحدثت الأرصاد عن ما بين 100 و200 ملم، في اليوم الواحد، في أيام غائمة وماطرة… كانت السماء تشتغل معنا طول العام لتمنحنا هاته الكميات … وتجمعت في السدود كميات تفوق قدرتها الاستيعابية، وتجاوزنا الخط الأحمر، بفائض الحقينات الذي بلغ 140% امتلاء في سد وادي المخازن. الإخلاء شبه تام في مدينة القصر الكبير، وفي مناطق وأحياء بكاملها. وغير بعيد في سيدي قاسم والقنيطرة وتطوان… دواوير وأحياء بلغت دائرة الإخلاء فيها ما بين 60%و100 %، حسب درجات الغمر والتساقطات والمخاطر التي تهدد الساكنة … الأنهار فاضت عن ضفافها، وغمرت مياهها الطرقات المجاورة. غارت مدينة بكاملها تحت الماء، مشاهد قيامية حينا وأخرى سينمائية … هو ذا مغرب آخر يخرج من الماء يجمع بين الإنجيل وهوليوود … شعب من طراز الأنقياء .. لا صراخ ولا عويل ولا نرفزة… إيمان وأنفة همة وقناعات صبر ونخوة تضامن وتضامن .. (القلة التي تنبش في الكارثة مثل الجردان لا قيمة لها).. أحيانا تكفي صورة واحدة ليظهر الاستثناء: شرطي يحمل على ظهره سيدة مسنة، يقبل رأسها مثل ابن وتقبل خده مثل والدة. شباب متطوعون يحملون أثاث أسرة بسيطة، يرفع ربها رأسه بكرامة… تستمر المؤسسات والحياة السياسية، ليس دوما كما نريد للأسف… وأول مؤسسة تخلف الوعد هي الحكومة، أغلبيتها وجدت المناسبة سانحة لتصفية الحسابات، وتعبيد المسارات الانتخابية من الآن… وكان الماء مبررا معقولا لها في الحرب الدائرة وسط مناخ ماطر…. من يذكر منكم قصة الكهنة في إسطنبول أيام محمد الفاتح؟ بعض السياسيين يشبهونهم، كان الفاتح يدك أسوار القسطنطينية، التي ستصبح إسطنبول، في حين كان الرهبان يناقشون جنس الملائكة هل هم إناث أم ذكور. لا فرق هنا، بين من يغتنم الفرصة لرفع أثمنة الشمع بشكل خيالي من أجل مكاسب مظلمة، ومن «يُقطره» في السياسة، بنفس منطق الغنيمة على حساب وضع فجائعي، على من يجب أن تجرفه الفيضانات معها قبل موعد الانتخابات في نهاية العام. هناك من يجد الوقت للصراع الحاد، والدفاع عن مجالات ذاتية ضيقة، بعناد لا يستحضر رهبة اللحظة، هناك من وضع نفسه ما وراء الحدث ولسان حاله يقول: ستشرق الشمس وتعود اليابسة إلى خارطتها، المهم هو تدبيري السابق للانتخابات من الآن… وهناك من لا يعرف من الماء سوى صيفه، وهو يغادره عبر الميناء إلى الخارج… وأمام هذا المناخ الاستثنائي، مغرب استثنائي… من لم ير منكم الدولة بالعين المجردة فها هي فرصة أخرى أمامه لذلك: بأذرعها وعقلها وأقدامها وقلبها وكبدها تتحرك… تتنفس وسط الناس وتسبح في المياه الجارفة لإنقاذ الناس… وتطبخ وتطهو وتخبر الخبر .. من لم ير منكم الدولة، فهذا دليل وجودها اليوم…تدبير سيادي في مستوى الفاجعة… الدول تربي نفسها بمآسيها والخروج منها، بالحفاظ على «المورال الوطني» في عز الامتحان… وفي الالتزام الصارم بالأمن الإنساني في أوضاع لا إنسانية. هذه القدرة على ابتداع المشاهد الإنسانية في لحظات تكاد تكون مناهضة لها، هي القدرة التي راكمها الشعب المغربي طوال جواره مع الماء، وطوال جواره مع الجفاف، وطوال مواجهاته مع مزاج قاري، إفريقي أوروبي مشرقي… الدولة تجد الجواب الذي يهيكل كل الواجبات المفروض عليها القيام بها. هي في لحظة التدخل المباشر، بسيادة واضحة، وستقوم من بعد الفرج بما يجب القيام به في تأمين ما بعد الكارثة، وقبل ذلك أمامها إعلان حالة استعجال وحالة استثناء من أجل تعويض المتضررين الآن، أمام مظاهر العجز عند المواطنين… الدولة تعمل على تحميل نفسها المسؤولية، لا تختبئ وراء أي ذريعة، مع رباطة جأش تثير الإعجاب… أمام مناخ استثنائي وقف مغرب استثنائي…