أظهر تقرير رسمي أن ضعف المردودية الميدانية للمرافق الثقافية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة لا يرتبط بنقص في الاعتمادات المالية، بل يعود لاختلالات في التوزيع وإنجاز المشاريع ومناهج التدبير. وأفاد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، برسم 2024-2025، أن الجهة استحوذت على حصة رئيسية من التمويلات العمومية المخصصة لقطاع الثقافة على المستوى الترابي. وصنف التقرير جهة طنجة-تطوان-الحسيمة ضمن أربع جهات ترابية استأثرت بغلاف مالي بلغ حوالي 1,77 مليار درهم. وأوضح المجلس أن هذا المبلغ اقتطع من أصل 2,95 مليار درهم خصصت لتنمية وتدبير البنيات التحتية الثقافية على الصعيد الوطني. وشملت هذه الاعتمادات المالية المرصودة للجهات المستفيدة الفترة الزمنية الممتدة بين سنتي 2018 و2024. ويمثل هذا الغلاف المالي المذكور ما يعادل 60 بالمئة من إجمالي الموارد العمومية المرصودة ترابيا لفائدة القطاع. وسجلت المؤسسة الدستورية المكلفة بالرقابة المالية أن التوزيع الجهوي لهذه الاعتمادات لا يعكس المعطيات الواقعية على الأرض. وأشار التقرير إلى أن برمجة النفقات لم تراع دائما مؤشرات الولوج إلى الخدمات، ومعدلات الكثافة السكانية، والحاجيات الثقافية الفعلية للساكنة المحلية. ولم يوجه المجلس ملاحظاته إلى حجم الإنفاق العمومي، بل انصب افتحاصه على محدودية الأثر العملي والميداني لهذه الاستثمارات. وأوردت الوثيقة إحصائيات رسمية تبين أن الشبكة الثقافية النشيطة وطنيا توفر تغطية ديموغرافية ومجالية محدودة جدا. وحدد التقرير هذه التغطية في معدل لا يتجاوز 3,2 منشأة ثقافية لكل 100 ألف نسمة في عموم التراب الوطني. واعتبر المجلس أن هذا المؤشر الرقمي يترجم استمرار فجوة واسعة بين المجهود الاستثماري للدولة، وواقع ولوج المواطنين إلى الخدمات. وأكد التقرير أن هذه المفارقة تتجلى بوضوح أكبر في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، نظرا لوزنها الحضري والديمغرافي ضمن التقسيم الجهوي للمملكة. وأضاف أن الدينامية الاقتصادية للجهة كانت تفترض مواكبتها بعرض ثقافي أكثر تماسكا واستجابة للتطور المجالي والاقتصادي. وربط قضاة المجلس الأعلى للحسابات هذا التعثر التنموي في البنيات الثقافية بغياب معايير مرجعية دقيقة لتوجيه برمجة المشاريع سلفا. كما رصد التقرير تسجيل نواقص إدارية وتقنية متعددة في عمليات التتبع الخاصة بالمشاريع المبرمجة والتي توجد قيد الإنجاز. وسجل المجلس تأخرا واضحا في إنجاز نظام معلوماتي وطني مخصص لتتبع مشاريع البنيات التحتية الثقافية وتقييم مسارها التنفيذي. وكشفت الوثيقة أن السلطات المختصة لجأت إلى آلية فسخ الصفقة العمومية المرتبطة بهذا النظام المعلوماتي خلال سنة 2024. وعزا التقرير قرار الفسخ إلى أسباب تقنية وإدارية، في مقدمتها التأخر المسجل في وتيرة التنفيذ من قبل الشركة نائلة الطلبية. كما شملت أسباب فسخ الصفقة عدم احترام الشركة للمعايير التقنية المنصوص عليها، فضلا عن غياب جودة الإنجاز المحددة في دفاتر التحملات. وإلى جانب اختلالات البرمجة والإنجاز، خصص التقرير حيزا لمرحلة ما بعد الإنجاز والتسليم، المتعلقة بالاستغلال والتدبير. وسجل التقرير غياب إطار تنظيمي ومرجعي واضح وموحد يؤطر كيفية إنشاء وتسيير واستغلال المؤسسات الثقافية الأساسية. ويشمل هذا الفراغ التنظيمي، وفق التقرير، مراكز ودور الثقافة، والخزانات الوسائطية، والفضاءات المخصصة للعروض الفنية والأنشطة المختلفة. وأورد التقرير "دار الفنون" بمدينة طنجة كنموذج مباشر للبنيات الثقافية التي طالتها الملاحظات الرقابية بخصوص غياب إطار التدبير. وخلص التقرير إلى أن الإشكال المطروح حول المرافق الثقافية بالجهة لم يعد يقتصر على سؤال الموارد المالية والاعتمادات الميزانياتية. وبات السؤال المركزي، وفق المجلس، يتعلق بمدى الإدارة الفعلية لتحويل هذه الموارد إلى مرافق تشتغل بانتظام وتؤدي خدمة عمومية. وشددت الخلاصات على ضرورة ضمان وصول هذه المرافق للجمهور المستهدف، وإخضاعها لتوزيع عادل يراعي مبدأ النجاعة والإنصاف المجالي. ووضع المجلس ملف تدبير الثقافة بجهة الشمال داخل ما أسماه "اختبار الأثر"، معتبرا إياه المعيار الحقيقي لتجاوز منطق الأرقام المجردة في السياسات العمومية. وتندرج هذه الملاحظات ضمن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الذي يعرض تقييما شاملا لتدبير المالية العامة والسياسات العمومية بالمغرب. ويشكل التقرير وثيقة مرجعية ترصد مدى التزام القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية بمبادئ الحكامة الجيدة والمحاسبة والمردودية. ويعتمد المجلس في صياغة تقاريره على مهام رقابية ميدانية تبحث في نجاعة الأداء ومدى تحقيق المشاريع للأهداف المحددة لها قانونيا.