ترأس امير المؤمنين الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، مساء الإثنين بالقصر الملكي في العاصمة الرباط، مراسم الحفل الديني السنوي المخصص لإحياء ليلة القدر. ويمثل هذا الموعد، الذي يندرج ضمن التقاليد البروتوكولية العريقة للمملكة، محطة رئيسية لإبراز المركزية الدستورية للمؤسسة الملكية في هيكلة وتدبير الشأن الروحي للبلاد. ورافق الملك محمد السادس خلال هذه المراسم، التي تزامنت مع ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان (16 مارس 2026)، ولي العهد الأمير مولاي الحسن، والأمير مولاي رشيد، والأمير مولاي أحمد. وتميز الحدث بحضور مكثف لمسؤولي الدولة، تقدمهم رئيس الحكومة، ورئيسا غرفتي البرلمان، ومستشارو الملك، وأعضاء التشكيلة الحكومية، إلى جانب ممثلي السلك الدبلوماسي للدول الإسلامية المعتمدين بالرباط، وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية. وشهد الحفل، الذي نُظم مباشرة بعد أداء صلاتي العشاء والتراويح، إتمام قراءة كتاب "صحيح البخاري"، وهو تقليد ديني مؤسساتي دأبت عليه المساجد والزوايا المغربية طيلة أيام الشهر الفضيل. وتولى إدريس بن الضاوية، رئيس المجلس العلمي المحلي لمدينة العرائش، عملية ختم الحديث النبوي، وذلك عقب قراءة تمهيدية ل"حديث الختم" قدمها المصطفى زمهنى، رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة بني ملال-خنيفرة. ويُبرز الإشراك المباشر لرؤساء المجالس العلمية، المحلية والجهوية، في هذه التظاهرة الرسمية، التراتبية الإدارية الدقيقة للحقل الديني في المغرب. وتعمل هذه المجالس تحت الإشراف المباشر ل"المجلس العلمي الأعلى"، الذي يرأسه الملك شخصياً، وتضطلع بمهام محورية تشمل التأطير الميداني للمواطنين، وضبط عمليات إصدار الفتاوى، وحماية الأمن الروحي وفق الثوابت الدينية الوطنية المرتكزة على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني. وتُعد هذه الهيكلة أداة استراتيجية في السياسة العمومية الرامية إلى تحصين الفضاءات الدينية من الاختراقات الإيديولوجية وتيارات التطرف. وفي إطار السياسة الرسمية الموجهة لدعم منظومة التعليم العتيق وتحفيز الناشئة، استمع الحاضرون لتلاوة قرآنية أداها الطفل زيد البقالي (10 سنوات، المتحدر من مدينة سلا)، والذي تسلم من الملك "جائزة الطفل الحافظ". وتندرج هذه الجائزة ضمن استراتيجية متكاملة ترعاها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لضمان استمرارية مؤسسات حفظ القرآن، باعتبارها النواة الأولى للتنشئة الدينية في البلاد. وعلى مستوى تشجيع البحث الأكاديمي في العلوم الشرعية، أشرف الملك محمد السادس على توزيع عدد من الجوائز السنوية المرجعية. وفي هذا الصدد، سُلمت جائزة محمد السادس ل"أهل القرآن" إلى أحمد طلحى من مدينة فاس، بينما آلت جائزة محمد السادس ل"أهل الحديث" لعدنان زهار من مدينة الجديدة. وتستهدف هذه التكريمات إبراز جهود المتخصصين في تحقيق التراث الإسلامي، وتشجيع القراءات العلمية والمعتدلة للنصوص. وامتدت الجوائز لتشمل الإدارة البيداغوجية لمؤسسات التعليم الأصيل، من خلال تسليم "جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية" الموزعة على ثلاثة فروع متخصصة. وعادت جائزة "منهجية التلقين" لعبد اللطيف جلال من مدينة اليوسفية، وجائزة "المردودية" لمرزوق آيت عمران من شفشاون، فيما نال عبد اللطيف ابوها من شيشاوة جائزة "التسيير". ويعكس هذا التصنيف المنهجي توجهاً حكومياً نحو عصرنة آليات الإدارة داخل الكتاتيب والمدارس العتيقة، لضمان توافقها مع المعايير التربوية الحديثة. كما تم تسليط الضوء على فئة المؤذنين، حيث سلم الملك جائزة محمد السادس للأذان والتهليل بفرعيها. وحصل عبد الرحمان بنباقة من مراكش على الجائزة التقديرية، في حين مُنحت الجائزة التكريمية لمحمد بطوط من المحمدية. وتكتسي العناية بمؤذني المساجد أهمية تنظيمية في تدبير الفضاءات الدينية التي تخضع لوصاية الدولة المباشرة. واختتمت المراسم برفع الأدعية البروتوكولية المعتادة للملك وللأسرة الملكية، والترحم على الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني. ويشكل إحياء هذا الحفل، الذي يُبث عبر القنوات والإذاعات العمومية، تجسيداً عملياً لصفة "إمارة المؤمنين" التي يتأسس عليها النسق الديني في المغرب. وبموجب الوثيقة الدستورية لعام 2011، يضطلع الملك بمهام الحماية الحصرية للدين، وهو ما يوفر إطاراً مرجعياً يمنع استغلال الشأن الديني في المزايدات السياسية الداخلية. إلى جانب ذلك، يحمل الحضور الوازن للدبلوماسيين المنتمين للدول الإسلامية في هذا الموعد دلالات ترتبط بالإشعاع الخارجي للنموذج الديني المغربي. وتوظف الرباط هذا الرصيد الروحي والتاريخي في إطار دبلوماسية دينية نشطة، خصوصاً في القارة الإفريقية، عبر مبادرات مؤسساتية رائدة مثل "معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات" و"مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة"، بهدف نشر قيم الاعتدال والحد من تمدد الحركات الراديكالية.