من المرجح أن تشكل عودة الاتحاد الاشتراكي إلى المعارضة التي مارسها لعقود بداية لتحول في العمل السياسي المغربي، يكون من نتائجه إعادة تشكل المشهد السياسي على أسس أكثر وضوحا وانسجاما، وأقرب الى الصورة الطبيعية التي ينبغي أن تكون عليها التعددية السياسية. لقد قرأ الاتحاديون، هذه المرة، الرسالة التي وجهها لهم الناخبون القراءة الصحيحة والإيجابية، فتجنبوا الطعم الذي أغراهم به الحزب الفائز في الانتخابات، واختاروا النهج الذي بإمكانه أن يساهم في انتقال الممارسة السياسية في بلادنا من العبثية والخلط، إلى السلوك المنطقي الذي يطبع الحياة الديمقراطية، ويطورها، ويعقلن المشهد السياسي لينتج أقطابا متجانسة فيما بينها: قطب محافظ يرأسه في هذه المرحلة حزب العدالة والتنمية وقطبان حداثيان، أحدهما ليبرالي يتزعمه حزب الأصالة والمعاصرة، والآخر يساري تقوده الاشتراكية الديمقراطية التي يمثلها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. لكن هذه الصورة التي يحلم بها كل من يؤمن بضرورة انتقال الحياة السياسية في بلادنا إلى مرحلة متقدمة منسجمة مع النظام الديمقراطي مثل ما هو متعارف عليه، لن تكون مكتملة إلا إذا اختار كل تنظيم سياسي التموقع في المكان الطبيعي الذي تضعه فيه اختياراته المذهبية والسياسية. وهذا ما يطرح على حزب التقدم والاشتراكية مسؤولية كبيرة. إن مشاركته في حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية سوف يشوش على هذه الصورة، فهو حزب ينتمي إلى اليسار، أدبياته تتبنى قيم الحداثة، وبالتالي فإنه يوجد في منعرج تاريخي بالنسبة لمستقبله؛ إذا اختار الانسياق وراء دعوة رئيس الحكومة المعين، وانضم إلى فريقه الحكومي فإنه قد يجد نفسه مطوقا بقوى محافظة، ومضطرا لتبني اختيارات تتناقض مع هويته، لأن قوته الانتخابية لا تجعل منه معادلة مؤثرة وفاعلة في القرارات الحكومية المقبلة. أما إذا تمرد على قوة جاذبية الالتصاق بالكراسي الحكومية، وعاد إلى المعارضة، فإنه سوف يساعد على التعجيل بإعادة ترتيب المشهد السياسي المغربي ترتيبا عقلانيا، ويحافظ على مكانته وسط عائلته السياسية. فأي الطريقين سوف يختار حزب علي يعتة، وعزيز بلال، وعبد السلام بورقية، وشمعون ليفي وغيرهم من رواد الحركة التقدمية؟ المشهد السياسي المغربي ينتظر، رغم أن الانطباع الذي تتركه تحركات بعض قيادييه يرجح قبوله المشاركة الحكومية.