يوم بيوم نورالدين مفتاح يكتب: عين ميكا نور الدين مفتاح نشر في 25 ديسمبر 2025 الساعة 12 و 45 دقيقة منذ أن كنت صحافيا ميدانيا بيومية «الاتحاد الاشتراكي» قبل أكثر من 35 سنة أغطي أو بالأحرى أعري بعض الكوارث الطبيعية، ونفس السيناريو يتكرر. تقع المأساة، تذرف الدموع، تصدر بلاغات إجراء التحقيقات، يدفن الضحايا، وتنصب الخيام البلاستيكية للمتضررين الأحياء، ثم ينسى الموضوع. نعم، لقد تغير وجه المغرب لدرجة أن من زاره قبل 35 […] نور الدين مفتاح [email protected]
منذ أن كنت صحافيا ميدانيا بيومية «الاتحاد الاشتراكي» قبل أكثر من 35 سنة أغطي أو بالأحرى أعري بعض الكوارث الطبيعية، ونفس السيناريو يتكرر. تقع المأساة، تذرف الدموع، تصدر بلاغات إجراء التحقيقات، يدفن الضحايا، وتنصب الخيام البلاستيكية للمتضررين الأحياء، ثم ينسى الموضوع.
نعم، لقد تغير وجه المغرب لدرجة أن من زاره قبل 35 سنة قد لا يعرفه اليوم، وخصوصا في المدن الكبرى النافعة، ولكن الذي لم يتغير هو العمق الحزين أو الجزء المتخلى عنه في المغرب العميق. في هذا الجزء المترامي الأطراف خصاصا وإقصاء وتهميشا، يترعرع الفساد، وعندما يجتمع الإهمال والفساد فإننا نكون دوريّاً أمام الفواجع. وأعتقد أن هذا هو جوهر ما جرى في فاس وبعدها في آسفي. 22 شهيدا في حادث سقوط عمارتين في ما يسمى بالعاصمة العلمية للمملكة، ولم يبق من هذه العاصمة إلا ذكرى وحنين. والواقع أن الذي سقط في حي المسيرة لم يكن إلا علبتان موقوتتان بنيتا خارج الضوابط القانونية فظلتا فخّاً لتصيد الموت. وهو ما جرى بكل أسف ليعري عن جزء من هذا الاستهتار بحياة مواطنين يحسبون فعليا من درجة دنيا. فهل يعقل أن تعيش مدينة كفاس بدون مخطط تهيئة منذ عقد ونصف العقد؟ هل يعقل أن ندفع الناس لبناء دورهم بأنفسهم بلا ضوابط من أجل أن نسجل في دفتر الإنجازات أن المدينة أصبحت بلا مدن صفيح؟ هل يمكن أن تبنى الطوابق غير القانونية دون أن يعرف بهذا المقدم والشيخ والقائد والعامل ومصالح البلدية وجمهرة من العيون التي لا تنام عما تريد وتنام متى تريد في ما يعرف «عين ميكا»؟
هذه المدينة درس في التاريخ لمن يريد أن يعتبر! أهل فاس في المخيال العام هم أهل النفوذ والثروة، ولكن مدينتهم اليوم كئيبة وكأن القدر قرر أن ينزل عليها ستائر النسيان، ولم نعرف لفاس ركزا إلا في 1990 عندما انفجرت فيها الاحتجاجات الاجتماعية وواجهتها قوات الأمن بالرصاص الحي، وحينها تحدث الراحل الحسن الثاني في خطاب شهير عن أحواز فاس. والواقع أن ما كان أحوازاً تحول اليوم إلى متن مدينة توالى على تدبيرها بعض الحمقى وبعض الأميين من أبطال الجشع والوصولية. وقد يتذكر البعض خوارق عمدة اسمه حميد شباط، ليس لأنه أراد أن يجلب البحر للمدينة، أو أن يبني فيها «برج إيفيل»، ولكن لأنه، وبدون أن يرف له جفن، أكد علانية أن الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام ذكر فاس في حديث شريف !! ولم يكتف بذلك، بل كاد يرفع نفسه إلى مقام الأنبياء وهو يدفع لجريدة آنذاك لتتصدر صورته البهية الصفحة الأولى مع عنوان بالبنط العريض: «إنا رفعنا لك ذكرك»!!!
نحن لا نقول «طاحت الدار علقو شباط»، ولكن نستحضر تاريخ أفول عاصمة علمية يتحمل مسؤولية قتلها الجميع. هذه المدينة التي من المفروض أن تكون تراثا عالميا ها هي اليوم تحصي قتلاها في انتظار ضحايا آخرين، لأن أحياء الموت والدور الآيلة للسقوط والبناء العشوائي أصبحت أكبر من الأرصدة الحرام التي جمعها من تآمر على المدينة وسمح بخلق هذا الواقع البشع لمدينة مثقلة بالتاريخ ومجروحة في كبريائها بالحاضر.
بعد أيام فقط، وعلى بعد 500 كلم ونيف، كانت الطبيعة قد عرت ما ظل مغطى بغربال الفساد أيضا. فساعة واحدة من التساقطات المطرية القوية أغرقت آسفي وأودت بحياة 37 قتيلاً تقبلهم الله شهداء عنده. كنت قد أنجزت قبل 30 سنة تحقيقا عن المدينة ليومية «الاتحاد الاشتراكي» عنونته ب «أسفي على آسفي»، وزرتها عشرات المرّات بعد ذلك، والواقع أنها لم تكن تزيد، مع مرور الوقت، إلا تقهقرا وإهمالا. إنها جزء من المغرب غير النافع باختيار مع اختلاف جوهري وهو أنها مدينة مهمشة بثروات فوسفاطية غنيّة، وفي حين تنقل الثروة لخارج آسفي، يبقى لمدينة الفخار والسردين مجرد التلوث والأمراض.
يقول قائل إن الكوارث الطبيعية تقع في أغنى البلدان، وهناك أعاصير تودي بحياة الناس في أمريكا أيضا، ولكن ما يتجاهله القائل هو أن جزءا صغيرا من إعصار كاترنيا لا قدر الله لو ضرب آسفي لمحاها من الخريطة، وأن ساعة الأمطار التي خلفت 37 شهيدا ما كان لها في بلد لا ينخره الإهمال والفساد أن تترك فاجعة كالتي ضربت البسطاء في حي الشعبة، فهل يعقل أن يسمح بالبناء في مجرى وادي؟ هل يقبل أن يُبنى سور للوقاية من تسونامي محتمل ويتم تضييق مصب الوادي؟ من رخص لهذا الخطر الداهم؟ من ساعد الطبيعة على أن تتحول إلى سلاح ضد المواطنين العزل؟ مرّة أخرى تخبرنا السلطات في بلاغ رسمي بأنها فتحت تحقيقا. جميل، ولكن، ماذا بعد؟ وأين هي مآلات التحقيقات السابقة في كل الفواجع والمواجع؟ فنحن لسنا طارئين على الكوارث. ألم يغرق الجنوب الشرقي في فيضانات كاسحة في أكتوبر 2024؟ ألم نعلن كلميم مدينة منكوبة سنة 2014 بسبب الفيضانات؟ من لا يتذكر ما جرى في طنجة عندما غمرت المياه شوارع المدينة وقضى 28 من العمال غرقا داخل معملهم؟ من يتذكر فيضان أوريكا في غشت 1995 الذي خلف 289 قتيلا وكانت حكاية مماثلة لمأساة آسفي بحيث كان القاتل هو مجرى الوادي؟ والسؤال الأهم هو كم من حي في كم من مدينة مشيد على مجاري الوديان؟ كم من أحياء يمكن أن تدك دكّا بحركة صغيرة على سلم ريشتر في كم من مدينة؟ هل هناك خريطة لمعازل الموت في البلاد؟
إن الكوارث الطبيعية لها كلفة بشرية لا تقدر بثمن، ولكن لها أيضا كلفة اقتصادية قدرها البنك الدولي بالنسبة للمغرب بستة ملايير درهم سنويا، وقدرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بثمانية ملايير درهم نصفها ناجم عن الفيضانات وحدها. ولنكن أكثر دقة، فالذي يسبب هذه الخسائر الفادحة ليس غضب الطبيعة كما أسلفنا، ولكن تدبير هذا الغضب، وعلى من يريد الدليل الرجوع إلى تقرير هذه المؤسسة الدستورية المغربية التي لا يمكن أن نتهمها بالتحامل.
المفارقة أن جعبة المملكة مليئة بالبرامج التي تستهدف الكوارث الطبيعية، بل قد تبدو أكثر من اللازم، ومنها المخطط الوطني للحماية من الفيضانات، والمخطط العام لتنظيم الإغاثة، واستراتيجية الحد من المخاطر الطبيعية الناجمة عن التقلبات الجوية، ووصل الأمر إلى درجة إحداث مديرية خاصة بإدارة مخاطر الكوارث الطبيعية بوزارة الداخلية، وتوج هذا ببلورة الاستراتيجية الوطنية لتدبير الكوارث الطبيعية 2020-2030. ولكن، وآه من ولكن! كل هذا تبخرت مصداقيته مع زلزال الحوز الذي خلف ما يقارب 3000 من القتلى تغمدهم الله جميعا برحمته. وبعد الزلزال اضطر المغرب لخلق وكالة خاصة بتنمية الأطلس الكبير، ويبدو جليا للعيان أن هذا التراكم في العناوين البراقة للمخططات والاستراتيجيات ما هو إلا ترف مكتبي تجني من ورائه بعض مكاتب الدراسات الأموال فيما تتهاوى أركانه مع أبسط اختبار في الواقع.
وللأسف، كل الطرق في المملكة تؤدي إلى مغرب السرعتين، والمشكل أن هذا التشخيص الذي يحظى بالإجماع لا يواكبه فعل ملموس للتقريب بين هذين المغربين، بل أكاد أقول إن الهوة تتسع لأن وجه السياسة اليوم في البلاد لا يَسرّ الناظرين، وها هم ضحايا فاسوآسفي شاهدون على تدبير فاشل وفاسد. فرحم الله الضحايا وألهمنا جميعا الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.