في خضمّ تصاعد التوتر غير المعلن بين السعودية والإمارات، اختار المغرب تموقعاً لافتاً يقوم على الصمت المدروس والحياد الإيجابي، مبتعداً عن منطق الاستقطاب ومحاور الاصطفاف، في صراع يوصف إعلامياً ب"حرب الإخوة". لكنه في العمق يعكس تحوّلات عميقة في موازين القوة داخل الخليج والمنطقة ككل.
حياد مغربي محسوب
لا يُقرأ الموقف المغربي من زاوية الغياب أو التردد، بقدر ما يُفهم باعتباره خياراً دبلوماسياً واعياً، يستند إلى عقيدة راسخة في السياسة الخارجية للمملكة، قوامها عدم التدخل في الخلافات البينية للدول الشقيقة، والحفاظ على جسور التواصل مع جميع الأطراف. فالرباط، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية ومتينة بكل من الرياض وأبوظبي، تدرك أن الانحياز العلني لأي طرف لن يحقق مكاسب حقيقية، بل قد يكلّفها دورها التقليدي كفاعل متوازن ووسيط موثوق.
هذا النهج سبق أن تبنّاه المغرب في أزمات إقليمية مشابهة، أبرزها الأزمة الخليجية مع قطر سنة 2017، حيث فضّل الملك محمد السادس الحياد العملي، مقروناً بمبادرات إنسانية ودعوات غير مباشرة للحوار، ما عزز صورة المغرب كدولة تضع الاستقرار الإقليمي فوق الحسابات الظرفية.
كواليس الصراع: من تحالف وثيق إلى تنافس مفتوح
خلف هذا الحياد المغربي، تتكشف كواليس صراع خليجي يتجاوز حادثة أو ملفاً بعينه. فبحسب تحليل أندرو إنغلاند، محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة فايننشال تايمز، لم تكن شحنة الأسلحة التي رست في أحد الموانئ اليمنية سوى الشرارة التي أخرجت الخلافات المكتومة إلى العلن، بعد اتهام الرياض لأبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وما تبع ذلك من قصف سعودي للشحنة وتصعيد سياسي غير مسبوق.
غير أن اليمن، وفق معظم القراءات، ليس سوى ساحة من ساحات التنافس. فالصراع بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد يعكس رؤية متباينة للقيادة والنفوذ: السعودية ترى أن ثقلها الديمغرافي والديني والاقتصادي يمنحها موقع القيادة الطبيعية، فيما تعتبر الإمارات أن مرونتها، ونفوذها المالي، وعلاقاتها الغربية، تؤهلها لريادة إقليمية أكثر انسجاماً مع التحولات العالمية.
تنافس اقتصادي ونفطي.. وتضارب رهانات إقليمية
امتد هذا التباين إلى ملفات الاقتصاد والطاقة، حيث فجّرت قرارات الرياض في 2021، الرامية إلى نقل المقرات الإقليمية للشركات الكبرى إلى السعودية، توتراً مباشراً مع دبي كمركز مالي تقليدي. كما ظهرت الخلافات داخل تحالف "أوبك+" حول حصص الإنتاج، إضافة إلى تباينات حادة بشأن سوريا، والسودان، ومقاربة الحركات الإسلامية في المنطقة.
وفي السودان تحديدا، بلغ التناقض ذروته، مع دعم الرياض للمؤسسة العسكرية باعتبارها ممثلة للدولة، مقابل مقاربة إماراتية ترى في الجيش بنية مخترقة من الإسلاميين، وهو ما وضع البلدين على طرفي نقيض في حرب أهلية معقّدة، زادت منسوب الشكوك وانعدام الثقة.