لكريني: الدول العربية مطالبة باستثمار الإمكانيات في التكتل أمام التحديات    التنسيق النقابي بالحسيمة يقرر التصعيد احتجاجاً على اختلالات التدبير وتدهور العرض الصحي    نزار بركة يقود لقاء تواصليا بشفشاون لتعزيز التعبئة الحزبية استعدادا للاستحقاقات البرلمانية المقبلة    تعليق جميع الرحلات الجوية بمطار برلين يوم الأربعاء بسبب إضراب    إرسموكن: جمعية بورجيلات للتنمية والتعاون تحتفي بليلة القدر المباركة بفقرات دينية متنوعة    أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر    نيران صديقة بأغلبية جماعة تطوان تخلق ترشيحات وهمية لإسقاط "تحالف البكوري"        مجلس المنافسة يدعو إلى تسريع ولوج الأدوية للسوق وتقليص آجال الترخيص إلى سنة واحدة            أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر المباركة            توقيف 5 أشخاص ضواحي وادي زم للاشتباه في تورطهم في ترويج الكوكايين ومحاولة قتل شرطي    علي خامنئي أوصى باختيار مرشد غير إبنه.. كواليس اختيار المرشد الأعلى الجديد لإيران    الجيش الأمريكي يعلن إصابة 200 من عناصره في سبع دول منذ بدء الحرب على إيران    تداولات إغلاق البورصة بلون الأخضر        إعلام عبري: سقوط شظايا صاروخية قرب الكنيست ومكتب نتنياهو بالقدس    رخصة "مقهى" تتحول إلى مخبزة تعجّ بالصراصير بطنجة... مخالفات خطيرة تجر أصحاب محلات إلى القضاء    تأجيل محاكمة مغني الراب "الحاصل"    المنتخبون واحتقار المسرح    تقديم "حدائق درب مولاي الشريف"    تقلبات جوية مرتقبة في جهات المغرب .. زخات مطرية وثلوج قبيل عيد الفطر    "قفة المؤونة" تعود للسجون في العيد    غلاء المحروقات يعيد طرح التساؤلات حول المخزون الاحتياطي ومعايير تغيير السعر    شظايا ‬الحرب ‬الأمريكية ‬الإسرائيلية ‬على ‬إيران ‬تصل ‬المغرب ‬بزيادات ‬في ‬أسعار ‬المحروقات    فيلم "معركة تلو الأخرى" لبول توماس أندرسون يتصدر جوائز الأوسكار لعام 2026    حصري: الثقافة المغربية تحل ضيف شرف على معرض الكتاب في المكسيك    894 ألف منصب شغل مباشر في قطاع السياحة سنة 2025 (وزارة)    دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.. ريال مدريد يستعيد خدمات بيلينغهام وكاريراس إضافة لمبابي    المغرب التطواني يحافظ على صدارة القسم الثاني ووداد تمارة يواصل المطاردة    "لا كورونيا" تنسحب من استضافة كأس العالم 2030    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من تهديد منشآت التصدير في الشرق الأوسط    خوان لابورتا يكتسح الانتخابات ويواصل قيادة برشلونة حتى 2031    إيران تؤكد الاستعداد للمضي في الحرب    تقدم حزب "فرنسا الأبية" اليساري في الانتخابات البلدية بفرنسا يبعث إشارات سياسية مبكرة نحو رئاسيات 2027    ترامب يطلب مساعدة 7 دول في تأمين مضيق هرمز    مطار دبي يستأنف الرحلات تدريجيا    23 شتنبر: بداية رهان التغيير مع الاتحاد        جوزيب بوريل: منارة أوروبا الأخلاقية دُفنت تحت أنقاض غزة    تعادل إيجابي يحسم مواجهة الوداد وأولمبيك آسفي في ذهاب ربع نهائي "الكاف"    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءات رمضانية… مساهمة نظرية جماعية حول نموذج للتديّن الإسلامي في أوروبا
نشر في الدار يوم 26 - 04 - 2022

ضيف هذا العرض كتاب جماعي تضمن قراءات استباقية، أخذاً بعين الاعتبار ما سنعاينه سنوات بعد تنظيم المؤتمر الذي تضمن هذه المداخلات.
يتعلق الأمر بكتاب "الإسلام في أوروبا: أي نموذج؟"، ويروم تأمل واقع الإسلام والمسلمين في القارة الأوروبية، وهو تجميع لمجمل المداخلات التي ميزت أشغال الندوة الدولية المنظمة من قبل مجلس الجالية المغربية بالخارج، بالدار البيضاء (صدر الكتاب عن منشورات "مفترق الطرق" وجاء في 251 صفحة.
تفرعت فصول العمل على أربعة أقسام تحت العناوين التالية: "جغرافية الإسلام في أوروبا"، حيث نطلع على مشاركة أليسّاندمور فيراري، جوسلين سيزاري، هانك فروم وبريجيت مارشال)؛ "الإسلام الأوروبي وإشكالية المرجع" (خالد حاجي، رود بيترز، أليكس سيغليرس غوميس كينتيرو، فرانك فريغوزي، فرانسيس ميسنير، جاك ريفلي وخيما مارتين مونيوث)؛ مائدة مستديرة حول "المرجعية والممارسات لدى النساء والشباب المسلمين في أوروبا" (إريك جوفروا، ناتالي كاكبو، وختيمة بوراس)؛ وأخيراً، "السياق الأوروبي والنموذج المغربي" (عبد الكريم عكيوي وعبد الحميد العلمي).
افتتحت مداخلات هذا العمل عبر كلمة عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، مشيراً بداية إلى هذه الندوة الدولية، تروم على الخصوص طرح أسئلة حول مدى قدرة الإسلام والمسلمين على التأقلم مع الواقع القانوني أو المحيط الثقافي الديني الأوروبي الذي لم يسبق لهم أن عاشوا فيه، باعتبار أن الإسلام كان دائماً يعيش في محيط إسلامي ذي أغلبية إسلامية، أما الآن فإنه يعيش في محيط باعتباره أقلية، وبالتالي، مهم جداً الانكباب على نطرح أسئلة تتعلق بمدى قدرة الإسلام على إبداء الأجوبة الواضحة على الأسئلة الجديدة المطروحة عليه في هذا المجتمع بكل خصوصياته القانونية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
ومن بين الأسئلة التي انصبت عليها أشغال هذه الندوة الدولية، مدى قدرة المسلمين على معرفة الواقع الذي يعيشون فيه، حيث اتضح في خلاصات ندوة دولية سابقة نظمها مجلس الجالية في فاس، وتطرقت لإشكالية الوضع القانوني للمؤسسات الإسلامية في أوروبا، أن هناك نقصاً كبيراً في معرفة الواقع الذي نعيش فيه بكل أبعاده وخلفياته الدينية والتاريخية والسياسية، مما يتطلب الاستفسار عن مدى قدرة المسلمين على معرفة الذات الإسلامية بكل أبعادها الدينية والتاريخية، ومدى قدرتهم على رسم الحدود داخل هذه الذات، بين ما هو مقدس وبين ما هو إنتاج بشري قابل للتغيير والتطوير وإعمال النظر.
ولأنه يصعب اختزال مجمل ما صدر عن جميع المتدخلين والمشاركين في أشغال هذه الندوة الدولية، فقد ارتأينا التركيز على ثنايا بعض المداخلات، دون التقويم أو التقليل من أهمية باقي المداخلات بالطبع.
نبدأ بالذي جاء على لسان أليسّاندمور فيراري، الأستاذ بجامعة إنسوبريا الإيطالية، ويرى أن الدين لم يمت في أوروبا، وأننا نعاين اليوم ما يصفه بالبناء الصامت لنموذج هجين مشترك، والأمر أشبه بثمرة تقارب مختلف النماذج الوطنية، حيث يبدو أن أنظمة أوروبا الجنوبية الكاثوليكية، الموقعة على معاهدة مع البابوية، والأنظمة الانفصالية بالوسط والشمال والأنظمة القائمة على حضور كنيسة للدولة أو كنيسة سائدة مثل الملكيات الاسكندنافية واليونان الأرثوذكسية تتفق على نموذج يتميز بسمو الحرية الفردية واستقلال المعتقدات الدينية والتعاون الانتقائي بين المؤسسات العمومية والمجموعات الدينية.
كما وَجّه فيراري الدعوة إلى المجموعات الدينية (بما في ذلك الأقلية الإسلامية)، بأن تجعل أصواتها متناغمة مع السمفونية الأوروبية الكبرى، وأن تعمل جاهدة على أن تجد في مصادرها المؤسسة ما يجمعها في توافق مع الفاعلين الاجتماعيين الآخرين، وهو وحده الكفيل بإضفاء المشروعية على العمل العمومي للأديان؛ فالحقوق الوضعية يضيف فيراري، تحمل معها إذن من بعض الجوانب الحرية الوضعية إيشياه برلين، أي حرية التفكير على شاكلة ما تطلبه الأغلبية.
أما جوسلين سيزاري، إحدى الأسماء الغربية التي انخرطت منذ عقدين في تقييم واقع الإسلام في الغرب بشكل عام، واشتهرت على الخصوص بكتابها "هل يجب التخوف من الإسلام" (صدر سنة 1997)، وسبق أن خصصنا لها حلقة في برنامج "بستان الكتب" بقناة موقع "الدار" على "يوتيوب"، حيث اعتبرت أن الوضع الاجتماعي والمدني للدين يُشكل (ضمن عوامل أخرى) عاملاً حاسماً في مسلسل اندماج المسلمين في بأوروبا، من منطلق أن اللائكية الأوروبية كانت تعني دائماً أن تفاعلات السلطة السياسية مع المؤسسات الدينية كانت محايدة، مضيفة أن الإسلام الأوروبي مطبوع أيضاً بتعدد الوضعيات والظروف التي تعكس الخصائص السياسية والثقافية لمختلف البلدان الأوروبية، أكثر مما تعكس طبيعة الإسلام الواحد. ومن المدهش، كما تلاحظ سيزاري، أن نلاحظ أن قدوم المهاجرين المسلمين قد فتح في كافة أرجاء أوروبا نقاشا كنا نعتقد أنه أغلق من قبل هو: "العلاقة بين الدولة والأديان".
أما أهم خلاصة مداخلة سيزاري، بخصوص مستقبل للمسلمين في أوروبا، فلا تخرج برأيها عن ثلاثة سيناريوهات مُمكنة: القبول أو التجنب أو المقاومة، مؤكدة أن هذه المواقف الثلاثة الممكنة تُجسد خلفية تعدد الخطابات والأعمال باسم الإسلام، وتُبين أن هذه الخطابات تستهدف المسلمين أو غير المسلمين. ويعني القبول أن المسلمين يقبلون الخطاب السائد مرفوقاً بفقدان للذاكرة الثقافية وبرغبة قوية في الاستيعاب، مؤكدة أن هذا التوجه يبقى هامشياً بين صفوف المسلمين المهاجرين؛ في حين يحل التجنب إلى سلوكات أو إلى خطابات تحاول فصل المجتمعات الإسلامية عن البيئة غير الإسلامية، من خلال بلورة على سبيل المثال، استعمال طائفي للمعتقدات الإسلامية؛ أما المقاومة، فتعني رفض الوضع القانوني الممنوح للإسلام في السياسات والخطابات السائدة، موضحة أن المقاومة ليست عنيفة بالضرورة، بحيث يمكن أن يتعلق الأمر مثلاً باعتماد وجهة نظر تتعارض مع وجهة نظر الخطابات السائدة وإنتاج أدبيات غزيرة تشتغل بمثابة تمجيد للإسلام، وتقصد على الخصوص الخطاب الإسلاموي، والذي أصبح حاضراً في الساحة الأوروبية مع عدة تيارات، إخوانية وسلفية وهابية وغيرها.
بالنسبة لهانك فروم، الأستاذ بالجامعة الحرة لأمستردام، فقد وَجّهَ رسالة صريحة إلى الفقهاء المسلمين المقيمين في القارة الأوروبية، معتبراً أن هؤلاء معنيون بأن يتعاملوا مع الجيل السابق ومع الشباب المسلم الفقير الذي يعيش بالضواحي المهمشة، ومع الأميين والمتعلمين والمثقفين والمهنيين جميعهم. إذ يجب أن ينتظر الإمام حتى يأتي الناس إلى المسجد، وإنما يتعين عليه أن ينظم مجتمعاً مسلماً في ظل أغلبية غير متدينة، ومضيفا أنه لم يعد مُمكناً للفقهاء المسلمين أن يستمروا في الاعتماد على رعاية الدولة، بل يجب عليهم أن ينظموا أنفسهم ويتحملوا مسؤولياتهم في أوساط المسلمين وداخل المجتمع ككل.
نأتي لمداخلة بريجيت مارشال، أستاذة ومديرة المركز متعدد التخصصات لدراسات الإسلام في العالم المعاصر، بالجامعة الكاثوليكية للوفان ببلجيكا، ففي معرض فهم التطورات على نحو منهجي أكبر، اعتبرت أنه يجب دراسة ثلاث معاينات وآفاق شاملة في الحقبة الراهنة دراسة دقيقة، وهي: تعددية الاتجاهات؛ الطابع المتغير للثقل الخاص بكل واحدة من الحركات؛ وبروز استقطابات جديدة تخترق الحركات من الداخل.
وتضيف مراشال، أن القوة والوزن النسبي للحركات يتغيران في الزمان، علماً بأن المصالح والرهانات تطرأ عليها تعديلات، معتبرة أن ما كان يهيمن في أوروبا السبعينات هو إسلام تقليدي، قائم على التقوى حتى وإن ظهر، على العموم، بأن المعطى الديني ظل آنذاك محدوداً في الدائرة الخصوصية بل وكان أقل رسوخاً. وفي الثمانينات لوحظ بروز إسلام دعوي يشدد على الممارسة ويقدم مجموعة من المعالم المعيارية المتعلقة بالسلوك وكان ممثلا أساساً بجماعة "الدعوة والتبليغ"، وقد ظلت هذه الأخيرة ذات وزن داخل المجموعات الهند باكستانية والمغاربية إلى غاية منتصف التسعينات. ولوحظ بموازاة ذلك استقرار محصور نسبياً لشبكات إسلامية جاءت لتنافس الإسلام التقليدي وقد كان اهتمامها منصباً على الخارج بشكل خاص. وفي التسعينات بدأ مجموع الجالية المسلمة يتحسن آثار الدعاية الموسعة لصالح الشعارات الإسلامية التي تعدت محيط شبكات المنفيين السياسيين والطلاب.
ومن بين أهم أنماط التديّن الإسلامي التي توقفت عندها الباحثة، نجد أنها أحصت ستة اتجاهات كبرى: هناك في المقام الأول، إسلام تقليدي مصبوغ بالتقوى، ويبدو أحياناً أن تشجيعه قد أصبح رهاناً حقيقياً بالنسبة لبعض دول المنطقة العربية، وذلك راجع إلى اعتبارات سوسيو-اقتصادية- سياسية ثم دينية، ولا يتعلق الأمر فقط بالاحتفاظ بوشائج الارتباط بالبلد الأصلي قصد تقوية وزنه في نفوس المهاجرين المقيمين في البلدان الأوروبية، ولكن أيضاً بهدف التشجيع على إيجاد بديل للتأويلات النصية للدين؛ وهناك ثانياً النشاط النضالي الإسلامي بمختلف أشكاله، والإحالة هنا على مختلف أطياف التيار الإسلامي الحركي، من سلفية وهابية وإخوان وغيرهم؛ وهناك في المقام الثالث، الحركات الدعوية التي تتعاطى على الخصوص لتمجيد أفعال الحقبة النبوية؛ والإحالة خصوصاً على جماعة الدعوة والتبليغ؛ وهناك في المقام الرابع، الطرقية الصوفية، واعتبرت في هذا الصدد أنه بالرغم من "جاذبية" التصوف لدى الأشخاص الباحثين عن المدد الروحي، لكن الظاهرة يجب قراءتها أيضاً باعتبارها أداة للمقاومة الاجتماعية للفردانية السائدة أو كسبيل لاستعادة مرح العالم؛ وهناك في المقام الخامس تأسيس قطب ل"مسلمين لائكيين"، عازمين على إسماع صوتهم؛ وأخيراً، تُسجل بريجيت مارشال عزم تنظيمات، أقلية من حيث العدد، إثبات ذاتها من غير عقد واعتبارها بدعة من قبل الأغلبية السنية: العلويون، والبهائيون، والشيعة إلخ.
أما خالد حاجي، مؤلف كتاب "من مضايق الحداثة إلى فضاء الإبداع"، فاعتبر أن المسلمين، كغيرهم من أهل الديانات والعقائد الأخرى، هم كذلك في حاجة إلى إصلاح يخرجهم من جملة المآزق التي تضيق عليهم أفق الإبداع في الكون، لكن شرط نجاح هذا الإصلاح أن يأتي استجابة لحاجة ذاتية وأن يكون مطلباً محلياً مستساغاً، لا مطلباً مجرداً مستهجناً. كما أن الحديث عن "إصلاح الإسلام" يستدعي بيئة فكرية تغلب روح الحكمة وتشجع على الالتزام بآداب الحوار وبأخلاق التناظر والتفاكر، أخلاق "لجم الذات" بتعبير ميشل سير، أو "أخلاق في منتهى الاستعداد لاستقبال حقيقة واردة من الخارج".
وفي هذا الإطار لا يشك حاجي في أن التمكين من الثقافة والتاريخ والأفكار والأساطير والآداب والفنون الأوروبية سيرفع الجاهزية الثقافية والفكرية للمسلمين المقيمين في الغرب، ويجعلهم أكثر قدرة على التنظير للعلاقة بين الديني والسياسي، كما سيُكسِبهم قدرة على التمفصل مع المجتمعات الأوروبية وعلى الانخراط بفعلهم السياسي في السياق الأوروبي، مؤاخذاً على العقل الإسلامي كونه استطاب خطاب الأفول الحضاري وسقوط الغرب وتدني الأخلاق فيه، ومضيفاً أن من أهم مآزق هذا النمط من التفكير، كونه فَوّتَ على هذا العقل إدراك الطبيعة الحقيقية لعلاقة المسلمين بالغرب: إذا صح أن المسلمين في الغرب يمثلون كتلة روحية منعزلة عن السياق الحضاري الذين يحيون داخله، فهذا معناه أن علاقتهم بالغرب هي علاقة صدام بين كتلة روحية متجانسة وكتلة مادية موحدة، يضيف حاجي.
واختتم خالد حاجي مداخلته بالتأكيد على أن الجمع بين الحداثة و"ما بعد الإسلام السياسي" قد يسعف في بلورة منطق ثالث يسمح بفتح فضاء تثاقف وتمفصل بين المسلمين والغرب، دون أن يكون معنى ذلك أن باب التفكير في تغيير الثوابت والأصول التي تنبني عليها المدنية في الغرب قد فتح أمام المسلمين. فكما لا يخفى، فإن الحضارة الغربية وصلت إلى صيغ مخصوصة بها والتوليف بين الديني والسياسي بعد قرون من الصراعات الدامية، فإنه أمام تراجع الشأن الديني في السياق الحضاري الغربي، انتصبت سلط جديدة في مقابل سلطة الكنيسة، من قبيل السياسي، وسلطة المعرفي، وسلطة الفني، وسلطة الإعلامي، وارتضيت العلمانية في هذا السياق صيغة لإدارة الصراع بين هذه السلط مجتمعة: متى ما وعى المسلمون في أوروبا السياق الحضاري الذي هم فيه منخرطون، وجب أن يحصل لهم الوعي كذلك باستحالة رفع سلطة الديني فوق السلط الأخرى دون المساس بالثوابت الضامنة لاستقرار المجتمعات في الغرب.
أما الباحث فرانك فريغوزي، مدير البحث بالمركز الوطني للبحث العلمي باستراسبورغ، فسوف نكتفي بالتوقف عند أهم خلاصات مداخلته وجاء فيها أن أشكال تعبئة المسلمين في أوروبا تشهد على تعدد في كيفية تصور الانتساب إلى الإسلام والارتقاء به والدفاع عنه واستعماله وفق استراتيجيات لرفع مطالب أو لتقديم احتجاجات، ووِفق أنماط من منطق المصالح تكون أحيانا متنافضة.
ويضيف فريغوزي أن هذا التعدد يعكس الصعوبة المتواتر والمتمثلة في عدم الحديث عن الإسلام الأوروبي إلا في صيغة المفرد، وعدم النظر إلى مسلمي أوروبا إلا باعتبارهم يشكلون مجموعة متجانسة، هناك في معيشهم اليومي، حيث يبذل أغلبهم مجهوداً كبيراً ليقدموا لنا الدليل على أن التنافر هو القاعدة وأن التجانس هو الاستثناء.
من مرجعية العمل الصوفي، تدخل الباحث إريك جوفروا، الأستاذ بجامعة استراسبورغ، وأشار بداية إلى أن انحلال الثقافة الإسلامية منذ حوالي الخامس عشر ومعلوم أنها ظاهرة يتفق عليها كل المؤرخين أدى إلى هيمنة المحلي على الكوني أو إلى ما هو أسوأ: تحول الكوني إلى محلي.
ويضيف جوفروا، أننا نُعاين الأوساط المسلمة الأوروبية المعاصرة، ضغوطاً كبيرة للمجموعات الأصلية واستمرار المذاهب الامتثال القديمة ونوعا مما يصفه ب"النفاق الديني"، وهو أمر مرده، من وجهة نظره، إلى وضع ما هو ثانوي قبل ما هو أساسي، مثل أولئك النسوة اللائي يرتدين الحجاب في حين أنهن لا يؤدين الصلاة. وتنتشر فوق الأرض الأوروبية سلوكات قبلية وفيودالية وزبونية في حين ينبغي أن تكون الثقافة الإسلامية الأوروبية الجديدة عاملاً ينشر التحرر والحرية الداخلية.
كما خلُصَ المتدخل إلى أن المسلمين يطالبون بهويتهم من خلال منتوجات ثقافية أو مادية من شأنها أن تحمل علامة إسلامية، وأنه إذا أدمجنا الطابع الكوني للإسلام فإن كل شيء يصبح إسلامياً، أو لا يكون أي شيء إسلامياً. وعلى سبيل المثال فإن الفن أو الموسيقى التي تصبو نحو الجمال تطابق في ذاتها أخلاق الإسلام، حتى وإن لم تكن لها أية علاقة مع ثقافات العالم الإسلامي. ففي سياقنا المتسارع للعولمة، سيتم استبطان المعالم أكثر فأكثر لأن قدرة الأشكال الخاصة على المقاومة، المحلية ستصبح ضعيفة أكثر فأكثر. وآنذاك سيتأكد بكيفية جذرية لا مراء فيها، دور الروحانية، ذلك أن هذا البعد "العمودي" سيظهر بطلان الإيديولوجيات، سواء أكانت سياسية او مجتمعية أو دينية، والباحث هنا منسجم تماماً مع مرجعيته في النهوض أو التقويم، وهي مرجعية تقوم على تزكية الذات.
نختتم هذا العرض بالعروج على كبرى خلاصات القسم الرابع من الكتاب، كما جاءت في مداخلة عبد الكريم عكيوي، الأستاذ بجامعة ابن زهر بأكادير، عندما اعتبر أن النموذج المغربي في التديّن يحتوي لائحة من قواعد التفكير ومناهج النظر، بما يناسب أحوال المسلمين داخل السياق الأوروبي، ويقصد بالنموذج المغربي في التديّن منهج النظر والتفكير والاجتهاد من أجل تنزيل أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية على الواقع المغربي في تجدده عبر الزمان، مضيفاً أن هذا النموذج يهتدي بالمدرسة المالكية في الفقه والاجتهاد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.