ننتظر أن يرفع مجلس الأمن، ومن ورائه الأممالمتحدة، من إيقاع التفاوض حول تطبيق الحكم الذاتي. لم تعد أمام الهيئة التنفيذية للأمم المتحدة أية آراء تتيه فيها، ولا أمامها مشاريع يمكن أن تفاضل بينها، كما أن الحل أصبح واضحا (سيادة مغربية تضمن الحكم الذاتي )، ولا خلاف حول طريقة تنفيذ الحل، كما كان التداول الدولي يريد ذلك. الواقع، هناك تفاصيل لا بد منها، وقد تولى المغرب فيها الشيء الكثير، وهناك إيقاع يفرض نفسه ويفرض الرفع منه نحو تنفيذ الحل المتوافق عليه دوليا. ولعل التشكيلة الحالية لمجلس الأمن تشكل عتبة إيجابية تسعف على ذلك… ويبدأ مجلس الأمن، منذ مطلع يناير الجاري، عمله الموكول إليه بتشكيلة جديدة يظهر جليا أن كفة الميزان فيها تميل لصالح المغرب…إذا نظرنا إليها من زاوية التشكيلة التي سبقتها. لعل الأذهان تذهب مباشرة إلى الجزائر التي كانت عضوا في المجلس، وفي التقدير العام، يمكن القول إنها راكمت سنتين من الكساد الدولي في مواجهة المغرب، كما أن ولايتها انتهت بمذاق مر نظرا للهزيمة في وقف القرار 2797. وقد ظلت إلى آخر رمق، تحاول أن تغير من روحه ومن نصه، لفائدة اطروحتها حول وجود طرفين للنزاع فقط، ما يعفيها من تحمل مسؤوليتها (بوضوح وشجاعة ) كما هي في الواقع ! هذه المحاولة في التسلل خارج رقعة اللعب التي حددها مجلس الأمن، لم تنجح، لكن الأمر لا يتعلق بالجزائر وحدها في التشكيلة السابقة: إذ كان على المغرب أن يدبرها كخصم دائم، إضافة إلى دولة عضو أخرى، هي باكستان، بسبب وضعيتها الترابية نفسها… بالرغم من الشروط غير الملائمة في السنة الماضية، (وهي كذلك بالنظر إلى خروج حليف عربي استراتيجي هو الإمارات العربية من التشكيلة ومن رئاسة الهيئة التنفيذية في الأممالمتحدة ) فقد انتهت الولاية بقرار مصيري وتاريخي، بتوصيف من الدولة حاملة القلم نفسها، الولاياتالمتحدة.. واستطاع المغرب أن يحصل على شبه إجماع دولي لصالحه. في التقدير الجديد يملك المغرب نصابا أوسع، نظرا لأن ثلاث دول عضو جديدة هي صريحة في دعمها لمغربية الصحراء، وتمارس هذا الموقف بوضوح ديبلوماسي عبر افتتاح تمثيليات ديبلوماسية لها في العيون وفي الداخلة، وهي البحرين وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا. بالنسبة لكولومبيا، التي تعلن صراحة احتضانها للطرح الانفصالي وطاقمه البشري، لا شك أنها ستنظر مليا في الموضوع، من زاوية العلاقة مع أمريكا، وما جرى لحليفتها فنزويلا، التي كانت تلعب بنفس الشعارات وأطرتها بنفس الروح العدوانية.. بالنسبة للاتفيا، فهي لم تعلن سوى دعمها للمنطلق السياسي في الحل، وليس المنتهى السيادي المغربي، ولكنها أعلنت بلا تردد عن شكرها للمغرب على دعمه ترشيحها للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وكولومبيا، من جهتها، تعرف أن الرياح تسير عكس ما يشتهيه هواها السياسي الأيديولوجي، ولعل تطورات الوضع في فنزويلا نفسها تدفع نحو إعادة النظر في مواجهتها للمنتظم الدولي وتوافقات جرت في كراكاس بشأن استئناف العلاقات الدبلوماسية، وذلك بعد أيام من اعتقال القوات الأمريكية نيكولاس مادورو ونقله إلى الولاياتالمتحدة. وأعلنت فنزويلا، يوم الجمعة الماضية، أنها بدأت مباحثات مع ديبلوماسيين أمريكيين في العاصمة، في أحدث مؤشر على التعاون، كما حدث ما لم يكن في الحسبان عندما أجرى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ونظيره الأمريكي دونالد ترامب أول مكالمة هاتفية بعد تهديدات متكررة بشن ضربات أمريكية في كولومبيا. وكانت وزارة الخارجية الكولومبية أول من أبلغ عن هذه المكالمة، وهي الأولى بين بيترو وترامب منذ عودة هذا الأخير إلى البيت الأبيض في عام 2025، وأعلن ترامب من جهته أنه سيستقبل نظيره الكولومبي في البيت الأبيض في فبراير القادم.. إلى ذلك أن كولومبيا ستترأس مجلس الأمن في الوقت الميت، أي في ( يونيو)، ما يعني أن القرار سيكون قد اتخذ في أبريل السابق عليه! ولا شك أن مياها باطنية تسير تحت جسور الديبلوماسية في الوقت الراهن: وهي رغم سرِّيتها لا تعني بأنها ستكون بطيئة: أولا، بادر المغرب بل سارع إلى تحيين نسخته حول الحكم الذاتي ليقدمها للتفاوض، وهو بذلك ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، من جهة أثبت بأن المبادرة ما زالت بيده وأن سقفها يتحدد في الرباط، وبين مكونات الشعب المغربي. وثانيا أثبت أنها في توازي وتزامن مع الإرادة الدولية، لم تكتف بالمبادئ العامة حيث إن ملك البلاد دعا إلى التجاوب السريع مع الإرادة المعبر عنها في تحيين المبادرة، وبادرت مكونات الحقل الوطني في أقل من عشرة أيام إلى تقديم مقترحاتها.. ثانيا، أن قرار مجلس الأمن لم يغيب الأجندة الزمنية في تضمينات القرار لأنه وضع فترة ستة أشهر حاسمة لإعادة النظر في الوظيفة الاستراتيجية للمينورسو. وتتزامن هاته الآجال مع ترأس البحرين لمجلس الأمن، ولا شك أنها ستدفع نحو تقييم جذري لهاته المهمة، على ضوء ما سيحصل عمليا وبشكل ملموس. ولا شك أن تولي رئاسة المجلس كل من أعضائه بالتناوب لمدة شهر واحد، تبعا للترتيب الأبجدي لأسماء الدول الأعضاء باللغة الإنكليزية، يمكن أن يسهم في توفير تفاصيل مناسبة حيث تكون الرئاسة كالتالي: الصومال (يناير) المملكة المتحدة( فبراير) الولاياتالمتحدة( مارس) البحرين ( أبريل) الصين (مايو) كولومبيا( يونيو) جمهورية الكونغو الديمقراطية(يوليوز ) الدانمارك(غشت) فرنسا(سبتمبر) اليونان(أكتوبر) ولاتفيا( نوفمبر)، وتختم ليبيريا الدورة برئاستها لجلسة دجنبر 2026. أمام المغرب تجارب في تدبير المرحلة، من حيث تصريف انتصاره الديبلوماسي. من جهة، استحضار أمر بالغ الأهمية ويتمثل في أن إغلاق الملف، قانونيا وشرعيا، لا يعني دوما إغلاقه واقعيا. وقد حدث لنا ذلك في 1975 مع قرار محكمة العدل الدولية، وحدث بعدها بشهور مع الاتفاق الثلاثي الإسباني المغربي الموريتاني، والذي كان في تقدير المغرب قد أغلق الملف، ولكن ذلك لم يمنع التحركات المناهضة له من تحويل الديبلوماسية إلى قانون دولي مناهض وغير مساعد للحق المغربي. وبالرغم من أن مغرب محمد السادس نجح، عكس ما كان سابقا، في توفير حاضنة ديبلوماسية واسعة، وما يشبه تحالفا دوليا متعدد الأطراف والأقطاب، فإن التماطل ودروب التنفيذ يجب أن تدفع نحو تجاوز الوضع الذي يريده الطرف المناوئ وتابعه. تسريع وتيرة الحل أصبح ضرورة حاسمة…