من الصعب نعي أخينا وصديقنا سعيد عاهد بالكلمات والعبر، وكأن الحديث عنه لا يستقيم إلا بالصمت، ما دام هذا الأخير لغة لا يعرف شفرتها إلا القلة منا. من هنا يبدو الصمت رديفا لصديقنا، ومؤدى ذلك أنه قاع معتم أحيانا ومضيء حين الوصول إلى الأخير من ذاك الذي سميناه قاعا. من يستطيع منا الوقوف قبالة الصمت كتميمة مهرًبة من كهوف الأولياء الصالحين. هل قلت شيئا عن سعيد، أم أني أتحدث عن الصمت الذي يلف دواخلنا بمهل وينطق في الصحو. بقدر ما ينفجر في الليل حين يكون الداخل معتما، والآن هل نستطيع الصمت معك أيها الصديق، أم أن الصمت أضحى بوصلة الفاسدين والمفسدين معا؟. ها أنت تربكني مرة أخرى أيها العهد السعيد. ربما أننا قبالة الموت نعيش القلق والخوف لذا لا نستطيع الحديث بطلاقة عن الصمت والموت والبياض، وما شاكل ذلك من مفردات ومفاهيم يختلط فيها الوجود بنقيضه. أرتبك هكذا دون إعلان ذلك، وكأن الكلمات والحروف تتزاحم في المداد، ولا تقوى على التمييز بين حرف وآخر. تلك هي موضوعة الموت بكل طقوسها المادية والرمزية، لقد أجمع كل الأصدقاء أنك عشت صادقا ملتويا بصمتك، وودعتنا كما الصمت تماما. فمن سأحاسب أيها الصديق؟ هل أحاسب الصمت أم زمن العبور من الوجود إلى العدم. أرتعد قليلا ولا أستطيع العودة إلى لقائنا الأول في مقهى سافاران القريب من مكتب الشبيبة الاتحادية منتصف ثمانينات القرن الماضي حين كنا ندور في حلقة الحالمين الضائعين بين الإيديولوجيا والشعر، وبينهما تشربنا النقد المعرفي كي يكون أفقا للاحتجاج. احتجاج ضد كل شيء قائم. ساعتها نحلم ونقيس حلمنا براحة يد الزعيم الفقيد عبد الرحيم بوعبيد. نجول بين المقاهي القريبة من قلعة الورد. وحين يقترب الليل من منتصفه، نتجه نحو مقهى الليل والنهار لنقرأ جرائد الغد ونشرب قهوتنا ثم نعود إلى بيتك القريب من محطة أكدال. هكذا كان يوم الجمعة والسبت من كل أسبوع أزورك فيه. كنت قليل الكلام بينما أنا كنت، نقيضك لكني كنت منصتا لقلبك المتسع لأحلامنا المهرًبة. هذا القلب الذي ضاقت به الأحلام والأوهام والهذيان… وانفجر في صمت وكأنك تداريه حتى وإن كان يتكلم بعنف أو حنق حين أراد الخروج من المقهى وفي الطريق إلى بيتك. كنت تحبسه بعنادك حتى تعطي لزمنك فلسفة خاصة بالصمت. الآن أحتاجك بصدق حتى وإن كان المؤقت المغربي فرق في ما بيننا. اليومي قاتل كما تقول، والانخراط فيه سم يقتل الإنسان بتؤدة، وبتؤدة يبتعد الزمن عنا ونعيش الخيبات تلو الخيبات، وتنظر إلى خيباتنا بعويناتك المنكسرة ولا تقول. تكتب كلمة أو شذرة وترميها في الهواء كما لو كان الجني الحكيم الذي يسكنك يطارد الكلام في الكلام، ويمحو أثر الكلمات في البياض، هكذا كان سعيد يبحث عن كلماته بين أعقاب السجائر، وظل النادل الذي لا يطمئن لآلة الحساب، ولا يجدها إلا في الكأس الأخيرة كي تكون عكاز الطريق إلى القصيدة. هو الحكيم إذن الذي سكنته عائشة البحر ولم تخرج من ضلوعه إلا حين كان يكتب قبالة البحر. هنا أستطيع بدوري الوقوف أمام البحر لأناديك باسم أخي الذي لم تلده لي أمي. هكذا قلتَ يوما حين الاحتفاء بي في مدينة سطات. هل كنا أشقياء كي نكون إخوة نحمل حلما بين أصابعنا، ولا نلتفت إلى الآخرين وهم يسرقون سذاجتنا ويبيعونها بينهم في الأسواق الممتازة أو على شاشة التلفزيون. أقدم لك الاعتذار في هذه الصبيحة التي أكتب فيها هذه السطور. تعرف وضعي الخاص مثلما تعرف محبتي لك، لكنني سآتي إليك في موعد آخر في تلك المدينة التي تعشقها بما يشبه الجنون. هذا الجنون الذي خبرته في القصيدة. سأعود إليه كي أقول لك كلاما آخر. دمت جميلا كما أنت، وصامتا كعهدك، ونقيا كالملاك، وصادقا كولي الله، ورقيقا كابتسامة بوذا، وشاعرا حقيقيا كالبحر.