أحمد عبد الوهاب الردام – و م ع: كما هو الشأن في كل عام، يحمل شهر رمضان المبارك لأفراد الجالية المغربية المقيمة بمدريد نفحات من التقوى والحنين، تظهر جليا في حي "فاييكاس" (Vallecas) الشعبي، الذي يعد أحد أكثر أحياء العاصمة الإسبانية حيوية. وبالنسبة لآلاف المغاربة المقيمين في هذا الحي العريق، يشكل الشهر الفضيل محطة روحية مميزة، يسعون خلالها إلى التوفيق بين متطلبات الحياة اليومية في بلد الإقامة وأداء الواجبات الدينية، مع الحرص على إحياء الأجواء الرمضانية الأصيلة المستمدة من التقاليد المغربية، حيث تتمازج الروحانية وقيم التآلف في تناغم تام. وتبرز حيوية الجالية المغربية بشكل لافت من خلال المطبخ الرمضاني الذي يفرض حضوره بقوة مع حلول موعد الإفطار، حيث تتحول المخابز والمطاعم بالحي إلى سفراء حقيقيين للنكهات المغربية، من خلال تقديم أطباق رمضانية تقليدية مثل البريوات المقرمشة والشباكية المعسلة وسلو الغني بنكهات التوابل. وتوفر هذه المحلات، التي يديرها في الغالب مقاولون مغاربة، للأسر كل ما يلزم لإعداد مائدة إفطار تحافظ على الطابع المغربي الأصيل. ومع حلول وقت الإفطار، يشهد حي "فاييكاس" ظاهرة فريدة كل مساء؛ إذ تخلو الشوارع التي عادة ما تكون صاخبة ومزدحمة من المارة تماما. ففي تلك اللحظة يسود جو من السكون والخشوع وكأن الزمن يتوقف مؤقتا. وتستعيد الشوارع التجارية هدوءا غير مألوف، لا يقطعه سوى صدى الصلوات والدعاء، قبل أن تستأنف الحياة إيقاعها الليلي بكثافة متجددة. ويضطلع الشباب المغاربة بدور مركزي في هذه الدينامية؛ فبين التشبث بالموروث الديني والانفتاح على العالم، يجسدون هوية مغربية متجذرة ومواطنة كاملة. وفي هذا الصدد، يقول ياسين، وهو نادل شاب من مدينة طنجة: "إن عيش أجواء رمضان هنا يعني الحفاظ على قيمنا وتقاسمها مع الآخرين"، فيما تعتبر ابتسام، وهي وسيطة ثقافية، أن هذا الشهر الكريم يمثل "جسرا يربط بين جذورنا المغربية وحياتنا اليومية في إسبانيا". وفضلا عن كونه مناسبة دينية بالنسبة للجالية المغربية، يساهم رمضان في "فاييكاس" في تعزيز التعايش والحوار الثقافي، حيث يبدي العديد من السكان الإسبان احتراما وفضولا تجاه هذه الطقوس، بل ويشارك بعضهم جيرانهم المغاربة وجبة الإفطار في أجواء من الألفة النموذجية. وعلى المستوى الروحي، وبينما يتوجه بعض المصلين إلى المركز الثقافي الإسلامي بمدريد، يفضل الأغلبية مساجد الأحياء القريبة. ويضم حي فايييكاس ثلاثة مساجد تضطلع بدور اجتماعي مهم، وتوفر فضاءات ملائمة لأداء الصلوات الخمس وصلاة التراويح خلال الشهر الفضيل. وهكذا، يعكس رمضان في "فاييكاس" صورة جالية مغربية فخورة بهويتها، ومندمجة تماما في محيطها. فبين روحانية الشهر الكريم، وقيم التقاسم، والتشبت الراسخ بالمملكة، يجسد مغاربة العالم عمق الروابط الروحية والثقافية التي تجمعهم بوطنهم الأم.