تعيش شوارع مدينة الدارالبيضاء وملتقياتها الطرقية حالة من الفوضى العارمة بسبب احتلالها من طرف «جيوش» من المتوسّلين، الذين تختلف طرق الاستجداء عندهم، بين من يشهر «إعاقة» لاستدرار العطف، وبين من يستعمل قاموسا «دينيا» مرفقا بالدعاء المتعددة أصنافه، وبين من يعرض قطع «الحلوى» أو علب المناديل الورقية، أو المعطّرات أو أعلام الدول، وغيرها من الأشكال. متسولون من الجنسين، ومن كل الأعمار، صغارا وكبارا على حد سواء، يحوّلون لحظات التوقف عند الإشارة الضوئية إلى امتحان لقياس درجات التحمل والصبر، خاصة من طرف أشخاص يوجّهون «رشّاشاتهم» المائية التي تُجهل مكوّناتها نحو واجهات السيّارات الزجاجية دون استئذان، بل ورغم حالات «الاعتذار» التي يبديها عدد من السائقين، فإنهم يقدمون على فعلهم بنوع من التحدّي، وينضاف إليهم الذين يلتصقون بالجهات المقابلة لمقاعد السائقين أو للمرافقين، طلبا ل «صدقة» يتحوّل شكلها إلى ابتزاز أكثر منه استجداء، وتتضح معالم هذه «الفتونة» حين لا يتفاعل السائق، وخاصة النساء مع المعنيين بالأمر، ليصب «المستجدي» جامّ غضبه على الجميع بعبارات تارة قدحية لا تخلو من مشاهد عنف، وتارة أخرى بكلمات تحمل ضمنيا وفي باطنها حقدا كبيرا من خلال توعّد غير المتصدّقين ب «عدالة إلهية» وبأن الإنسان مادام حيا فإنه لن يسلم بالضرورة من «الآفات»! هذه الشبكات التي تحتلّ الطرقات والشوارع، التي تشتغل ب «المعطوبين» والرضع والأطفال، ويحضر فيها أصحاب السوابق كذلك، وغيرهم من الذين لا يجدون حرجا في استهداف مواطنين آخرين، بالاستجداء أو بالعنف المادي والمعنوي، تجعل من استعمال الطريق بالنسبة لعدد ليس بالهيّن من المواطنين من اللحظات الأكثر شدّة، خاصة وأن عددا من المتسولين قد «استفردوا» بنقاط مرورية معينة تجدهم فيها، وأحيانا بدون منافس، أو من خلال «شركاء» في العملية، صباح مساء. هذا الوقع المؤلم، الذي تتكرر فصوله صيفا وشتاء، في حضور كل الدوريات الأمنية والترابية ووحدات المساعدة الاجتماعية، التي تتدخل في حالات استثنائية، ثم تعود نفس المشاهد لتتكرر مرة أخرى، يجعل الكثيرين يعتبرون بأن ما يقع بات من المسلّمات وبأن «المتسوّلين» قد بسطوا هيمنتهم على الشارع العام وفرضوا «قانونهم» الخاص بهم، الذي يجعل من عملية «الاستجداء» حقّا مكتسبا ضدا عن القانون، وهو ما يجعل عددا من المواطنين يضطرون بين الفينة والأخرى إلى إخراج دراهم من جيوبهم تفاديا لكل اصطدام ولكل تبعات غير مرغوب فيها، خاصة وأن التسول بات حرفة مدرّة للربح على المعنيين، المغاربة منهم والأجانب، بما أن هذه «الحرفة» تستقطب لها كل يوم المزيد من «الفاعلين». وجدير بالذكر أن العديد من الدراسات والأبحاث كانت قد تطرقت لحجم انتشار الظاهرة واتساع رقعة تمددها، ومن بينها بحث وطني لوزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن الذي أشار في وقت سابق إلى أن أكثر من 62 في المئة من المتسولين يمارسون التسول بكيفية احترافية، وهو ما يعني بأن هذه العملية لا ترتبط بالفقر والهشاشة وإنما صارت شكلا من أشكال الربح السريع بدون مجهود بل وحتى الاغتناء كما تبين في عدد من الحالات، في حين سبق لبحث وطني يعود إلى 2007 أن أشار إلى أن عدد المتسولين يفوق 200 ألف شخص، في ظل غياب ومعطيات إحصائية محينة حول التسول، وهو الواقع الذي استفاض في بسط تفاصيله المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو الآخر عقب الاستشارة التي أطلقها حول الموضوع.