نظّمت كتابة الدولة المكلّفة بالشغل رفقة الجمعية المغربية لتنمية الموارد البشرية في القطاع الفلاحي والصناعة الغذائية، بشراكة مع عدة فاعلين في قطاع الزراعة بالمغرب، على رأسهم "الكومادير"، اليوم الخميس في الرباط، لقاء دراسياً لمناقشة تحديات نقص اليد العاملة الفلاحية وسبل ضمان معالجتها واستدامة العاملين الفلاحيين واستقرارهم. وشهد اللقاء المعنون ب"زراعة المستقبل .. الإنسان، المحرّك الأساسي لبستنة الغد"، حضور كاتب الدولة المكلف بالشغل، هشام صابري، وعدد من المسؤولين والفاعلين في القطاع الفلاحي بالمغرب ومختلف الهيئات المؤسساتية والنقابية ذات الصلة باليد العاملة في الفلاحة. جهد جماعي وفي كلمة له أكدّ هشام صابري الدور المحوري لقطاع الفلاحة في التشغيل بالمغرب، مبرزاً أن "النقص في اليد العاملة الفلاحية ليس مسألة عبثية، بل هيكلية تؤثر على سيرورة القطاع الفلاحي ببلادنا". وأضاف صابري: "هذا ما نلاحظه حالياً من خلال غياب المنافسة، وشروط العمل الصعبة"، مشددا على أن "الإشكال يتعلّق بخلل في الاستقطاب وليس بعدم توافر اليد العاملة من الأساس". ويرى المسؤول الحكومي نفسه أنه "لا يجب التعامل مع إشكاليات الموارد البشرية للقطاع الفلاحي من منظور مجتزأ، بل في إطار حوكمة جماعية، تُدمج الحكومة والنقابات ومختلف الشركاء الدوليين والوطنيين". وتابع كاتب الدول بالتأكيد على أن احترام مدونة الشغل يعد جزءاً لا يتجزأ من المسؤولية القانونية للمشغلّين، "كما أن بعض القوانين يتعيّن عليها أن تتأقلم مع واقع القطاع الفلاحي، خاصة في ما يتعلّق بساعات العمل، والأجور، وطريقة صرفها". في غضون ذلك لم تفت المتحدّث الإشارة إلى تزايد أعداد المستثمرين المشغّلين، والمشتغلين، من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بالقطاع الفلاحي، وقال إنهم "يختارون الاستقرار هنا، في المغرب، أمام التطور الذي يعرفه بفضل التوجيهات الملكية السامية"، وزاد: "لذلك يتعيّن كهيئات حكومية أن نسهّل مساطر عملهم ونوجّههم". وشددّ صابري على أن "السياسات العمومية يتعيّن أن تجعل العمل في قطاع البستنة يتماشى مع المعايير الاجتماعية"، وعلى ملحاحية "التركيز على التكوين والتدريب والإقرار والاعتراف بالمهارات والكفاءات"، مؤكداً "الانخراط الواضح والالتزام التام لكتابة الدولة بالنهوض بقطاع البستنة وتحويل توصيات هذا المؤتمر إلى سياسات عمومية فعالة، مع إرساء حوار اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار هواجس وتطلعات شركائنا النقابيين". خارطة للجاذبية صابري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، قال إن "هذا اللقاء يهدف إلى إطلاق إستراتيجية تضع العامل في قلب العملية الإنتاجية في قطاع البستنة"، مشيرا إلى "أهمية استعراض التجارب الدولية الفضلى، كتجربة المكسيك مثلا، التي استطاعت قبل عشر سنوات معالجة تحديات مشابهة لما نواجهه، ويطمح المغرب للاستفادة من نموذجها". كما أكدّ المسؤول الحكومي ذاته "ضرورة المرور إلى التفعيل على أرض الواقع"، وهو ما وضّحه بقوله: "سنبدأ العمل ابتداءً من الأسبوع المقبل لبلورة خارطة طريق ترفع توصياتها إلى رئاسة الحكومة لمعالجة المعضلات التي يعاني منها القطاع"، خاصة على مستوى جذب اليد العاملة. ونبّه كاتب الدولة إلى أن "العامل الفلاحي لا يمكن أن يتنقل للعمل في ضيعات بعيدة ما لم توفّر له شروط العمل الكريم، بينها السكن اللائق، ووسائل النقل، والاستدامة في الشغل؛ فلا يمكن له أن يشتغل شهراً أو شهرين فقط"، وتابع: "اشتغلنا على نظام لتدوير العمل (System of Rotation) يمكن أن يضمن استدامة الشغل لمدة تصل إلى 10 أشهر في السنة داخل القطاع الفلاحي"، مشيراً إلى من شأن اللقاء توضيح الرؤية بشأن كيفية تطبيق مثل هذه الحلول على أرض الواقع، "بشكل جدي، علمي، ومضبوط". التزام مشترك أورد عثمان القاسمي، رئيس الجمعية المغربية لتنمية الموارد البشرية بالقطاع الفلاحي والصناعة الغذائية، أن "العمل هو المصدر الأكثر حرجاً لمستقبل قطاع البستنة؛ ففي عدة مناطق من المملكة تواجه المقاولات الفلاحية صعوبات متزايدة في توظيف وتثبيت وجذب المواهب نحو مهن البستنة"، وشدد بدوره، في كلمته، على أنه "لا الدولة بمفردها ولا المقاولات ولا النقابات، ولا ممثلو العمل يمكنهم إيجاد الحل بمفردهم؛ فالحل سيكون جماعياً أو لن يكون". عبد الرحمان قنديلا، عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أبرز في كلمته أن المجلس لم يصدر أي دراسة ذات صلة تحديداً بقطاع البستنة، لكن كانت له عدة دراسات وآراء تناولت واقع الفلاحة، ومنها المعيشية والصغرى، مستعرضاً عدداً من توصياته لتجويد وضعية العاملين به، ولا سيّما العناية بالتكوين والتدريب. وقالت سميرة الرايس، عضو الأمانة الوطنية للاتحاد المغربي للشغل، إن "أي إستراتيجية وطنية للبستنة تفتقر للبعد الاجتماعي محكوم عليها بالفشل"، مُشددة على "ضرورة إرساء حوار اجتماعي حقيقي" لمعالجة الإشكاليات التي تعاني منها اليد العاملة بالقطاع الفلاحي.