نحن والحرب. لا أحد يحب الحرب، ولعل الذي ليس له ما يفعله بها، مثل المغرب، له من المبررات أكثر من غيره لكي يبغضها، ولعل ذلك ما يجعل التمحيص أكثر دقة. أحيانا تكفي جملة للتعبير عن الموقف الأخلاقي منها، على قاعدة الأخلاق العامة، أو الأساس الديني، أو على قاعدة القانون الدولي أو الشرعية الدولية، في وقت يكون تحليلها، وقراءة مقدماتها، قبل عواقبها وتأثيراتها، يتطلب الوقوف مليا عند كل عناصر معادلاتها. ونقصد المعادلاتِ التي تصنعها الحربُ أو التي تصنع الحربَ. شخصيا أرى أن في عقيدة المغرب ما يكفي لتفكيك المعادلة، وهي عناصر تعود، في التقدير الاجتهادي القابل للخطأ والصواب معا، إلى عقد من الزمن على الأقل. أفكر تحديدا في التنبؤات التي تخوف ملك المغرب من وقوعها منذ عشر سنوات. نحن على أبواب أبريل، وفي عز الحرب، ولا يمكن أن نختزل الموقف الملكي في التصريح النبيل والأخلاقي، البراغماتي معا، الذي يجمع المصلحة والمبدأ في المقولة الصائبة والعميقة والمسؤولة: " أمن الخليج من أممنا والعكس صحيح". هاته المقولة تكون لها في زمن السلم حمولة عاطفية أكثر منها أمنية وعسكرية، لكنها في زمن الحرب تحمل شحنة وجودية واستراتيجية، وهي التي تطغي في قراءة ما يحدث الآن، في حين أن الموقف، لكي يكون شاملا، يجب أن يستحضر كذلك الكثير من العناصر الخارجة عن هذا المبدأ. بداية لا بد من أن نعطي لهذا الموقف مداه، وما يستحقه. لم تكن مواقف المغرب المعبر عنها، من طرف جلالة الملك وقبل ذلك من طرف الخارجية المغربية، ثم تمت العودة إليها في اجتماع الجامعة العربية، مواقف تمليها، فقط، الأخوة والتاريخ والصداقة الطويلة بين المملكة المغربية ودول الخليج، في مجلس تعاونها. بل يمكن التأكيد، بدون مغامرة، بأنها كانت كذلك مواقف محكومة بالعقلانية والتقدير الجيوسياسي السديد ومستندة إلى قراءة عميقة للمنطقة وتحولاتها، في تفاعلاتها مع تقلبات المعطى الدولي. ولم ينتظر المغرب الحرب الحالية لبلورتها والتعبير عنها. هذا التوضيح يجعل هاته المواقف تخرج من منطق العاطفة، دينية كانت أو تاريخية أو قومية، إلى منطق التحكيم العقلي، الذي يقرأ الخارطة جيدا وما ستتطلبه تحديات الحاضر والمستقبل، بناء على آثار الحرب، وبناء على مقدمات لم تسترع الانتباه في وقتها. لقد حضرت العاطفة.. الصادقة حقا، وحضرت الأخوة ولا شك، لكن حضرت في خلفية المكالمات الهاتفية بين ملك المغرب وقادة دول الخليج الإرادة في إعادة تحيين التضامن على قاعدة ما جاءت به الحرب، وأعادتنا إلى القراءة الشاملة والعابرة للشرط الأمني المباشر… هدا الترابط الأمني، يستند أيضا، على التشبث بنفس القيم والمبادئ، وبنفس التوجهات البناءة، وعلى "تطابق وجهات النظر، بخصوص القضايا المشتركة"، وهو ما يعني وحدة التحليل ووحدة التوجه، وهما أكبر من تنسيق سياسي محكوم بالظرفية. في هذه القراءة يمكن أن نعود إلى ما حدده خطاب الملك منذ عشر سنوات لنجد العديد من عناصر التحليل وكذلك عناصر التنبؤ بما سيقع عندما تكون دول الخليج هدفا للهجمات. 1-تنبؤات ضاجة بالرَّاهنية في الموقف ترابط أمني بين المغرب ودول الخليج العربي، وأساسا دول مجلس التعاون. وهو، بالاستنتاج الحتمي، شرط إجباري في توازنات العالم العربي في محيطه الشرق أوسطي، والقاري الأفرو آسيوي والعالمي… كما أن الشراكة المغربية الخليجية القديمة تاريخيا تقوم على معطيات مادية ملموسة وحاسمة في ضبط العلائق الدولية، منها الوحدة الترابية والسلامة الوطنية ومواجهة التهديدات الخارجية، وهي حسب تصنيفها ، متجسدة في "الدفاع المشترك" الذي تم تسطير اتفاقيته في القمة الخليجية المغربية في أبريل 2016… كما تجسدت، ميدانيا، من خلال المشاركة في "التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية"، في مواجهة أنصار الله الحوثيين في مارس 2015، في إطار "عملية عاصفة الحزم"، وقد شارك المغرب في العمليات بطائرات مقاتلة، وهو مستعد للعودة إلى هاته المشاركة في "الدفاع المشروع عن سلامة الدول المستهدفة".