يحرص عزيز أخنوش، في مختلف خرجاته السياسية الأخيرة، على اعتماد لغة هادئة ومنضبطة، لا ترفع الصوت ولا تنجر إلى سجالات مباشرة مع خصومه. غير أن هذا الهدوء، عند تفكيكه، لا يبدو حياديا أو عفويا، بل يشتغل كأداة سياسية دقيقة، تعيد ترتيب موازين الخطاب داخل المشهد الحزبي، وتعيد تعريف من يملك مشروعية الكلام ومن يبدو وكأنه يصرخ من خارج الزمن السياسي. في كلمته أمام المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، لم يلجأ رئيس الحكومة إلى مهاجمة المعارضة بالاسم، ولم يدخل في سجال مفتوح مع حزب العدالة والتنمية، لكنه اختار أسلوبا أكثر نجاعة يتمثل في رسم حدود واضحة لما يعتبره سياسة مسؤولة. حين شدد على أن السياسة تمارس في الميدان، لا عبر البلاغات المتشنجة ولا من خلال التنظير الافتراضي، فإنه لم يكن يقدم تعريفا مجردا للعمل السياسي، بل كان يؤسس لمعيار ضمني يقاس به الآخرون. هذا المعيار، القائم على الفعل والاستمرارية وربط العمل الحزبي بالتحولات الكبرى التي تعرفها البلاد، يسمح لخطاب أخنوش بأن يظهر بمظهر الواثق من الزمن السياسي الذي يتحرك داخله. فهو يتحدث من موقع من يرى أن مسار الإصلاح ما زال في بداياته، وأن الحزب الذي يقود الحكومة ليس في حالة استعجال أو دفاع، بل في موقع بناء وتراكم. في هذا السياق، يتحول الهدوء إلى رسالة سياسية مزدوجة. من جهة، يعكس ثقة في استمرار التجربة الحكومية وفي القدرة على استكمال الأوراش المفتوحة. ومن جهة أخرى، يضع الخطابات المعارضة، دون تسميتها، في موقع النقيض. فحين يتم تعريف العمل السياسي باعتباره فعلا ميدانيا بعيدا عن التوتر اللفظي، يصبح كل خطاب حاد أو انفعالي خارج هذا الإطار، وكأنه تأكيد ضمني على العجز عن التأثير من داخل المؤسسات. بهذا الأسلوب، ينجح أخنوش في توجيه سهام نقده دون إطلاقها بشكل مباشر. فهو لا يتهم العدالة والتنمية، لكنه يحدد نموذجا للسياسة يجعل خطاب الحزب يبدو، في نظر جزء من الرأي العام، منفصلا عن هذا النموذج. النقد هنا لا يمارس عبر الاتهام، بل عبر إعادة تعريف القواعد، وهو ما يمنح الخطاب قوة أكبر وأثرا أعمق. كما أن ربط أخنوش العمل الحزبي بالرؤية الملكية وبالتحولات الاستراتيجية التي يعرفها المغرب، يضفي على خطابه بعدا مؤسساتيا يجعل أي مواجهة معه تبدو غير متكافئة. فالمعارضة، في هذه الحالة، لا تجد نفسها في مواجهة حزب فقط، بل في مواجهة سردية تقدم نفسها كامتداد لمسار وطني أوسع، وهو ما يضيق هامش المناورة الخطابية أمام خصومه. بهذا المعنى، لا يمكن قراءة خطاب أخنوش بوصفه مجرد خطاب تهدئة أو تطمين، بل كخطاب ينتج مفاعيله عبر ما لا يقوله أكثر مما يقوله. فهو خطاب يترك للآخرين مهمة الظهور في موقع التوتر، بينما يرسخ لنفسه صورة الفاعل الهادئ الواثق، الذي لا يحتاج إلى رفع الصوت ليؤكد حضوره. وفي نهاية المطاف، فإن الذكاء في هذا الخطاب لا يكمن في حدته، بل في قدرته على جعل النقد يبدو وكأنه استنتاج طبيعي لدى المتلقي، لا موقفا مفروضا عليه. وهو ما يجعل خطاب العدالة والتنمية، في هذا السياق، يبدو وكأنه رد فعل على مسار يشعر بأنه يبتعد عنه، أكثر مما هو مشروع بديل قادر على فرض إيقاعه الخاص.