أكدت جولة المفاوضات التي احتضنتها السفارة الأمريكيةبمدريد مؤخرا تحولا جذريا في مسار نزاع الصحراء المغربية، بعدما كشفت كواليس اللقاء عن معطيات ميدانية وضعت الجزائر في قلب المسؤولية المباشرة عن استمرار الجمود السياسي. وحسب معطيات ميدانية من داخل الاجتماع، فقد سجل الوفد الأمريكي رفيع المستوى حالة من الصمت التام لممثل جبهة البوليساريو، الذي ركن إلى انتظار مواقف وزير الخارجية الجزائري قبل الإدلاء بأي رأي، مما اعتبره مراقبون سقوطا نهائيا لورقة الحياد التي طالما حاولت الجزائر التمسك بها أمام المجتمع الدولي. وتشير القراءات الدبلوماسية لهذا اللقاء إلى أن ارتهان قرار البوليساريو بالكامل للإشارات الجزائرية أمام مسؤولين أمريكيين بقيمة "مايكل والتز" و"مسعد بولس"، جرد الجبهة من ادعاء الاستقلالية السياسية وحولها في نظر واشنطن إلى مجرد أداة تنفيذية لاستراتيجية إقليمية تديرها العاصمة الجزائر. هذا الانكشاف المباشر ينهي حقبة الأطراف المتوارية، حيث باتت الإدارة الأمريكية تتعامل مع الواقع كما عاينته في مدريد، وهو أن التفاوض مع الوكيل لن يؤدي إلى نتائج ملموسة في ظل غياب الأصيل الممسك بزمام القرار الفعلي. وعلى صعيد المسار التفاوضي، نقل المغرب النقاش من المبادئ العامة إلى حلول إجرائية عبر تقديمه وثيقة تقنية مفصلة من أربعين صفحة حول مبادرة الحكم الذاتي، مما وضع الطرف الآخر في مواجهة استحقاقات الحل الواقعي التي يقابلها بالنكوص نحو شعارات تجاوزها الزمن الدولي. ويرى محللون أن هذا التباين في المنهجية يضع الجزائر تحت طائلة المسؤولية الدولية المباشرة عن أي عرقلة مستقبلية، خاصة وأن المجتمع الدولي بدأ يضيق ذرعا بسياسة المناورة والهروب من التفاصيل التقنية للحل السياسي الوحيد المطروح على الطاولة. وفي سياق التحركات المقبلة، يبرز الصمت المحرج للبوليساريو في مدريد كحجة قانونية قوية يمكن للمغرب استثمارها في تقريره القادم أمام مجلس الأمن لتعزيز مطلبه بضرورة إشراك الجزائر كطرف مباشر ورئيسي في العملية السياسية. ومن شأن هذا المتغير الجديد أن يدفع باتجاه إعادة تعريف أطراف النزاع دوليا، والضغط نحو صيغة الموائد المستديرة كإطار إلزامي، انطلاقا من القناعة الدولية المتزايدة بأن مفاتيح الحل تقع بالكامل في يد الدولة الجزائرية، وأن أي تقدم في الملف يمر حتما عبر مواجهتها لالتزاماتها التاريخية والقانونية.