باشرت المحاكم المغربية بمختلف درجاتها تفعيل تحول تشريعي تاريخي ينهي حقبة الاعتقال الفوري في قضايا الشيكات بدون مؤونة، متبنية مقاربة إجرائية جديدة تعلي من شأن التسوية والأداء على حساب العقوبة السالبة للحرية. ويمثل هذا التوجه قطيعة مع المنطق الزجري التقليدي الذي كان يضع الحرية الفردية في كفة موازية للدين المالي، حيث شرعت النيابات العامة في إصدار أوامر بالإفراج الفوري عن المعتقلين في هذه القضايا، مع التصريح بعدم قبول المتابعات التي لم تحترم التراتبية الإجرائية الجديدة. وتكمن الفلسفة العميقة لهذا التعديل في اعتبار الشيك أداة وفاء يجب أن تخدم الحركية الاقتصادية، لا أن تتحول إلى مقصلة تهدد الاستقرار الاجتماعي للمتعاملين بها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المتقلبة التي قد تعصف بالقدرة المالية للأفراد والمقاولات. وبموجب هذه المستجدات، لم يعد بإمكان النيابة العامة تحريك الدعوى العمومية بمجرد التوصل بشكاية شيك بدون رصيد، بل أصبح لزاما عليها المرور عبر محطة الإنذار القانوني المسبق. هذا الإجراء الإلزامي يمنح المدين مهلة قانونية محددة لتسوية وضعيته المالية وأداء قيمة الشيك، وهو ما ينقل الملف من طابعه الجنائي الصرف إلى مسار تصالحي يهدف أولا وأخيرا إلى استرداد الحقوق المالية لأصحابها. ومن الناحية القانونية، فإن هذا الإجراء يكتسي صبغة إجرائية آمرة ذات أثر فوري، ما دفع المحاكم إلى تطبيقه ليس فقط على الملفات الوافدة حديثا، بل حتى على المتابعات التي كانت جارية قبل صدور القانون، إيمانا بأن القانون الأصلح للمتهم والموافق لروح الإصلاح القضائي هو الأولى بالتطبيق. وتحمل هذه القفزة التشريعية أفكارا نوعية تتجاوز مجرد تخفيف الاكتظاظ في السجون، إذ تكرس لمفهوم الأمن القضائي للمعاملات عبر إعادة التوازن للعلاقة بين الدائن والمدين. فحبس المدين لم يكن يحقق في كثير من الأحيان استرجاع الأموال، بل كان يؤدي إلى شلل تام في قدرة المعني بالأمر على العمل وتحصيل المبالغ المطلوبة. اليوم، وبفضل الأحكام القضائية النموذجية التي بدأت تتقاطر، أصبح الإنذار هو صمام الأمان الذي يمنع الانزلاق نحو الاعتقال غير المبرر، ويؤسس لمرحلة ينظر فيها إلى الخطأ المالي كتعثر إيجابي قابل للإصلاح تحت مراقبة القضاء، بعيدا عن منطق الإكراه البدني التلقائي، وهو ما ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية.