"المشاريع الكبرى" تخلق أزمة بين فرنسا والمغرب وباريس تُلوّح بإغلاق "رونو طنجة"    البطولة الاسبانية: برشلونة يسقط في فخ التعادل    نشرة خاصة.. تساقطات ثلجية ورياح قوية يومي الإثنين والثلاثاء بعدد من مدن المملكة    مهرجان الحكي الإفريقي يسدل الستار على فعاليات الدورة الثانية    إسماعيل حمودي يكتب: الجزائر.. الوصاية مستمرة    فتح بحث قضائي لتحديد ملابسات محاولة تهريب كميات كبيرة من الهواتف المحمولة انطلاقا من مليلية    بمشاركة حكيمي.. دورتموند ينتصر برباعية خارج أرضه في البوندسليجا    بعد استقالة حامي الدين.. عبد الصمد الإدريسي رئيسا لمنتدى الكرامة    حاول تهريب 929 هاتف نقال.. أمن الناظور يعتقل مغربيا قادما من سبتة    العثماني: المغاربة يحتاجون لبث الأمل .. والحكومة قامت بإضافات مهمة (صور) خلال مؤتمر نقابة الUNTM    ياجور يقود ضمك لهزم الفيحاء في الدوري السعودي    بطولة إنجلترا (الدورة ال17): نادي ليفربول يتغلب على ضيفه واتفورد    قرار أممي جديد يدعم المسار السياسي لتسوية قضية الصحراء    الحكومة الأوروبية الجديدة تقدم أول هدية للرباط قيمتها 101 مليار سنتيم    تلويح فرنسا بإغلاق “رونو طنجة” .. هل هو ردة غاضبة من توجه المغرب للصين؟    أزولاي: تسجيل « كناوة » تراثًا لا مادي إنساني تكريس لريادة الصويرة    دراسة: الاحتفال بأعياد الميلاد والعام الجديد تضر القلب    وزير الشباب والرياضة يعيد تنظيم مباريات التوظيف بعد إكتشاف تلاعب خطيرة في النقط    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    زيدان "لا يفكر إطلاقا في الكلاسيكو" قبل مواجهة فالنسيا    بنعبد الله يحذر من تفشي "أزمة الثقة" وتفاقم الغضب بين المغاربة    استنكر صمت الأمة الإسلامية.. أوزيل ينتقد الصين بسبب انتهاكاتها بحق مسلمي”الإيغور”    جدل الحريات الفردية بالمغرب .    الشرطة فاس تستعمل السلاح لتوقيف شخصين عرضا حياة مواطنين للخطر باستعمال السلاح الوظيفي    محورية الرحمة والرفق بالخلق في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين    اعتقالات تنهي نشاط شبكة إجرامية خطيرة بين المغرب وإسبانيا    تفويض انتخابي ساحق لجونسون يُخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي    الحكم بالتحفظ على البشير عامين في الاصلاح الإجتماعي ومصادره أمواله    عامل إقليم السمارة يترأس الحفل الإفتتاحي للمهرجان الدولي الساقية الحمراء لسباق الهجن    ريفر بليت يهزم سينترال ويتوج بكأس الأرجنتين    محكمة الجنايات تدين أما قتلت طفلها وتخلصت من جثمانه بطنجة    دراسة: مادة الكركم تؤخر خرف الشيخوخة    المعلم يدخل عالم التمثيل كبطل لعدة أعمال درامية    خمس المغاربة يحلمون بالعيش في طنجة    « شبيبتا الاستقلال والاتحاد: الانتخابات ليست « إجراء روتيني    أخنوش يترأس افتتاح الدورة الأولى لمعرض الصناعات التحويلية للزيتون بتاوريرت    مهرجان “بويا” يحتفي بالإبداعات الموسيقية النسائية بالحسيمة    حكم مخفف على البشير.. التحفظ على الرئيس المعزول عامين في الإصلاح الاجتماعي ومصادرة أمواله    دراسة أمريكية تؤكد اكتشاف دائرتين في المخ ترتبطان بالأفكار الانتحارية    ورشات تفاعلية بالحسيمة حول آليات دعم خلق المقاولة والتكوين والتوجيه المهني    النواب الأمريكي يبدأ أولى خطوات التصويت على عزل ترامب    اليوم النطق بالحكم على الرئيس المعزول “البشير” والجيش السوداني يستنفر قواته    إنطلاق عملية بيع تذاكر كلاسيكو الوداد والجيش الملكي 5 نقاط بيع و300 تذكرة لأنصار‘‘العساكر‘‘    دراسة كندية تكشف بروتين في دماغ الإنسان يحميه من ألزهايمر    الناظور.. رفع الحظر عن جمع وتسويق الصدفيات على مستوى جهة راس كبدانة-السعيدية    بعد « خليوها تهضر » الدوزي يعود مرة آخرى ب » لوكان جا قلبك » «    دراسة: الزواج مفيد للصحة النفسية.. والرجل الرابح الأكبر امتدت لسنوات    حسنية اكادير لكرة القدم يعود بالفوز من خارج الميدان على رجاء بني ملال    العروسي ونادية كوندا ضيفتا برنامج « سترايك » مع حمزة الفيلالي    أب طلفة يقدم على الانتحار شنقا ضواحي تطوان    رسام جزائري توقع تنصيب تبون رئيسا للجزائر قبل شهرين في رسم كاريكاتوري أدخله السجن    ليدك تتوج للمرة السادسة بجائزة المقاولات الأكثر فعالية في مجال المسؤولية الاجتماعية    عذرا أيها المتقاعدون.. هذه الحكومة لا تحبكم!    دار الإفتاء المصرية تصدر فتوى حول "شعور الميت داخل قبره"!    التمرّد الفردي المقابل الأخلاقي للحرب    تقريب المفازة إلى أعلام تازة    “الضمير” و”القانون” في مواجهة العنف والجريمة..    التحريض على الحب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





خمس سنوات على خطاب 9 مارس.. ما الذي تحقق؟
نشر في المساء يوم 15 - 03 - 2016

حلت قبل أيام الذكرى الخامسة لخطاب 9 مارس، الذي دشن لأول دستور في مملكة محمد السادس. منذ ذلك الوقت سرت مياه كثيرة تحت جسر المغرب السياسي، حيث استطاع المغرب أن ينحني لعاصفة ما سمي بالربيع العربي، وآثر أن يختار طريق الإصلاحات عوض الدخول في مواجهة مباشرة مع الشارع، وطعمت التجربة المغربية في تجنب آثار الحراك، الذي اجتاح كثيرا من البلدان العربية، بوصول الإسلاميين لأول مرة لتدبير الشأن الحكومي في مغرب ما بعد الاستقلال. الحقيقة أن مراهنة الدولة على الإصلاح بالتدريج «أنهك» الحراك المغربي، خاصة بعد انسحاب جماعة العدل والإحسان من الشارع، ثم إن جرأة الإصلاحات التي أقدم عليها محمد السادس في مرحلة حرجة، أسهمت بشكل كبير في خلق ما أصبح يطلق عليه ب»النموذج المغربي». ما الذي تحقق بعد 5 سنوات من الخطاب الملكي؟ وهل تكتسب الوثيقة الدستورية مشروعيتها من بنودها أم من الممارسة؟ ثم كيف تعامل عبد الإله بنكيران، أول رئيس حكومة بعد الدستور الجديد مع الصلاحيات التي أعطيت له؟ وهل نجح البرلمان في التأسيس لسلطة رقابة حقيقية خلال الخمس سنوات الماضية؟ بروح الدستور الجديد، أصبحت مؤسسة رئاسة الحكومة مشاركة في تعيين الوزراء، وباتت تتوفر على قوة اقتراحية للتعيين في الكثير من المناصب الحساسة التي كانت بموجب الدستور القديم في يد الملك، لكن عبد الإله بنكيران آثر أن ينحو مسارا آخر خشية الدخول في أي مواجهة مع مؤسسات الدولة. لقد كان مدركا أن غايته الأولى تقديم صورة مختلفة عن إسلاميي المغرب، وإثبات أنهم ابتعدوا كثيرا عن الدعوة وصاروا حزبا سياسيا بالمقومات الحديثة، وعلى هذا الأساس، لم يفتأ بنكيران في تقديم الكثير من التنازلات بدءا بقانون «ما للملك للملك وما لبنكيران» الذي خول للملك سلطة التعيين في مؤسسات كثيرة، وكان بنكيران يقول لمنتقديه إن إنجاح التجربة المغربية تقتضي مجهودا جماعيا. تنازلات بنكيران كثيرة، ولا يمكن أن يتسع المقام لتعدادها، بيد أن الثابت أنه استطاع أن يحافظ على تجربة الإسلاميين بعد سقوطهم المدوي في كل من مصر وتونس، الدولتين اللتين شكلتا المثال الملهم لباقي الثورات العربية. في البدايات الأولى للحكومة «نصف الملتحية»، صادق البرلمان على قانون يتعلق بالحصانة العسكرية، وفهم الأمر حينها بأن تحديد خطوط التماس مع المؤسسة الملكية وصلاحياتها الحساسة خاصة المجال العسكري، أمور تحظى بالأولوية القصوى. واجهت أحزاب المعارضة في أكثر من مرة تهمة خرق فصول الدستور وعدم الاحتكام إلى التأويل الديمقراطي للدستور، وتحولت الجلسات الشهرية لمراقبة العمل الحكومي- وهذا مكسب جديد في الدستور الجديد- إلى حلبة للصراع الدائم حول فشل الحكومة والمعارضة على حد سواء في تنزيل فصول الدستور الجديد. وما كان مفترضا أن يتحول إلى لحظة دستورية فارقة تناقش فيها البرامج والأفكار ومدى تفعيل روح الدستور، أصبح عويلا وسبابا وقذفا وتوظيف قاموس ما تحت الحزام أكثر من مرة. وعدا بعض اللحظات القليلة التي اتخذ فيها النقاش طابعا هادئا، تميزت الجلسات الشهرية التي أخرجت مؤسسة رئاسة الحكومة من حالة السكون، بالفوضى والحديث عن قوى الاستبداد وإطلاق عبارات فضفاضة توظف في كل سياق من قبيل: التحكم والفساد والدولة العميقة، وهي مفاهيم وإن كانت تكتسي الكثير من الإثارة الإعلامية، فإنها عطلت كثيرا مسار الإصلاح السياسي في البلاد. شكلت 5 سنوات من الإعلان عن إصلاح دستوري شامل اختبارا حقيقيا للمؤسسة البرلمانية بغرفتيها من أجل تقوية أدوارها خاصة في ظل المشاريع الكثيرة التي أعلن عنها، وبينما كان منتظرا أن ينصب الجهد التشريعي على تجويد القوانين وتنزيل مضامين الدستور، نزل النقاش مرة أخرى إلى مدارك الابتذال، فالحكومة من جهة احتكرت حقل التشريع ولا أدل على ذلك تبني الحكومة لمشروع قانون حول لجان تقصي الحقائق كانت فرق المعارضة سباقة إلى طرحه، ثم إن المعارضة انخرطت بدورها في بوليميك فارغ حول «تسفيه» رئيس الحكومة للفرقاء السياسيين، وقد وصل الأمر مداه عندما قدمت 4 أحزاب من المعارضة مذكرة إلى الملك قال عنها مصطفى بكوري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، إنها كانت من أجل وقف توظيف اسم الملك في الصراع السياسي. مضت خمس سنوات والقانون التنظيمي حول الأمازيغية لم ير النور بعد، وحتى عندما وضع حزب التجمع الوطني للأحرار مقترح قانون عاد ليسحبه بمبرر أنه لا يزال في حاجة إلى التشاور، أما مدونة الصحافة والنشر التي كانت محط خلاف بين المهنيين، فإنها لا تزال تراوح مكانها، علما أن هاته السنة ستكون انتخابية بامتياز، وقد يؤجل طرح القانون المتعلق بترسيم الأمازيغية إلى الولاية الحكومية المقبلة. يمكن القول إجمالا إن مسافة الميل في مسيرة تنزيل الدستور لا تزال في بدايتها بفعل وجود نخبة غير قادرة على رفع التحدي، فيما أن الأحزاب السياسية تنظر إلى العملية السياسية في مجملها على أنها لحظة انتخابات تؤدي إلى مكاسب لحظية، أما مؤسسة رئاسة الحكومة فقد أثبتت أنها غير قادرة على كثير من المخاطرة، بالمقابل أظهرت ملكة كبيرة في التكيف مع الزمن المغربي.
أعطاب تنزيل الدستور… المسؤولية المشتركة للحكومة والنخبة السياسية
أحزرير: هناك مقاومات في التنزيل والنصوص تكون محط خلاف داخل الحكومة
بمرور خمس سنوات على تنزيل دستور 2011 ، يكون المغرب قد قطع أشواطا في تنزيل هذه الوثيقة، التي لا شك أنها تسائل كافة المؤسسات المعنية بذلك، سواء بالنسبة للحكومة بصفتها الموكول لها تنزيل عدد من القوانين المرتبطة بها، أو بالنسبة للمؤسسة الملكية أو الأمانة العامة للحكومة، فضلا عن النخبة السياسية التي لها دور في التفاعل مع المقتضيات الدستورية. وكما هو شأن أي وثيقة دستورية، فلا شك أن تنزيلها سيعرف أعطابا، منها المرتبط بالمؤسسات ومنها المتعلق بالسلوك السياسي، كما أن «القوانين التنظيمية مع الأسف الشديد لم يتم تنزيلها جميعها، منها ما هو في طور الإنجاز كما هو الأمر بالنسبة للمجلس الأعلى للشباب والمجتمع المدني، الذي يوجد في طور الإنجاز، والقوانين التنظيمية المتعلقة بالسلطة القضائية التي تم الانتهاء من مسطرة تشريعها، أو القوانين المتعلقة بالمناصفة، فضلا عن آليات الديمقراطية التشاركية والمجتمع المدني، خاصة أن الجيل الجديد من الحقوق يعرف أزمة كبيرة بسبب الديمقراطية»، يقول عبد المالك أحزرير، أستاذ العلوم السياسية بجامعة المولى إسماعيل بمكناس، والذي أشار إلى أن من بين الأعطاب التي عرفها تنزيل الدستور، تلك المتعلقة بالنخبة السياسية التي لم تساير روح الدستور، وهو ما يعتبر خللا كبيرا، إلى جانب سلوك رئاسة الحكومة التي يتصرف رئيسها كمسؤول حزبي وليس كرئيس حكومة، والذي كلما سوئل إلا ويقول إن ذلك من اختصاص المؤسسة الملكية، رغم أن دستور 2011 أعطى صلاحيات كبرى لرئيس الحكومة، من قبيل اقتراح الوزراء وغيرها من الصلاحيات، وبدا وكأنه يعمل بدستور 1996، وهو ما يدفع إلى طرح السؤال: هل الخلل في الوثيقة الدستورية أم في النخبة؟ ولاشك أنه في أي بلد توجد مقاومات، وهو الأمر ذاته الذي عرفته عدد من النصوص التنظيمية من قبيل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والذي يمكن أن نسميه خللا في منحى النص، سواء على مستوى الحكومة أو الأمانة العامة للحكومة أو اللجان البرلمانية، وهو ما يؤدي إلى إفراغ نص القانون من الروح التي جاء بها الدستور، حيث قال أحزرير في هذا السياق: «إن المسار الذي تتخذه النصوص التنظيمية مسار كبير جدا بين الأمانة العامة للحكومة والحكومة والمؤسسة الملكية، فالجميع يتحمل مسؤوليته، ليس فقط في التنزيل، ولكن في بلورة القوانين التنظيمية التي تكون محل خلافات بين الحكومة والأمانة العامة للحكومة، هذه الأخيرة تميل إلى رئيس دولة، كما هو الشأن في التجربة الفرنسية والمغربية، فضلا عن الخلل في تنزيل مضامين القوانين التنظيمية». وإذا كان رأي المحلل السياسي يتجه في تحميل المسؤولية إلى كافة الأطراف بالنسبة لتنزيل المقتضيات الدستورية، فإن السياسيين تتباين مواقفهم من خلال مواقعهم، إذ أنه في الوقت الذي تدافع الأغلبية عن إنجازاتها، فإن المعارضة ترى أن الحكومة لم تقم بتنزيل مضامين الدستور كما يجب، وفي هذا السياق، يقول حسن عبيابة، الناطق الرسمي لحزب الاتحاد الدستوري: «إن الدستور الحالي جاء متضخما بالمطالب الاجتماعية والحقوقية، في حين تكاد تكون دسترة القوانين الاقتصادية محدودة جدا، ولا تتجاوز 20 بالمائة»، موضحا أن «الدستور القوي، بدون موارد مالية، هو دستور ضعيف، إذ أن تطبيق عدد من المطالب الحقوقية والاجتماعية يتطلب ضخ أزيد من 150 مليار درهم في ميزانية الدولة». وأضاف الناطق الرسمي باسم الاتحاد الدستوري أن تطبيق هذه الحقوق المضمنة بالدستور، يتطلب خلق موارد مالية إضافية، «وتوفير هذه الموارد لا يأتي بالخطاب الاجتماعي والحقوقي فقط، بل عبر خلق خطاب اقتصادي قوي يكون منتجا للثروات، وهو ما لم تنجح فيه الحكومة الحالية، والتي فشلت في خلق فرص الشغل للمعطلين وجلب الاستثمارات» يقول عبيابة، الذي أكد «أن جزءا من الدستور سيبقى معلقا إذا لم توفر له الموارد المالية الضرورية».
الشرقاوي: حكومة بنكيران ظهرت عاجزة عن تنفيذ جزء كبير من الدستور
بعد أن فشلت في فرض ثقافة دستورية جديدة تحدث قطيعة مع الماضي
شكل الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011، في غمرة هبوب رياح الربيع العربي على المغرب، نقلة نوعية للمملكة نحو عهد دستوري جديد، بعد أن أفضت المبادرة الملكية وما تبعها من حراك ومشاورات بين مختلف الفاعلين على الساحة السياسية والمدنية، إلى المصادقة على دستور فاتح يوليوز 2011.
ولئن كان الدستور الجديد خطوة هامة في اتجاه تجسيد مسيرة الانتقال الديمقراطي للمملكة، والانخراط في مسار الإصلاح في ظل الاستقرار، بيد أن اعتماده جعل الفاعلين في مواجهة امتحان صعب يتمثل في قدرتهم على تنزيل الوثيقة الدستورية الجديدة، واكتساب ثقافة دستورية جديدة تحدث قطيعة مع تلك التي كانت سائدة قبل اعتمادها، سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى الممارسة. وعلى امتداد السنوات الخمس الماضية، أثير نقاش حاد حول تلك القدرة، ولاسيما في ظل تسجيل صعوبة واضحة في تمثل النخبة السياسية الحالية لروح ومضمون الدستور الجديد، وفي قدرتها على تسريع وتيرة تنزيله قبل نهاية الولاية التشريعية الحالية، من خلال إخراج العشرات من القوانين التنظيمية المؤطرة لعمل العديد من المؤسسات الدستورية. كما بدا لافتا طيلة تلك الفترة الاتهامات الموجهة من المعارضة إلى حكومة عبد الله بنكيران ب»بطئها» في تنزيل الوثيقة الدستورية، وضعف المردودية مقارنة مع التزام دستوري، تم من خلاله إلزام البرلمان والحكومة بإخراج جميع القوانين التنظيمية التي تفوق العشرين قبل متم الولاية التشريعية الحالية، بالإضافة إلى عدم احترام منهجية التوافق في صياغة تلك القوانين. واليوم، ونحن على بعد 6 أشهر من انتهاء الولاية التشريعية الحالية، تبدو مواقف الفاعلين السياسيين والمتتبعين للشأن السياسي متباينة بشأن تنزيل دستور 2011، وهو ما كشفت عنه الندوة التي نظمتها مؤسسة "فكر للتنمية والثقافة والعلوم"، في موضوع "سنوات من تطبيق الدستور 2011-2016.. الحصيلة والآفاق"، الأربعاء الماضي بالرباط، بمشاركة قادة أحزاب في الأغلبية والمعارضة. وقد بدا واضحا بهذا الصدد، اعتراف محمد نبيل بنعبد الله، أمين عام حزب التقدم والاشتراكية، بأنّ الحكومة التي يوجد حزبه ضمن مكوّناتها لم تُفلح إلى حدّ الآن في تنزيل كلّ مقتضيات دستور 2011، بالقول: «لم نصل بعدُ إلى الدرجة المطلوبة في تنزيل الدستور». وإن كان بنعبد الله حاول النأي بالحكومة عن تحمل مسؤولية عدم تنزيل مقتضيات الدستور لوحدها، قائلا: «كل ما ناضلنا من أجله على مستوى تثبيت المؤسسات ودورها، وفصل السلط، والحقوق السياسية والثقافية، والتي أدمجت في الدستور، هي مسؤوليتنا جميعا»، إلا أن السؤال الذي ينبغي طرحه في الوقت الراهن، حسب زعيم شيوعيي المملكة، هو: هل يمكن تطبيق الدستور إذا لم يكن هناك دعم من الجميع لتنزيل المبادئ التي جاء بها على أرض الواقع بالمفهوم الديمقراطي الحقيقي؟ معتبرا أن هذا السؤال ما زال مطروحا إلى يومنا هذا». بالمقابل، وصف الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري، في تدخله، حصيلة تنزيل القوانين التنظيمية المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية ب»الضعيفة جدا»، واعتبر أن ما تم تنزيله من قوانين تنظيمية إلى الآن يتضمن "الكثير من المساحات الغامضة والفارغة"، موردا نموذج القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين بالوظائف السامية. وفي الوقت الذي اعتبر العماري أن تنزيل الدستور لم يعتمد على مبدأ الجهد الجماعي ومشاركة مختلف المكونات والمضمون التوافقي، الذي تم اعتماده خلال إخراج الوثيقة الدستورية في 2011، يرى عمر الشرقاوي، الباحث في العلوم السياسية، أنه من السابق لأوانه الحديث عن نجاح حكومة بنكيران في تنزيل الدستور، بالنظر إلى أن متضمنات الوثيقة الدستورية تتجاوز الولاية التشريعية الحالية، مشيرا إلى أنه رغم أن بعض مقتضياتها، خاصة تلك المرتبطة بإخراج القوانين التنظيمية، هو بعهدة الحكومة الحالية، بيد أن ذلك لا يعد مقياسا لمنسوب احترام تنزيل الوثيقة الدستورية. وحسب الباحث في العلوم السياسية، فإنه يمكن الحديث عن «نصف» تنزيل، بسبب ضعف سلطة الحكومة فيما يتعلق باتخاذ القرارات الاستراتيجية الحاسمة على المستوى العملي، تحديدا، وبشكل أقل على المستويين الدستوري والقانوني، وكذا بالنظر إلى سبب بنيوي يتعلق بطبيعة تركيبة الحكومة وعدم تجانس العقائد السياسية، وهو ما أدى إلى هزات حكومية تسببت في إرباك العمل البرلماني لأكثر من سنة، بعد انسحاب وزراء حزب الاستقلال وتعويضهم بالأحرار. وبرأي الشرقاوي، فإنه يمكن الحديث عن نجاح الحكومة في ملء سلتها التشريعية، إذ بعد تسع دورات تشريعية، نجحت في كسب نحو 270 نصا قانونيا، جزء كبير منها مرتبط بتنزيل الدستور، خاصة ما يتعلق بالقوانين التنظيمية والقوانين المنظمة للمؤسسات الدستورية. ويبدو أن المؤشرات المتوفرة تظهر أن الحكومة تتجه نحو تحقيق سبق تشريعي كبير مع انتهاء ولايتها التشريعية، حيث يتوقع أن تتجاوز الحصيلة 330 نصا قانونيا، وهو ما يتجاوز 243 مشروعا تضمنه المخطط التشريعي، موزعة على القوانين التنظيمية، والقوانين المتعلقة بتنفيذ أحكام الدستور، والأخرى المتعلقة بتنفيذ السياسات العمومية والتصديق على الاتفاقيات الدولية.وإذا كانت حكومة بنكيران، حسب المتحدث ذاته، قد أفلحت إلى حد كبير في استغلال صلاحياتها الواسعة في التعيين في المناصب السامية، إذ بعد مرور 195 مجلسا حكوميا نجحت في تعيين أكثر من 610 مسؤولين كبارا في الوظيفة العمومية، إلا أنها نجحت بشكل محدود جدا في تنزيل الكثير من الأهداف الدستورية لاسيما تلك المتعلقة بالمحاسبة، إذ أظهرت الممارسة محدودية الحكومة في محاربة الفساد بمختلف أشكاله، وظل شعار الحكومة والحزب المتزعم لها مجرد حبر على ورق، بل إنها انتظرت حتى الأشهر الأخيرة لتعلن عن خطتها لمحاربة الفساد. وفي تشريحه لأداء حكومة بنكيران، يرى الشرقاوي أن هذه الأخيرة ظهرت عاجزة عن تنفيذ جزء كبير من الدستور، إذ رغم الصلاحيات الكبيرة التي منحتها الوثيقة الدستورية لرئيس الحكومة، وهي الصلاحيات التي لم يسبق أن تمتع بها أي وزير أول في تاريخ المغرب، إلا أن بنكيران قرر التنازل عنها من أجل بناء الثقة مع المؤسسة الملكية، مشيرا إلى أن رئيس الحكومة لم ينجح في تحقيق أي خطوة في مسار الإصلاحات الكبرى، التي كان قد أعلن عنها في برنامج حكومته، فالملفات التي حاولت الاقتراب منها مازالت على حالها، من قبيل صناديق التقاعد المهددة بالإفلاس في سنة 2022. وبالرغم من كل هذا العجز، يرى الباحث في العلوم السياسية أن الحكومة وحدها لن تستطيع تحقيق مطالبها الدستورية مهما بذلت من مجهودات خارقة، خاصة في ظل حجم الإرث الثقيل الذي ورثته.
العلام : النصوص التنظيمية أفرغت الدستور من محتواه
قال إن الواقع أثبت أن الممارسة في اتجاه والنصوص في اتجاه آخر
الوقوف على الحصيلة وماذا تحقق بعد 5 سنوات على خطاب9 مارس يقتضي العودة إلى الظروف التي أحاطت والتي أعقبت الخطاب، حسب عبد الرحيم العلام، الباحث في العلوم السياسية، الذي قال إن ما منح في الخطاب تم سحبه وقتا قصيرا من خلال لجنة المنوني، واعتبر أن الأصوات التي ارتفعت حاليا للمطالبة بمراجعة الدستور مشروعة بحكم أن الممارسة كشفت وجود تضخم في المؤسسات التي تستنزف أموال الدولة دون أن يكون المغاربة بحاجة إليها.
– بعد خمس سنوات على خطاب تاسع مارس هناك تفاوت كبير في تقييم الحصيلة، وشبه إجماع على أن الواقع والممارسة أثبتا أن الآمال التي عقدت على التغيير كانت مفرطة في التفاؤل، ما السبب؟
هناك تفاوت، بحكم أن حركة 20 فبراير بمن فيها من جمعيات وهيئات ومنظمات وأحزاب، لم تكن انتظاراتها كبيرة من الخطاب، وربما كان لديها موقف منه باعتباره محاولة لامتصاص المطالب، وأنه مجرد خطاب للاستهلاك فقط، خاصة أنه لم يشر إلى اللجنة التأسيسية المنتخبة التي ستتكلف بوضع الدستور، وبالتالي فإن فعاليات 20فبراير لم تكن تراهن عليه بشكل كبير. في المقابل، فإن الجهة الثانية المتمثلة في مجموعة من الأحزاب السياسية والهيئات والنقابات وفعاليات المجتمع المدني كان لها رهان، خاصة أنها طالبت بالإصلاحات الدستورية مثل أحزاب الكتلة، وهو ما يفسر التفاوت في تقييم الحصيلة بين هذه الأطراف المختلفة.
– هناك من يحمل رئيس الحكومة مسؤولية كبيرة في فرملة التنزيل الفعلي لفلسفة ورح الدستور، في سعي لكسب ثقة القصر، كما أن نفس المسؤولية تنطبق على الأحزاب ؟
لا يمكن الرهان على رئيس حكومة لم يطالب بإصلاح دستوري، بل كان دائما يطالب بإصلاحات سياسية، ويقول إن الأهم بالنسبة إليه هو التطبيع مع المؤسسة الملكية ووجود الإسلاميين في الحكومة، بل وتحدث عدة مرات عن استعداده للمشاركة في الحكومة ولو كوزير منتدب، وبالتالي لا يمكن التعويل على رئيس حكومة لتنزيل إصلاحات دستورية أو الدفاع عنها. ربما من سوء حظ التجربة السياسية الدستورية المغربية بعد دستور 2011 أن الذي أوكلت إليه مهمة التنزيل هو عبد الإله بنكيران المعروف بأن رهانه ليس دستوريا، بل هو رهان التطبيع مع المؤسسة الملكية والقصر، وبالتالي فرط في مجموعة من الإصلاحات، وهنا لا بد من التذكير بأن الدستور لم ينص على وزير دولة أو وزير منتدب للتأكيد على أن بنكيران أول من قام بخرق الدستور، من خلال عدم محافظته على مكتسب أن الدستور نص على أن الحكومة تتكون من رئيس للحكومة ووزراء، ويمكن أن تضم كتابا للدولة، لكن بنكيران سارع إلى المطالبة بتعيين وزير للدولة بدون حقيبة، ومن جانب القصر عين وزراء منتدبين وهو أمر غير دستوري، كما لاحظنا مسألة أخرى تتمثل في أن الوزراء سارعوا لتسلم مهامهم ولم يحترموا التنصيب البرلماني، أي أنهم اكتفوا بالتعيين الملكي واعتقدوا أنه كاف، ما يجعلنا نستحضر المثل المغربي «من الخيمة خرج مايل» فيما يتعلق بتعاطي رئيس الحكومة مع تنزيل الدستور.
– ماذا عن مسؤولية الأحزاب؟
ما قلناه عن الحكومة ينسحب على الأحزاب المشاركة فيها، أما بالنسبة لأحزاب المعارضة فقد حاولت ما أمكن انتزاع صلاحياتها، وبالتالي لا يمكن أن نحملها مسؤولية كبيرة رغم أنها دافعت عن بعض الإجراءات غير الدستورية، كما حدث حين إقالة وزير «الكراطة» بتلك الطريقة، كما سكتت عن طريقة تمرير بعض التعيينات والقوانين التنظيمية، وكان بإمكانها المناداة بتفعيل بعض الإجراءات انطلاقا من كون أن مؤسسة رئيس الحكومة ليست خاصة ببنكيران أو الأغلبية، وأن تقويتها مكسب جماعي. إلى جانب هذا، فإن هناك بعض الأحزاب كفيدرالية اليسار الديمقراطي والطليعة التي طالما أصدرت بيانات ومواقف تندد فيها بخروقات معينة.
– هناك من يرى أن السعي إلى تفعيل مضامين الدستور تمت مواجهته بقوى تحاول التكفل باستعادة ما فقدته الدولة بعد حراك 20 فبراير؟
إذا عدنا قليلا إلى الوراء سنتذكر أنه كان هناك خطاب لتنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولم تكن فيه أي إشارة لمطالب 20 فبراير حتى فهم حينها أن الملك غير راغب في التجاوب مع هذه المطالب، لكن وبعد أيام قليلة جاء خطاب 9 مارس الذي كان بدون مناسبة وطنية أو دينية، وكان استثنائيا، كما كانت فيه 900 كلمة كلها ذات مضامين دستورية، لكن ما أعطي في الخطاب تم سحبه من خلال طريقة تعيين لجنة، عوض أن تكون لجنة تأسيسية منتخبة، كما أن الأشخاص الذين عينوا فيها هم مقربون من المؤسسة الملكية. إلى جانب ذلك، أحدثت لجنة الآلية التي وضع على رأسها مستشار الملك لتفرغ ما يمكن أن يمرر من خلال لجنة المنوني، وهنا أستحضر ما قاله الأستاذ الطوزي الذي كان عضوا في اللجنة بعد حديثه عن وجود تسع نسخ من مسودات الدستور لم تقبل أي منها، كما كان هناك التنصيص على مدنية الدولة وحرية المعتقد، وهذا ما لم نشاهده في المسودة، وحتى النسخة التي استفتي حولها الشعب لم تنشر في الجريدة الرسمية، وليست هي الموجودة اليوم بعد أن تم تعديلها في آخر لحظة، وبالتالي فكلما ابتعدنا عن لحظة 20فبراير كلما بدأنا في الحديث عن التراجعات، ثم هناك الدستور الموازي المتمثل في القوانين التنظيمية، التي أفرغت الدستور من محتواه.
– علاقة بذلك عدد من القيادات الحزبية خرجت في الآونة الأخيرة للحديث عن كون الدستور يحتاج إلى مراجعة، – هل هذه المطالب تستند إلى أسس موضوعية وواقعية؟.
هذه الأصوات هي استكمال للأصوات التي رفضت التصويت على الدستور، لا ننسى أن الدستور الحالي تمت مقاطعته من طرف نشطاء 20 فبراير، والأحزاب والهيئات التي انضمت إليها كالعدل والإحسان والنهج والجمعية المغربية لحقوق الإنسان واليسار الاشتراكي الموحد. وفي نظري فإن هذه المطالب مشروعة، لأن الممارسة هي التي تكشف لنا ما نريده وما لا نريده، واليوم نرى بأن لدينا عددا كبيرا من المؤسسات التي اتضح أن المغاربة ليسوا في حاجة إليها، كما لدينا عدد ضخم من مؤسسات الحكامة التي تستنزف ميزانية الدولة، كما حان الوقت للتفكير في إلغاء مجلس المستشارين، وشاهدنا جميعا كيف ساهم في إفساد الحياة السياسية بعد ما حدث في انتخابات الناخبين الكبار، وأعتقد أنه إذا انضافت الأحزاب والهيئات السياسية التي صوتت على الدستور إلى الهيئات التي قاطعت فإن حجة المقاطعين ستصبح قوية.
– استكمال ترسيخ دولة الحق والمؤسسات وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية وضمان ممارستها، كانت من بين الأهداف التي أعلنها خطاب تاسع مارس، ألا ترى أن المغرب فشل في كسب هذه الرهانات في ظل التقارير الوطنية والدولية التي تتحدث عن وجود نكسة وتراجع؟
الأمر مرتبط أساسا بغياب الإرادة السياسية، قد تكون لديك قوانين تنص على احترام حقوق الإنسان، وهي قوانين يمكن القول إنها متطورة، لكن خلال الممارسة يتضح أن هذه الأخيرة لازالت رهينة لأساليب سابقة تنهل من القمعية والاستبدادية، وهو ما تترجمه عدد من المتابعات والاعتقالات، حيث تأكد أن الممارسة العملية عصفت بالمكتسبات النظرية بعد طرد عدد من المؤسسات الحقوقية، واعتقال عدد من الناشطين ومنع بعضهم من السفر. هذا كله يكشف أن الممارسة في اتجاه، والنصوص في اتجاه آخر، وهو أمر ينطبق أيضا على الدستور فهناك نصوص دستورية تنص على احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وعالميا لكن بما يتلاءم مع القوانين المحلية، وبالتالي عوض أن تكون الاتفاقيات الدولية هي الحاكمة نجد العكس، وهو ما يفسر أن المرأة لازالت ممنوعة من الشهادة اللفيفية، ومن أن تكون عدلة وإلى غيرها من مظاهر التمييز.
– الخطاب تحدث عن تقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة، لكن هل تحقق هذا الهدف ولو بشكل نسبي؟
ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس له طابع إداري وقضائي فقط، بل إن المحاسبة يجب أن تكون في المقام الأول سياسية، من خلال صناديق الاقتراع، لكننا اليوم نرى أن أكثر من ثلث الحكومة ليس له لون سياسي، علما أن الوزراء التقنوقراط لا تهمهم أصوات الناخبين، وهو ما اتضح في طريقة التعاطي مع عدد من المراسيم التي أثارت جدلا واحتجاجات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.