عبدالحميد البجوقي الجمعة 6 مارس 2026 - 0:58 إسبانيا والحرب ضد إيران.. حسابات استراتيجية، سياسة داخلية.. والمغرب أثارت الحرب التي بدأت بها الولاياتالمتحدة وإسرائيل ضد إيران ردود فعل متباينة داخل الاتحاد الأوروبي. فمعظم الحكومات الأوروبية عبّرت عن انتقادات للعملية العسكرية لأنها لم تحصل على تفويض من مجلس الأمن الدولي، ما يضعها في منطقة قانونية رمادية من حيث الشرعية الدولية. ومع ذلك، جاءت هذه الانتقادات في الغالب حذرة ومتحفّظة. في هذا السياق، برز موقف الحكومة الإسبانية بشكل أكثر وضوحاً مقارنة ببقية الدول الأوروبية. فقد أعلنت مدريد رفضها للعملية العسكرية، وقرّرت عدم السماح باستخدام القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها في أي عمليات مرتبطة بالحرب. الموقف الإسباني أثار ردود فعل قوية في واشنطن، خصوصاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي ألمح إلى احتمال اتخاذ إجراءات ضد إسبانيا. وقد غذّت هذه التصريحات نقاشاً سياسياً واسعاً داخل البلاد، حيث طرح بعض المحللين سيناريوهات ضغط أمريكي محتملة، مثل نقل القواعد العسكرية الأمريكية إلى المغرب أو حتى دعم واشنطن للمطالب المغربية المُتعلقة بمدينتي سبتة ومليلية. لكن قراءة جيوسياسية أكثر هدوءاً تشير إلى أن كثيراً من هذه المخاوف مبالغ فيها. من الناحية العملية، نقل القواعد الأمريكية في روتا ومورون ليس أمراً بسيطاً. هذه المنشآت العسكرية جزء أساسي من البنية اللوجستية لحلف الناتو في البحر المتوسط، وإعادة إنشاء بديل لها في مكان آخر ستكون عملية مُكَلِّفة ومُعقدة للغاية. كما أن إسبانيا توفر مزايا استراتيجية يصعب تعويضها بسرعة، مثل الاستقرار السياسي، والبنية التحتية العسكرية المتقدمة، والاندماج الكامل في منظومة دفاع الناتو، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يتيح الوصول إلى البحر المتوسط والمحيط الأطلسي في آن واحد. صحيح أن المغرب أصبح شريكاً مهماً للولايات المتحدة في شمال إفريقيا، لكن دوره لا يمكن أن يحل فوراً محل الدور الذي تلعبه القواعد الموجودة في إسبانيا. التعاون العسكري بين الرباطوواشنطن يتزايد بوضوح، ويتجلى في المناورات المشتركة مثل مناورات «الأسد الإفريقي»، وصفقات التسليح المتقدمة، إضافة إلى تصنيف المغرب ك«حليف رئيسي من خارج الناتو». غير أن الدور الاستراتيجي للمغرب يتركز أكثر في محيطه الإقليمي، خصوصاً في منطقة الساحل، وفي قضايا الأمن في غرب إفريقيا ومراقبة الضفة الجنوبية للمتوسط. كذلك ليس من المرجح أن يستغل المغرب هذه الظروف لإثارة قضية سبتة ومليلية بشكل تصعيدي. فعلى الرغم من استمرار الرباط في المطالبة بالمدينتين، فإن السياسة المغربية في السنوات الأخيرة اتسمت بقدر كبير من البراغماتية. فقد حقق المغرب مكاسب دبلوماسية مهمة، مثل اعتراف الولاياتالمتحدة بسيادته على الصحراء الغربية، وتغير موقف الحكومة الإسبانية لصالح مقترح الحكم الذاتي. لذلك يبدو أن الأولوية الحالية للمغرب هي تثبيت هذه المكاسب بدلاً من فتح نزاعات جديدة مع أوروبا. في الواقع، المجال الذي قد يستفيد فيه المغرب من هذه التطورات هو تعزيز موقعه الدولي. التوترات العالمية المتزايدة والاضطرابات في الشرق الأوسط تجعل الولاياتالمتحدة تميل أكثر إلى الاعتماد على شركاء إقليميين يُنظر إليهم كعناصر استقرار. وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يعزز مكانته كشريك أساسي لواشنطن في إفريقيا وغرب المتوسط، خاصة في مجالات الأمن والتعاون الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب وإدارة قضايا الهجرة. أما بالنسبة لإسبانيا، فإن التأثير الأكثر مباشرة للأزمة قد يكون داخلياً أكثر منه استراتيجياً. فالموقف الذي اتخذه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز يحمل بعض المخاطر في علاقاته مع الولاياتالمتحدة، لكنه قد يُحقّق له مكاسب على الصعيد الداخلي. رفض الحرب التي يُنظر إليها على أنها أحادية الجانب ينسجم مع مزاج واسع في الرأي العام الإسباني، وهو مزاج تشكّل منذ تجربة حرب العراق عام 2003. الكثيرون ما زالوا يتذكرون أن مُشاركة حكومة خوسيه ماريا أثنار في غزو العراق أحدثت انقساماً حاداً في المجتمع الإسباني، وبعد هجمات مدريد عام 2004 تغيّر المشهد السياسي بشكل كبير، ما ساهم في خسارة الحزب الشعبي للانتخابات وصعود الحزب الاشتراكي إلى الحكم. ورغم أن الظروف الحالية مختلفة، فإن تأثير تلك التجربة ما زال حاضراً في الذاكرة السياسية الإسبانية. لذلك فإن اتخاذ موقف واضح ضد حرب مثيرة للجدل قد يمنح سانشيز دعماً انتخابياً، خصوصاً إذا استطاع تقديم نفسه كمدافع عن الشرعية الدولية وعن استقلال القرار الأوروبي في السياسة الخارجية. في هذا الإطار، يبدو موقفه أكثر جرأة مقارنة بعدد من الحكومات الأوروبية الأخرى التي فضّلت تبني موقف غامضن واكتفت بانتقاد غياب تفويض الأممالمتحدة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن. أما إسبانيا فقد اختارت رفع مستوى الخطاب السياسي في معارضتها للحرب. ومع ذلك، هناك أيضاً حسابات تتعلق بالمستقبل. السياسة الخارجية الإسبانية غالباً ما تتغير مع تغير الحكومات. وبالتالي فإن وصول حكومة جديدة إلى السلطة في مدريد قد يعيد تعديل العلاقات مع الولاياتالمتحدة والتعاون العسكري بين البلدين. وهذا ما يجعل من غير المرجح أن تتخذ واشنطن قرارات استراتيجية دائمة كرد فعل على الوضع الحالي. في النهاية، يكشف الجدل الدائر في إسبانيا كيف يمكن للنزاعات الدولية أن تُؤثر في التوازنات السياسية الداخلية، وأن تخلق أحياناً تصورات مبالغاً فيها حول المخاطر، وسيناريو نقل القواعد العسكرية الأمريكية أو حدوث تغييرات جذرية في وضع سبتة ومليلية يبدو في الوقت الحالي غير مُرَجّح. لكن الأزمة قد تترك آثاراً أخرى أقل وضوحاً وأكثر عمقاً، مثل تعزيز دور المغرب كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، وإعادة تموضع إسبانيا داخل النقاش الأوروبي حول شرعية الحرب، إضافة إلى استخدام هذا الملف في الصراع السياسي الداخلي. وكما يحدث غالباً في الجغرافيا السياسية، فإن النتائج الأهم لا تظهر بسرعة، بل تتشكل تدريجياً من خلال تغيّر موازين القوى والتصورات الاستراتيجية على المدى الطويل. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة